«الساعة» أحد مفاهيم الزمان في القرآن الكريم مثل القرن والدهر والوقت، بل إنه قريب من المفهوم الشعب للزمان بالسؤال عن الساعة أي الوقت، وتوحد اللفظ مع الساعة كآلة تحديد الوقت.

Ad

وقد ورد اللفظ في القرآن ثماني وأربعين مرة بثلاثة معانٍ مختلفة:

الأول ساعة الزمن في اليوم والعمر، أربع مرات، وهي الساعة بمعنى ستين دقيقة كما يُقال في التعبير الشعبي «ساعة زمن»، وهو أصغر مدة في الزمن «وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ». وقد يضم أكبر وقت منه، فالزمن شعوري، لا كمّ «يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ»، وهو إحساس في ساعة التوتر الشديد «كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ»، فأقصر مدة قد تكون وعاء شعوريا لأكبر مدة.

والثاني الأجل، عمر الإنسان المحدد بالزمان، أربع مرات أيضا، فإذا جاء الأجل فإنه لا يتأخر ولا يتقدم ساعة واحدة «فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ». فالإنسان له موعد محدد في نهاية الزمان، لا يتقدم ولا يتأخر «قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ»، والساعة هي تجربة إنسانية، فرح وألم، عسرة ويسرة «لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ»، فالساعة ليست وقتا فارغا يمر، بل هي تجربة شعورية ومعاناة إنسانية.

والثالث يوم القيامة هو يوم الساعة، الساعة الكبرى، الساعة الآخرة، الساعة النهائية، أربعين مرة. الساعة يقين، آتية لا ريب فيها «لِيَعْلَمُوا أنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا». يومها يبعث الله ما في القبور «وَأنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ»، ويظل الشك فيها قائماً حتى تأتي، فالتصديق بها تجريبي ولكن بعد فوات الأوان «وَلا يَزَالُ الذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً». الساعة يقين مثل يقين الإيمان «إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ». والريب في الساعة ضلال بعيد «إِنَّ الذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ». وعد الله حق، ومن ضمن وعده قدوم الساعة يقينا «وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا». والتكذيب بالساعة إذن حكم خاطئ، مجرد ظنون وأوهام «وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً». وجزاء التكذيب بها عذاب سعير «بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا». والتكذيب بها نتيجة للكفر «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأتِينَا السَّاعَةُ». وقد ينشأ التكذيب بالساعة من غرور كاذب وثقة بالنفس زائدة «وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى».

والساعة شيء عظيم «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ»، لا يدرك خطورتها إلا المؤمنون، فهي نهاية العمر، وآخر الزمان، ولا يوجد بعدها إمكان للسعي والكد والكدح وإثبات الجدارة وأداء الامتحان.

لا يعرف موعدها إلا الله «يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي»، يخفيها الله عن البشر حتى يسارعوا في الخيرات «إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى». الله عنده علم الساعة كجزء من علمه مثل نزول الغيث وما تكتم الأرحام «إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ».

ومهما سأل الإنسان عنها حُباً في الاستطلاع أو لمزيد من الاستعداد بناء على الترغيب أو الترهيب فإنه لا يُجاب «يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ». الله وحده هو الذي يعلم علم الساعة «إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ»، وعلم الله يقينى لا ريب فيه «وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ». ومع ذلك تأتي الساعة بغتة وعلى غير انتظار ودون توقع «حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا». فاللاشعور هو الذي يتحكم بالشعور، واللامتوقع هو الذي يوجه المتوقع «أَوْ تَأتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ». لذلك على المؤمن أن يستعد وأن يعمل لدنياه كأنما يعيش أبدا وأن يعمل لآخرته كأنه يموت غدا «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأتِيَهُمْ بَغْتَةً». وإن أتت فإنها تأتي كلمح البصر حتى لا يستعد الناس في آخر لحظة «وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ». هي بعيدة قريبة، غير متوقعة ومتوقعة «وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ». فإذا اقتربت انشق القمر وحدث الهول «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ». والمؤمنون يصفحون الصفح الجميل «وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ»، ويشفقون منها ويخشون الله «الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ». والمذنبون يأتيهم العذاب «قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ». فالعذاب لهم مقرون بالساعة «حَتَّى إِذَا رَأوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ». يخافون وتلتبس عليهم الأمور «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ». ويتفرقون بعد أن كانوا متضامنين «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ»، فلا يشعرون بها ولا بقيامها لأنها لم تخطر على بالهم في الدنيا «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ»، ويخسر المبطلون «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ». ويذوق الطغاة مثل فرعون سوء العذاب «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ»، فالساعة موعدهم وهي أدهى وأمر مما كانوا يتوقعون «بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ».

* كاتب ومفكر مصري