وحدي في الساحة الصغيرة، الساحة المبلّطة بأحجار قديمة وروائح القرن السادس عشر، ذلك العرق الذي سال من أجساد أولئك الرجال الغرباء وهم يرصّون حجراً بمحاذاة حجر حتى تكتمل الدائرة، هذه هي الساحة التي كنت اقطعها مراراً وتكراراً والتي تتوسط الجزء الجنوبي من مدينة مالمو السويدية.

Ad

وحدي في الساحة إذن، أرمي نظرة كسلى إلى تمثال، كارل غوستاف الخامس في الساحة الكبيرة، الممتطي حصانه بأبّهة الملوك القُدامى، وبطريقة عفوية تقريباً، أرمي نظرة أخرى إلى الممشى القريب، المرصف هو أيضاً بالحجارة، تذهب نظرتي من تلقاء نفسها وعلى نحو مباشر كأنما نحو هدف مستعد لاستقبال إشاراتي الباطنية، تلتصق نظرتي -ليس للمرة الأولى- بتماثيل الموسيقيين الخمسة، تماثيل على هيئة من يمشي وهو ينجز في ذات الآن مهمته الكبيرة: عزف الموسيقى.

تشرق الشمس الكسولة والخفيفة صيفاً، وتموت شتاءً، فإذا أنت جزء من الظلام والأمطار والثلوج والرياح التي تهديك بغخلاص قلّ نظيرهُ، أكثر التأملات شفافية في العالم، نظرتي إلى هؤلاء الموسيقيين الخمسة، هي وحدها، كافية، لتعيد ثباتي إلى المكان «ها أنا ذا في مسقط ومازلت أتذكر مالمو، حقاً لقد خلّفتُ ورائي أمكنة ومدناً كثيرة!»، صوت في داخلي يقول.

تقع الحروب ببلاغة محسودة، تتغير أنظمة العالم، تتغير الأحزاب والسياسات، تتغير الطبيعة أيضاً، ومواقيت الأشياء، بما في ذلك مواعيد القطارات وأرقام المنازل والبريد والهواتف، تتغير الأفكار والعواطف والأجساد، كما تتغير الألوان وفق منظومة الموضة وشقيقاتها وارتباطاتها بالنفس والعمر والموت، يتغير كل شيءٍ إلّا الموسيقيين الخمسة في الساحة الكبيرة، فهم على هيئتهم الصلبة والمجاهدة، في الممشى الطويل، نظرة واحدة إلى عنوان العمل الفني الذي أنجزه النحات انيغفي ليدنيل تكفي: اوركسترا التفاؤل!

يالها من نغمة ذات نَفَس طويل يكاد يكون أبدياً، انه مارش الفرح، هكذا ينبغي ان يقال، قائد الفرقة الذي يتطاير شعره إلى الخلف، كأنما بفعل حماسةٍ اضافية، هو الذي أسمعه يقول في مخيلتي:

- هيا افسحوا لنا الطريق أيتها الكائنات المملة، انه موعد الاحتفال والفرح!

يأتي خلفه، الموسيقيون بآلاتهم النفخية الكبيرة، ثم تُسمع الموسيقى، هل تُسمع حقاً؟ سأستعير هنا من المخطوط القرمزي «لانطونيو غالا»، وهو يضع على لسان أبي عبدالله الصغير، آخر ملوك الأندلس هذه العبارة:

«إذا ما أصختُ السمع اليوم، فإنني أسمعُ موسيقى تأتي من بعيد جداً، من الماضي أيضاً، من الوقت الذي ماتت فيه، من ساعات وعلامات مختلفة عن اليوم وعن حيوات أخرى، ربما أن حياتنا... ليست إلّا تلك الموسيقى، لأننا جميعاً كنا ذات مرة أفضل، أو أسعد وأكثر جدارة».

في هذه الساحة تماماً، تُقام الاحتفالات السنوية الكبرى للموسيقى، كأنما الاوركسترا المتفائلة تقود مهرجان الفرح الذي لا ينتهي.