يعاود السؤال المتعلق بأدب المهجر طرح نفسه، مع ظهور ما يسمى بـ{المهجرية الجديدة» بعد هجرة آلاف الأدباء والمبدعين إلى بلاد جديدة ومنها: دول أوروبا وأميركا الشمالية، وأستراليا. تأثر هؤلاء بالثقافة والمحيط الاجتماعي الجديدين، وتظهر بوادر هذا التأثر في كتاباتهم الشعرية والنثرية. «الجريدة» تسلط الضوء في حلقتين متتاليتين على موضوع المهجر الجديد في إبداعات الشعراء العرب.

Ad

قد تبدو صيغة السؤال مختلفة هذه المرّة. فالبحث عن سمات وخصائص خاصة في نصوص وإبداعات هؤلاء المهاجرين الجدد، قد لا يتأتى بالقدر ذاته من اليسر والسهولة التي استطاع بها دارسو الأدب تحديد سمات أدب المهجر الذي نشأ في أواسط القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين. قد تكون نشأة المهجر الأول عائدة إلى تاريخ أبعد من ذلك، بحسب باحثين كثيرين أرّخو لهذه الفترة، واجتهدوا في استخلاص سمات مشتركة لأولئك الشعراء والمبدعين الذين غادروا لبنان وفلسطين وسوريا، أواسط القرن التاسع عشر متّجهين إلى الأميركيتين الشمالية والجنوبية.

اختلاف المسمّى

تختلف المُسميات التي يُطلقها دارسو أدب المهجر الجديد، إذ نجد من الشعراء والمبدعين نفسهم من يرفض مسمى «أدب المهجر» نظراً الى اختلاف الحقبة الزمنية الراهنة، عن المرحلة السابقة التي شهدت ولادة أدب المهجر، وكذلك لاختلاف الظروف الاقتصادية والمعيشية، وتطوُّر تقنيات الاتصال المعاصرة والانفتاح الإعلامي، هذه العوامل كلها تتسبب في نشأة أدب مهجري ربما يكون أقل حدّة بحنينه إلى الوطن، أو شوقه إلى اللغة ومعطيات الحياة الأخرى المرتبطة بالمعيشة وأسلوب الحياة العربية. كذلك ثمة دارسون يفضّلون إطلاق مسمى «أدب الاغتراب» أو «المنفى».

كتب محيي الدين اللاذقاني قبل ستة أعوام مقالاً طريفاً يتعرّض فيه لمسمى «المهجريين الجدد» يقول: «لا أشعر بالارتياح من هؤلاء الذين يطلقون علينا لقب شعراء وأدباء المهجر الجديد، وأكثر ما يخيفني أن يقطعوا أوصالنا مستقبلاً، ويدرسونا إذا كان عندنا ما يستحق الدراسة على طريقة الخفاجي ومجاهد في دراسة الموجة الأولى من الأدب المهجري، فالإثنان يجعلانك تكره الأدب والهجرة معاً وفوقهما الجديد والقديم والمهاجر والمقيم».

لا ندري لمَ شنّ اللاذقاني هجومه على الأدب المهجري الجديد ودارسيه في الوقت ذاته، وإن يكن مقاله معبّأً بحس الفكاهة والسخرية، إلا أنه يحمل قدراً كبيراً من المرارة، وبعض التجني على هؤلاء الذين يجتهدون في دراسة الظواهر الأدبية الجديدة، ورصد مسيرة الأدب العربي من زواياه المختلفة. يضيف اللاذقاني في المقال ذاته: «بصراحة ومن دون زعل فإن مئات الكتب التي نُشرت عن الأدب المهجري الأول مكانها المستودعات، ولن يستفيد منها غير الفئران والقوارض ولا تُستثنى من ذلك إلا كتب عدة يمكن عدّها على أصابع اليد الواحدة».

قاعات الدرس

لسنا نتفق مع اللاذقاني في أن مصير هذه الكتب إلى المستودعات، بل إن مصيرها إلى قاعات الدرس في الجامعات ورفوف المكتبات العامرة.

امتد الاهتمام بالأدب المهجري إلى مراحل الدراسة الثانوية، فلا تكاد تخلو مناهج التعليم في البلاد العربية من درس يتعلّق بالأدب المهجري، بخصائصه ومميزاته، ما يساهم في تنمية ذائقة التلامذة والطلاب، لا سيما أن شعراء المهجر وكتّابه قدموا أدباً يختلف إلى حد كبير عما يكتبه الأدباء المقيمون في البلاد العربية. وليس أسهل من المقارنة لاكتشاف الاختلاف. وبحسب بعض الباحثين، أدب المهجر هو الذي مهد الطريق أمام ظهور الحداثة العربية، فكم كانت خسارتنا لتكون كبيرة إذا لم يقدّم الباحثون دراسات حول إبداعات جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ونسيب عريضة وإيليا أبو ماضي وغيرهم؟!

يتفق مع اللاذقاني في ما ذهب إليه الشاعر المغربي المقيم في بلجيكا طه عدنان الذي يرى أن «مفهوم المنفى في بعده الأسطوري المفعم بالحنين أصبح مفهوماً تاريخياً، لأنه مرتبط بزمن مضى ووضع انتفت شروطه وأسبابه». ويتساءل عن أي منفى نتحدث اليوم في زمن الهواتف المحمولة والفضائيات والإنترنت، معتبراً أن الأدب الذي ينتجه المواطنون في البلاد الغربية من أصل عربي يصعب اعتباره أدب هجرة، إنه بالأحرى «أدب إقامة» لأناس يقيمون فعلاً ودائماً في بلاد لا يعتزمون مغادرتها، لذا فهم يتفاعلون مع أوضاعهم بحسب شروط كل منهم.

الملتقى الدولي الأول

أقيم في الجزائر وضمن احتفالية العاصمة الثقافية لعام 2007 الملتقى الدولي الأول للكتاب العرب في المهجر، تضمن ندوة فكرية توزعت محاورها بين العوامل التاريخية والدوافع الاقتصادية وغير الاقتصادية للهجرة، وكذلك المكوّنات البشرية للهجرة وهويات المهاجرين ووسائل الهجرة، وتطرقت أوراق بعض الباحثين إلى موضوع الحركة الصحفية على أيدي أدباء المهجر، وكذلك الشخصيات المهجرية الرئيسة مثل جبران ونعيمة وسعادة، وأثرهم على الحركة المهجرية.

كذلك ناقش المؤتمر حالة الأجيال الأدبية الجديدة: أدباء الأميركيتين وشعراؤها من أصول عربية، وسمات الأدب المهجري ومميزاته في الدول الأوروبية. بالإضافة الى المهجر الفرنكفوني والأنغلوفوني وأثرهما على إبداع الكتاب والشعراء.

على رغم أهمية المؤتمر المذكور في طرح موضوع لم يتم التطرق إليه سابقاً، إلا أن المؤتمرين لم يستطيعوا استجلاء نقاط كثيرة متعلقة بسمات أدب المهجر الجديد وخصائصه. فمعلوم أن المهجر القديم أُشبع بحثاً، ولم يعد بالإمكان تقديم معلومات جديدة فيه باستثناء اجترار أبحاث السابقين والنقل عنها، لذا كان المرجو من هذا المؤتمر تسليط الضوء على كتابات المهجريين الجدد، وما أكثرهم في منافي أوروبا والولايات المتحدة الأميركية! وقد تكون هذه الكثرة هي العائق أمام دراسة أدب هؤلاء، لكن الصمت وتجاهل نتاجاتهم، لا يؤديان إلى نتيجة سليمة. فبعد حربي الخليج الأولى والثانية هاجر أدباء كثيرون إلى الغرب، وفي مقدمهم أولئك العراقيون الذين كانوا يهربون من تعسّف الطاغية صدام حسين وظلمه، وكذلك الأدباء الشوام الذين تجري الهجرة في عروقهم ودمائهم. في هذا السياق يقول د. سليمان العسكري متحدثاً عن الهجرة في المرحلة الراهنة: «لم يعد الغرب هو الغرب نفسه الذي استقبل المهاجرين العرب والشوام منذ قرنين، فقد صار شديد التوجّس بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) وتفجيرات لندن ومدريد وحرائق باريس».

يشير العسكري إلى أن «الاغتراب الجيد»، كما يسميه، يتطلب تأهيلاً ثقافياً ولو في الحدود الدنيا لفلسفة التعايش واحترام الاختلاف والاحتكام للقانون في بلاد الاغتراب، داعياً إلى تمتين الجسور بين المغتربين وأوطانهم العربية، لتشكّل عاملاً معيناً على استقرار المغتربين العرب الروحي والنفسي. وعلى رغم أن د. العسكري يناقش في مقاله هذه الدوافع الاجتماعية والسياسية للهجرة الجديدة وظروفها الإقليمية عموماً، إلا أنه يمكن دمج الكتّاب والشعراء في المهجر الجديد ضمن السياق العام للهجرة الاجتماعية، لأن هؤلاء المبدعين هم جزء أساس من تركيبة المجتمع، وتنطبق عليهم الشروط عينها التي تنطبق على المهاجرين الآخرين ممن لا علاقة لهم بالكتابة أو الإبداع.

الأوائل

من الناحية التاريخية يشير بعض الدراسات إلى أن أول مهاجر عربي إلى أميركا الشمالية هو اللبناني أنطون البشعلاني الذي هاجر عام 1854 كما يذكر د. حسن جاد في كتابه «أدب المهجر». يختلف معه محمد مصطفى هدارة الذي يرى أن الخوري إلياس الموصلي هو أول من دخل أميركا عام 1688. قد يختلف الباحثون في مسألة الأقدمية بالنسبة إلى المهاجرين الأوائل، والحقيقة أن فكرة السبق هنا ليست مهمة في مجال الدراسة الأدبية إلا إذا كان هذا السبق مرتبطاً بنماء ظاهرة أدبية واتجاهات معرفية تمتد سنوات طويلة.

يوضح الدكتور صابر عبد الدايم أن أشهر المهاجرين المصريين هو أحمد زكي أبو شادي، وقد أقام في الولايات المتحدة تسعة أعوام (1946-1955). وتغلب الهجرة الأولى من أرض الشام لأسباب اقتصادية وسياسية، يسهب الباحثون في ذكرها عادة، ويضيق المجال هنا. ولعل من المفيد ذكر أوائل الدواوين التي ظهرت في المهجر الأميركي، بحسب عبد الدايم، وهي:

- «الغريب في الغرب» لميخائيل رستم الشويري - 1895.

- «النحلة في الغرب» للدكتور لويس صابونجي - 1901.

- «نسمات الغصون» لسليمان داود سلامة – 1905.

قد لا تكون هذه الدواوين ذات أهمية بالنسبة إلى تجديد القصيدة العربية، أو إحداث ثورة تقنية فيها، لكنها تشكّل إرهاصات أولية مهدت لظهور أدب مهجري على يد الأدباء اللاحقين.