توقفنا في الحلقة السابقة عند بوادر أزمة مكتومة بين الزوجين عمر الشريف وفاتن حمامة، فبعد أن ازدهر عملهما السينمائي واستقرت أسرتهما التي انضم إليها طفلهما طارق، عاودت أحلام السفر والعالمية الشريف مجددا وراح يستسلم لها، بل ويسعى إليها بحماسة، بينما وجدت حمامة نفسها في موقف لا تُحسد عليه، موقف أربكها حين عاد إليها الشريف من مقابلة مع المخرج البريطاني الشهير ديفيد لين ليخبرها أنه حصل على دور في فيلم كبير اسمه «لورانس العرب»، وجدت نفسها فجأة مشدودة بين سعادتها كفنانة محبَّة لزوجها وبين خوفها وغيرتها كامرأة من فقدان الزوج.غادر الشريف القاهرة لتصوير دوره في فيلم «لورانس العرب»، الذي يروي سيرة ضابط استخبارات بريطاني أرسلته حكومته لتأليب عرب شبه الجزيرة وقبائلها على الدولة العثمانية، وتشكيل مجموعات مقاتلة من أنصار الهاشميين للعمل خلف خطوط القتال التركية في الحرب العالمية الأولى، وتزعم السيرة الرسمية للضابط المذكور أنه أراد تحقيق الوحدة العربية في المشرق بزعامة الهاشميين، غير أن رؤساءه خدعوه عبر اتفاق سري عرف بإسم «سايكس ـ بيكو»، يقسم بلاد العرب بين فرنسا وبريطانيا فضلا عن وعد «بلفور» الذي يمنح فلسطين لليهود، هكذا روجت بريطانيا لأسطورة لورانس وجعلته قائدا للعرب وبطلا لوحدتهم الفاشلة.
كان الفيلم بحاجة الى نجم عربي كي يستقيم ويصبح مقبولاً، فكان الشريف هذا النجم وكان بيتر أوتول هو لورانس، الضابط البريطاني، وأصبح الفيلم أسطورة سينمائية تسحرالبريطانيين والغربيين وتشد خيالهم إلى عبقرية ضابط صنع أمة وقادها كما تشتهي بلاده. يقول الشريف: «عندما عرض علي المخرج ديفيد لين فيلم «لورانس العرب»، سيطر عليّ هاجس النجاح أو بالأدق القبول بالتحدي من أجل النجاح، على رغم أنني ظننت في البداية أن الأمر مجرد حلم... لم أكن أتخيل أبداً أن تلك الخطوة ستقودني إلى عالم السينما الهوليوودية، هذا العالم المغلق أمام أي فنان عربي، في الوقت نفسه لم أكن على يقين من أن هوليوود سوف تقبلني، كان النص جيداً، ودوري مكتوباً بشكل جيد وأعتقد أن أي ممثل غيري لو أدى الدور سينجح. كانت المفاجأة أن الفيلم حصل على سبع جوائز «أوسكار» وقبلها حصل على ثلاث جوائز «غولدن غلوب»، ووجدتني مع بيتر أوتول أشاركه الفيلم، وكان وقتها لم يصبح بعد نجماً كبيراً كما الآن، المؤكد أن تلك التجربة كانت فعلا مغامرة بالمقاييس كافة من المخرج ديفيد لين، لكنها مغامرة محسوبة».المن والسلوىفي المرة الأولى التي التقى فيها الشريف بديفيد لين كان يقف وحيداً في انتظاره وسط الصحراء، قبلها كان اتصل به في القاهرة لأنه كان بحاجة إلى ممثل عربي ليمثل دوراً صغيراً في فيلمه الذي كان قيد التحضير «لورانس العرب» وكان الأمر أشبه بالمنّ والسلوى بالنسبة إلى النجم بحسب تعبيره، إذ لم يكن في ذلك الحين أكثر من ممثل مصري شاب يشق طريقه في عالم السينما، ومن هنا كان يشعر بأن لقاءه مع مخرج «جسر على نهر كواي» سيكون أشبه بالحلم، وعلى ذلك النحو نزل الشريف من الطائرة الخاصة التي أقلته إلى قلب الصحراء ليجد لين واقفاً أمامه. يتذكر الشريف: «فورا نظر إليَّ لين من رأسي إلى أخمص قدمي من دون أن يتفوه بكلمة، ثم اصطحبني إلى خيمة حيث جرّب أن يضع على وجهي شاربين ولحية، وذلك كله وسط صمت مطبق حيّرني، بعد ذلك التقط لي مشاهد تجريبية قصيرة مع الممثل الفرنسي موريس رونيه الذي كان استُدعى ليقوم في الفيلم بدور مهم، وما إن انتهينا من ذلك التصوير التجريبي، أرسل لين ما صوّره إلى «كولومبيا» الاستوديو الهوليوودي المنتج للفيلم، فيما عدت الى القاهرة».عاد الشريف إلى القاهرة وهو متأكد من قبوله للتمثيل في ذلك الفيلم الذي خسره ممثلون آخرون منهم الفنان رشدي أباظة، اذ رأى لين أن الشريف هو الأقرب الى الملامح العربية الواضحة كذلك لغته الإنكليزية الأفضل، بعد ذلك بفترة قصيرة تلقى الشريف وهو في القاهرة رسالة تدعوه للتوجه إلى لندن فقال في نفسه: كل هذا من أجل دور صغير، ثم توجه إلى العاصمة البريطانية وعلم هناك أنه اختير للقيام بالدور الذي كان من المفترض أن يمثله موريس رونيه، وكان الدور الثاني في الفيلم، المفاجأة أدهشت الشريف وأسعدته بالطبع، يقول عنها: أخبرني لين لاحقاً أنه يحب رونيه حقاً، لكن الأخير لم يكن يبدو عربياً بما فيه الكفاية، ثم أن لين كان يريد للدور ممثلاً ذا عينين غامقتين، لإبراز عيني بيتر أوتول الزرقاوين، بالإضافة الى انه حينما جعلني ورونيه نمثل التجربة معاً، كان يعلم وقبل إبلاغ «كولومبيا» بذلك، أنني سأحصل على الدور... والأمر نفسه حدث خلال التصوير: كان لين يعرف جيداً ما الذي يريده».صفحة جديدة«قبل تصوير «لورانس العرب» كان لين يقبل النقاش، لذلك كان يجمعنا كل صباح كي يشرح لنا المشاهد التي ستصور خلال اليوم، كان يصغي دائماً إلى اقتراحاتنا، لكنه في الحقيقة كان نادراً ما يعمل بها، كان إنكليزياً إلى حد كبير، وكان يبدو عليه أنه لا يحب الممثلين كثيراً، اليوم أعتقد أنني وآليك جينيس، كنا الأقرب إليه»، يقول الشريف. الحقيقة أن لين كان يحب الممثلين حينما يحتاج إليهم فحسب، وفي المقابل كان يفضل صحبة المخرجين والتقنيين.سافر الشريف إلى الأردن لتصوير «لورانس العرب» واستمر التصوير عامين في صحراء الأردن وكان شاقاً، لكنها ضريبة العلا والأحلام الصعبة التي تستحق التعب والجهد، والتي دفعها الشريف عن طيب خاطر وإرادة سعت إلى النجاح وكان التحدي سمته التي ساعدته في الوصول إلى ذلك. يتذكر الشريف تلك المرحلة: «اختار لين أثناء تصوير الفيلم أن نعيش حياة البدو بكل ما فيها من قسوة، لقد كنا نعمل في الفيلم لمدة 28 يوماً شهريا، وفي اليوم الثامن والعشرين، كنا نعود إلى بيروت في إجازة مدتها 48 ساعة، يقضيها كل منا بالطريقة التي تناسبه، وقد تعودنا أنا وبيتر أوتول أن نقضي إجازتنا في بيروت ونبحث عن ملهى ليلي لكسر القيود، ذلك أمر لا يمكن نسيانه أبداً».«لورانس العرب» هو الفيلم الذي وُضعت له ميزانية وصلت إلى أربعة عشر مليون دولار، أكبر إنتاج سينمائي شهدته الستينات وأخرجه لين الذي حقق أول إنطلاقة عالمية للشريف المجهول للأوروبيين والأميركين وبيتر أوتول شريكه في بطولة الفيلم والذي لم يكن تجاوز بعد الحدود البريطانية، أوتول ذلك الإيرلندي صاحب العينين الزرقاوين، قام بدور «لورانس» الذي استطاع أن يكسب لبريطانيا إمبراطورية، بينما قام الشريف بدور «الشريف علي» زعيم أو رئيس قبيلة عربية يعاونه للوصول إلى ذلك الهدف.يقول الشريف: «لم يكن أي منا، أنا وأوتول، ذهب إلى هوليوود، لكننا بالطبع تصورنا إمكان حدوث ذلك، وضعنا سوياً هذه الرؤية أمام من عملوا معنـا، واستمعنا منهم إلى قصص، من أليك جينيس، أنتوني كوين، وديفيد لين. كان لديهم الوقت لأن يتكلموا وكان لدينا الوقت لأن نسمع، كنا نعيش جميعا تحت الخيمة نفسها وسط الصحراء، كنا مضطرين لأن نراعي حياتنا، ننصت إلى أحاديث بعضنا البعض، كنت أراقبهم كأصدقاء وكنت أنصت إليهم ممتنًا وشاكرًا لهم بشدة، كنت أدخل من خلالهم إلى عالم فسيح، عالم التمثيل والسينما، عالم التجربة، كنا نتكلم عما فعلوا ولم أفعل، عما رأوه ولم أره، من تلك الأحاديث أخذت ما يمكن أن يتلاءم مع طبيعتي، كنا كمجموعة من الممثلين في «لورانس العرب» مرتبطين باهتمامات مشتركة، لكن كان هناك شعور بعلاقة قوية تربطني بأوتول، وهذه العلاقة الحميمة تكونت تحت عباءة الصداقة، وهي التي حققت نجاح فيلمنا «لورانس العرب».سيناريو الفيلم مأخوذ من كتاب «أعمدة الحكمة السبعة» الذي ألفه لورانس نفسه، واستغرق تصويره حوالي العامين بين الأردن وسورية، وقيل الكثير عن طبيعة العلاقة بين لورانس والشريف علي. يتحدث الشريف عن تلك العلاقة فيقول: {كتبت مقالات لا حصر لها عن ذلك، والسيناريو لم يحدد تماما طبيعة علاقتهما، لقد صوّر السيناريو تعقيداتها وهي تكشف نفسها خلال الفيلم عن طريق السلوك الذي كان في الواقع انعكاساً للحياة اليومية التي كنا نعيشها أوتول وأنا».صحراء مميّزةاختار لين مكانًا في الصحراء يبعد عن أقرب طريق بحوالي 150 ميلا، وذلك تحاشياً لظهور أي أثر لأقدام العاملين في الفيلم، كذلك اختار مكاناً يبعد عشرين ميلاً عن مكان التصوير لإقامة طاقمه الفني، وذلك حرصاً منه على أن تكون المشاهد بكرا. أما الفنانون والفنيون والبدو فوصل عددهم إلى ألف شخص، كانت إمداداتهم تصل عن طريق ثلاث طائرات وفّرها المنتج لخدمتهم، إضافة إلى ذلك كانت هناك مئات من الجمال والخيول وكان لها طعامها وشرابها أيضا».يضيف الشريف: « كان الإنتاج ضخماً جداً لدرجة أن خيامنا كانت مجهزة بأجهزة تكييف وثلاجة، وكان هناك خدم لكل ممثل وفني للعمل على راحتهم، وكانوا يقومون بغسل ملابسنا ومسؤولين عن ضرورة وجود طعام وشراب في أي وقت، كذلك جهّز مطعم تحت إدارة كبير طهاة في لندن، كانت هنـاك منضدة لكرة الطاولة بجانب المطعم، ومساء كل سبت كان هناك جو للإجازة الذي يوجد في المدينة. كانوا يعرضون أفلاماً في الهواء الطلق لكل العاملين في الفيلم، ولم يكن ثمة من تخلّف عن مشاهدة واحد من تلك الأفلام «التي تجاوزت المائة فيلم» لكنني لا أتذكر ماذا شاهدنا؟ لا أستطيع أن أذكر اسم أي من هذه الأفلام، تعودت أن أنظر إلى الشاشة من دون أن أرى، ببساطة استمتعت بعدم تتابع الأحداث في الأفلام التي شاهدتها، عدم التتابع هذا هو الذي نسيته، استمتعت أيضا ببعض المواضيع المستحيلة في هذه الوحدة بين كثبان الرمال ووجدت نفسي في هذا الركن من الأردن، حيث الناس والحيوانات يعيشون سوياً، ففي هذا المكان كنت أراقب بهدوء بال كل ما حولي، ومرتدياً زي الصحراء مطيعاً لقانونها ولسحرها، كان هناك الكثيرون حولي من الفنانين والفنيين، لكني تعلمت الإنصات والصمت ومتابعة الصحراء بسحرها اللانهائي، وتعلمت كيف أكون وحيدًا مع نفسي وسط الزحام، شيء أشبه بتمارين اليوجا، لكنه أفادني كثيراً وجعلني أبدأ علاقة جديدة مع نفسي،علاقة تمنحني ثقة بنفسي وحباً للطبيعة ولكل من حولي».أضفت الصحراء بعض الشاعرية على شخصية الشريف وجعلته كمن يكتشف ذاته من جديد، ويبدو أن هذا الأمر حدث مع بقية فريق الفيلم وعلى رأسهم المخرج ديفيد لين الذي يتحدث عنه الشريف واصفاً حالته أثناء التصوير فيقول: اختار لين أن يعيش كما يعيش البدو، كان يعيش في عربة مقطورة في المكان نفسه الذي يُصوّر الفيلم فيه.. وفي كل صباح كنا نذهب إلى المقطورة في الساعة الخامسة والنصف ونرى المنظر نفسه كل يوم، كنا نرى مقعداً مزروعاً في ذلك الاتساع الصحراوي الذي بلا حدود، وعلى هذا المقعد كان يجلس لين يتأمل الأفق، وفي الوقت نفسه يشبع نفسه بالمشهد الذي سوف يخلقه لمغامرات لورانس وعلي، الواقع أنه كان يجلس هناك لمدة ساعتين بلا حراك، كان يريد أن يحصل على نصيبه من الصحراء كل يوم، كان ذلك الرجل يجلس وحده وسط كثبان الرمال وهي تتماوج أمامه بلا نهاية.يحكي الشريف عن لين، فيقول: «كان وصول مجموعة العمل إلى لين في مقطورته معناه نهاية تأملاته، ذلك أنه يجمع الممثلين في المقطورة ويتكلم معهم لمدة طويلة، ثلاث أو أربع ساعات عن المشهد الذي سنمثله وكيف، الفكرة التي كان يعدها لرد فعل كل شخصية للموقف الذي يدرسه معنا بكل تفاصيله، في الوقت نفسه هناك ثلاثمائة من البدو كانوا يمحون آثار أقدامنا من نهاية الأفق إلى بدايته بواسطة سعف النخل العريضة، وعند الظهر كنا نبدأ التمارين، ثم بعد ذلك يبدأ البدو في محو أثار أقدامنا مرة أخرى ثم بروفة ثم محو، وهكذا، وعندما تبدأ الشمس في المغيب نعود إلى المعسكر، أما لين فكان يعود إلى تأملاته، وفي اليوم الثاني كان يعطي تعليماته إلى الفنيين قبل تصوير المشهد الذي أجرينا «بروفته» بالأمس، يعطي تلك التعليمات مرة... مرتين... عشر مرات... خمسين مرة إذا وجد أن ذلك ضروري. ذلك هو السبب في أن فيلم «لورانس العرب» استمر تصويره عامين». حلم يتحقّقمرت أيام التصوير وكان بين الشريف وأوتول حلم مشترك تحدثا فيه كثيراً وباستفاضة، اذ كانت تتراءى لهما لحظة افتتاح الفيلم وعرضه وكيف ستكون. يقول الشريف: «في الصحراء كنا نحلم بحفلة الإفتتاح، أنا وأوتول أبطال الفيلم الذي حلمنا بأنه سوف يأسر كل مشاهديه، أسماؤنا سوف تظهر بحروف كبيرة في كل مكان، المنتجون سوف ينهالون علينا بعقود الأفلام، كنا نشعر أن نجاحنا لا مفر منه».لكن الشريف كاد يخسر تلك اللحظة ويُحرم من حضور حفلة الافتتاح، وذلك عندما رفض المنتج حضوره، مبرراً ذلك بأنه من الأحسن أن يركز في الفيلم على بطل واحد فحسب، وهو بيتر أوتول، أما أن يدفع باثنين غير معروفين للجمهور في وقت واحد فإن ذلك لن يكون من صالح الفيلم، إلا أن أوتول اتخذ موقفا إيجابياً ومسانداً لصديقه الجديد الشريف حينما قال للمنتج بلهجة قاطعة وحاسمة: «إذا لم يحضر عمر فإنني أيضاً لن أحضر».يقول الشريف: «سوياً أنا وبيتر دخلنا إلى قاعة السينما المضيئة من الخارج، وفي الميدان إضاءة لا حد لها ليست من اشعاعات الجواهر، لكن من هؤلاء النجـوم «السوبر»: اليـزابيث تايلور، شيرلي ماكلين، ريتشارد بيرتون، غريغوري بيك، هؤلاء كانوا هناك ضيوفاً على حفلة الافتتاح، لقد عرفتهم أنا الولد الذي لم تقع عيناه عليهم من قبل سوى على شاشة السينما، لقد كانوا المثال بالنسبة الي في سنوات مراهقتي، وتلك الليلة أصبحوا حقيقة أمامي». لم يكن أوتول أقل من الشريف غربة بالنسبة الى السينما العالمية، و{لورانس العرب» كان هو الفيلم الذي حصل فيه على أكبر أدواره، لكن اسمه هو والشريف ظهرا بحروف ضخمة على الشاشة الكبيرة، وكانا يجلسان على مقاعد مريحة ويتطلعان إلى الناس بقلق منتظرين ردود أفعالهم، ولم ينتظروا طويلاً، كان زمن الفيلم أربع ساعات، وعندما نزلت الستارة، وجدا أنفسهما، وسط أوركسترا إنسانية تقدم لهما التهاني، كما يصفها الشريف الذي أردف قائلاً: «تبادلنا، أنا وبيتر، نظرة مرتجفة، سريعة جدا، ثم وجدنا أننا قد انفصلنا، أحسست أنني قد ولدت مجددا بواسطة إعصار». هي لحظة ميلاد جديدة كما اعتبرها الشريف، تكللت بحضور ملكة بريطانيا التي أقيمت الحفلة على شرفها، فأضفى حضورها طابعاً خاصاً وقد تحول المكان إلى مسرح فخم للتاريخ والتقاليد العريقة، إذ انتظم الحرس الملكي بأبواقه وأزيائه الجذابة في الأروقة والمداخل. بقيت ذكرى تلك الليلة ماثلة في بال الشريف لأنها كانت بالنسبة اليه مناسبة عظيمة، رأى فيها الملكة اليزابيث للمرة الأولى في حياته وصافحته بحرارة وحيّته على أدائه، كذلك جاء الأمير فيليب بعد العرض ليحييه، فتضاعفت ثقته بنفسه. حقق الفيلم نجاحاً مدوياً وحصل على جوائز الأوسكار فيما بعد وكتبت الصحافة العالمية عن الشريف وأثنت على تجسيده لدور «الشريف علي» في الفيلم.يوضح الشريف: «لا يمكن أن أنسى لين ووقوفه إلى جواري ونصائحه لي كي لا أُستغل في أفلام تجارية أو دعائية هدفها تشويه صورة العرب، ومساعدته لي ماديا كي لا أضطر الى الوقوع في أي فخ تحت الضغوط المادية، وعلى رغم ذلك كله وقعت في فخ شديد، اذ وقعت عقداً مع شركة «كولومبيا» من دون أن أفحص مواد الاتفاق جيداً، وكانت غلطة كبيرة دفعت ثمنها باهظاً وبقيت أسيرهم سبعة أعوام طويلة أمثّل خلالها أفلاماً سيئة أجبرت عليها بسبب العقد اللعين، كان من بينها فيلم «جنكيز خان» الذي اضطرني إلى البقاء في يوغوسلافيا أربعة أشهر لقاء أجر بخس، وفي هذا التوقيت عرض عليّ دور في فيلم «سقوط الإمبراطورية الرومانية» الذي حظي باستحسان واسع وكان بداية معرفتي بصوفيا لورين».يضيف الشريف: «ظهر لين في الوقت المناسب لينجدني وانضممت الى فريق فيلم «انظر الحصان الشاحب» مع أنتوني كوين وغريغوري بيك وقدمت فيه شخصية شديدة التعقيد، ثم كانت النقلة المهمة في حياتي بفيلم «دكتور زيفاغو» إخراج لين الذي أسند لي البطولة الرئيسة في الفيلم وسلمني مفاتيح الشهرة والعالمية، وشمل ابني طارق برعايته وإشراكه معي في الفيلم ليقدم شخصية الطفل «يوري». على رغم نجاح طارق، وهو طفل لم يتجاوز التاسعة من عمره وإشادة المخرج والمساعدين به، إلا أنه لم يرغب حينما كبر في الاستمرار في المجال ولم أضغط عليه».
توابل - سيرة
محطات في حياة المسافر (10) عمر الشريف: مع لورانس العرب عشت في الصحراء واكتشفت ذاتي
11-09-2008