يرصد الروائي المصري محمد ناجي في روايته الأخيرة «الأفندي»، الصادرة عن دار «الهلال»، الإنهيارات العربية التي رافقت اختفاء الطبقة المتوسطة داخل المجتمعين المصرى والعربي، والأحداث والأزمات الطاحنة التي مرت بها الأمة، كذلك حرب الخليج الأولى وتداعياتها، بالإضافة إلى حريق القاهرة وثورة يوليو وسقوط بغداد. هي باختصار مرثية وهجاء لأحوال العالم العربي في النصف الثاني من القرن المنصرم.
عن روايته و مشروعه الإبداعي كان معه هذا الحوار .الطبقة المتوسطة هي محور الرواية، ألم تجد صعوبة في معالجتها روائياً؟لا نستطيع الحديث عن غياب الطبقة الوسطى، فهي موجودة بحتمية التكوين الإجتماعي، تعبِّر عن نفسها أحيانا بمظاهر احتجاجية شتى سياسية وفكرية، لكن دورها محاصر ومغيب عمداً، ترفض البنى الفوقية الشرائح المستنيرة من الطبقة الوسطى، باعتبارها غير متفهمة لدور سلطة المال في قيادة التغيير ولضرورة التنازلات السياسية في عصر العولمة، لا توفر البنى التحتية لهذه الشرائح مناخاً حاضناً، لانشغالها المضني بتدبير أمورالمعيشة ومتطلبات الحياة. تقصي السلطات العربية من يعارض مواقفها وتصطفي من يوافقها، يشمل الإقصاء العناصر الأكثر استنارة وثقافة واستبصاراً واستقلالية. أما الاصطفاء فيشمل الكوادر الوظيفية الراغبة في الانخراط في المواقع الإدارية، والقادرة على التبرير والترويج، إلا ان هذه الأخيرة تؤدي دوراً إعلامياً أكثر منه ثقافياً، ويرفضها الناس لأنها تروج لما يشكون منه. سؤالك بين يدي القارئ والناقد وهما الأقدر على الإجابة عنه.لماذا تنتقد سقوط الأحلام العربية والشعارات القومية في روايتك؟ماذا تريدني أن أفعل، هل أصفق للسقوط؟!!هل «الأفندي» هجائيَّة أو مرثية للواقعين العربي والمصري؟أظنها «تأملا هجائياً» ينطوي على تحذير مما نحن فيه.تغوص روايتك في تجليات الذات العربية، ما رؤيتك لها ؟تشبه الذات العربية اليوم عملة معدنية ممسوحة الوجهين. يوجد على أحد وجهي العملات عادة صورة الملك صاحب السلطة، وعلى الوجه الآخر كتابة تحدد القيمة، الآن نحن لا ملك ولا كتابة.لماذا التركيز على تاريخ هزائم الأمة العربية كسقوط بغداد وحرب الخليج الأولى وحريق القاهرة ؟الأحداث التي أشرت إليها هي العلامات الأبرز والأكثر تأثيراً في الفترة التي تدور فيها الرواية، تمتد من 1952 حتى سقوط بغداد في 2003. أظن أن هذه الفترة هي الأكثر إثارة للشجن في تاريخنا المعاصر وستظل الأكثر تأثيراً في مستقبلنا، وقد يكون شعوري بأهميتها سبب اختياري لها كخلفية لأحداث الرواية، لكنني لا أهتم بالتسجيل التاريخي لأنني، ببساطة، لست مؤرخاً، إنما تقبع الوقائع التاريخية في خلفية «الأفندي=» مثل خيوط اللحمة والسداة التي يبدأ منها النساج عمل سجادته، تلك هي الأرضية. أما الشخصيات، فأنسجها بخصوصيتها وحسب تكوينها الإجتماعي والمعرفي وظروفها وآلياتها النفسية والحركية.قلت في روايتك «إن أي شخص يمكن أن يطبع ديواناً أو عملاً أدبياً»، هل يمثل هذا القول نظرتك للواقع الثقافي راهناً؟وردت هذه الجملة في الرواية على لسان الشاعر فايز ناصف، وكان يحاول أن يقنع الأفندي أنه يستطيع صنع أي شيء بماله، حتى الشهرة الأدبية، وإذا لم يملك موهبة التأليف، يوظف من يؤلف له، لكن دعنا نتفق على أنه لا يمكن اعتبار ما يرد على ألسنة الشخصيات، يعكس آراء المؤلف، فكل شخصية روائية لها استقلاليتها في تكوينها ومواقفها ورؤاها. هي مستقلة ـ بمعنى ما ـ عن الكاتب، تتحدث بلسانها هي، باعتبارها كائناً حياً وليس مجرد «ميكرفون»، يتحدث الكاتب من خلاله، وموقف هذا الأخير موجود داخل ثنايا العمل كله ومشروعه الروائي في مجمله. أصدرت روايتك «خافية قمر» في التسعينيات، كيف ترى هذا الجيل في المشهد الإبداعي ؟إسمح لي أن أتحفظ على استخدام تعبير «جيل»، في رأيي لم يتشكل بعد الستينات جيل أدبي بالمعنى الصحيح، والذي يعني، ضمن أمور أخرى، قدراً كافياً من التوافق فكرياً وسياسياً، وخروجا ممنهجاً على السائد والشائع معرفياً وجمالياً. يستخدم تعبير الجيل عندنا كثيراً، بما يشبه القيد في سجلات المواليد. ضم جيل الستينات مبدعين، كتابا، نقادا، تشكيليين، رسامي كاريكاتور، مفكرين ومنظرين استندوا في الغالب إلى مرجعية يسارية وتفاعلوا مع نزعات فكرية وجمالية تخالف السائد في خطاب السلطة والمجتمع بشكل أو بآخر.التسعينات أمر مختلف، مضت فيها أسماء، على سبيل المثال لا الحصر، «سعد القرش، نجوى شعبان، نعمات البحيري، هناء عطية، مصطفى ذكري، منتصر القفاش وعماد أبو صالح»، لكل من هذه الأسماء فرادته لكنها لا تلتقي جميعاً على أرضية فكرية أو جمالية، لهذا لا يمكن ـ في تقديري ـ أن نطلق عليها تعبير جيل، وهذا لا يقلل من قيمة الإبداعات.يرى النقاد أن «الأفندي» سحبت من الواقع، ما تعليقك؟الرواية ابتداع خيالي، لكني أقول دائماً إن الخيال عملية عقلية، يعيش الكاتب في زمان ومكان محددين ويصبغ الواقع أجنحة خياله بألوانه هو. «الأفندي» نموذج موجود وربما شعر كل قارىء أنه يعرفه والتقاه في الواقع، لكن لا تتحدث الرواية عن شخص محدد أو بالإسم نفسه.بداياتك كانت مع الشعر، لماذا التحول إلى كتابة الرواية؟يحتاج الشعر ـ بخاصة شعرنا العربي الغنائي في معظمه ـ إلى قدر كاف من الوضوح العاطفي، وهو أمر نادر الآن وسط بلبلة الأفكار، التباس الشعارات، ازدواجية المعايير، عدم استقرار الفرد والجماعة على اتجاهات معرفية وفكرية وأخلاقية وجمالية واضحة. أظن أن هذا هو السبب في ضيق مساحة الشعر راهناً وفي اتساع الفجوة بين الشعر وجمهوره منذ الربع الأخير من القرن الماضي.من الملاحظ أن شعراء كباراً توقفوا أو كادوا، وصار آخرون متميزون أقل صخباً، وانزوى شعراء موهوبون بعيداً عن الأضواء. لا أقصد اتجاهاً شعرياً معيناً أنحاز له وإنما أعني الشعرعموماً. أعترف أنني لم أتوقف عن كتابة الشعر ولا أشعر أنني غيّرت المسار، فالطريق واحد. ما جديدك؟انتهيت من المراجعة النهائية لرواية «ليلة سفر» تمهيداً لنشرها.نبذة روائي مصري ولد في مدينة سمنود عام 1947 وتخرج في كلية الآداب قسم الصحافة.التحق بالخدمة العسكرية من 1969 إلى 1974، أي من حرب الاستنزاف إلى ما بعد حرب أكتوبر، له على التوالي روايات: «خافية قمر، لحن الصباح، مقامات عربية، العايقة بنت الزين، رجل أبله.. وامرأة تافهة، الأفندي».
توابل - ثقافات
الروائي محمد ناجي: الأفندي مرثية هجاء للعالم العربي
03-07-2008