ليل الثلاثاء الثاني من ديسمبر (كانون الأول) الحالي طويت صفحة مشرقة أخرى في كتاب الفن التمثيلي اللبناني المتميز والذي سطر حروفه رواد «كبار» في مجال الدراما التلفزيونية في الشرق منذ خمسينيات القرن الماضي ولغاية الثمانينيات، ولم يبقَ منهم إلا قلة يحيط بهم النسيان.
ليلى كرم، انضمت إلى قافلة الراحلين بعد صراع طويل مع المرض أضطرها إلى ملازمة المستشفى وحرب مزمنة مع الحاجة المادية وعجزها عن تغطية تكاليف العلاج في الأشهر الأخيرة.يحفل تاريخ ليلى كرم الفني بالمسلسلات التلفزيونية والإذاعية والأفلام السينمائية اللبنانية والمصرية، وبنجاح باهر في أداء الأدوار المختلفة من الراهبة إلى بائعة الهوى، من الطفلة إلى العجوز، من الشخصية الرومنسية في «غروب» و{السراب» إلى الشخصية المجنونة، إضافة إلى تميزها في الكوميديا في مسلسلات «الدنيا هيك» و «المعلمة والأستاذ» و{ابراهيم أفندي» وغيرها. احتضنت ليلى كرم الممثلين الشباب وشجعتهم وساندتهم في مواجهة الصعاب، لذلك كان لا بد من أن يتكلم هؤلاء في يوم رحيلها، بكلمات نابعة من القلب، حين سألتهم «الجريدة» عن هذه الفنانة التي انطبعت صورتها البهية في قلوب المشاهدين اللبنانيين والعرب.غياب ليلى كرم خسارة للوسط الفني لا تعوّض، بالنسبة إلى الممثلة نهلة داود، لأنها قدّمت الكثير للدراما اللبنانية وتميزّت بقدرتها على أداء الأدوار الحزينة والمفرحة، الرومنسية والشريرة وغيرها، قالت:» ليلى كرم راسخة في عقلي وفي وجداني وفي قلبي، أحلم بتجسيد دور المجنونة الذي أدته ببراعة، وكم تمنيت أن تراني وأنا أقدمه لتعطيني رأيها بأدائي». أسفت داود على ما يصيب الممثل اللبناني من عوز وشددت على ضرورة أن يقيم حساباً للأيام السود، أضافت: {نعمل في نقابة الفنانين على صندوق التعاضد وتعويض نهاية الخدمة لتوفير حياة مشرّفة للممثل اللبناني وآمل أن تدعمنا وزارة الثقافة}. ختمت حديثها بالقول: «أتمنى ان يكون مثوى كرم الجنّة.»خسارة كبيرة«هم السابقون ونحن اللاحقون»، هكذا بدأت الكاتبة والممثلة كلوديا مرشليان حديثها عن ليلى كرم مبدية حزنها الكبير على رحيل هذه الفنانة العملاقة وصرّحت: {وفاتها خسارة كبيرة، شعرت بذلك منذ أصابها المرض وغابت عن الشاشة. تميزت بالتنوع في الأدوار ما أكسبها فرادة خصوصاً أن موهبة التمثيل لديها نمت بالفطرة ولم تستطع أن تضاهيها المتخرجات في معاهد التمثيل». أضافت مرشليان: «حصرت ممثلات جيلها أنفسهن بأدوار معينة مثل الأم أو المرأة القوية، بينما تميزت كرم بالشمولية وأدّت أدواراً مختلفة مثل المجنونة وفتاة الهوى والعاشقة، وعرفت كيف تجعل المشاهد يفرح ويضحك ويحزن في آن». أسفت مارشيليان للحالة الصحية التي ألمّت بكرم في الفترة الأخيرة وتابعت: «حزنت عندما زرتها ولم تعرفني على الرغم من محبتها الكبيرة لي». من جهة اخرى رفضت مرشيليان تصوير الممثل اللبناني كأنه شحّاذ يطلب صدقة وأوضحت: «كل اللبنانيين محرومين من حقوقهم وليس الفنان فحسب، ويفتقد الجميع إلى الأمان حتى رجال الدولة والسياسيين. نعيش في بلد مريض ونحتاج كلنا إلى دواء».ختمت: «أرفع رأسي بليلى كرم إنها الأرزة التي أفتخر بها.»الألم رفيق الفنان«لم أعد أحزن عندما أرى الكبار يتوجعون من ثم يرحلون» أكدت الممثلة اللبنانية ليليان نمري مشيرة إلى أن الألم بات رفيق الممثل اللبناني، صرّحت: «عاش الممثل اللبناني الحرب ولم يترك وطنه بل حارب وناضل لاستمرارية الدراما اللبنانية والسينما اللبنانية، إلا أن الدولة لم تكافئه ولو حتى بنظرة عطف، بل أحرقت الرداما اللبنانية». اضافت: «طلب إلى رئيس جمهورية سابق النظر في القانون المهني للممثل اللبناني لكنه رفض قائلاً: هنالك اشياء أكثر أهمية من الممثل اللبناني». تؤمن نمري أن الممثل واجهة البلد ونجح في جعل الدراما تتخطى حدود المحلية إلى المجتمعات العربية لذلك لا يمكن مكافأته بالإهمال وتركه يموت على أبواب المستشفيات. سخرت نمري من النياشين التي توزعها الدولة على الممثلين بعد وفاتهم وتذكرت قولاً لليلى كرم في مقابلة تلفزيونية: «لا يذكرونا إلا حين نموت هذا إذا فعلوا». أبدت إعجابها الكبير بتاريخ كرم الفني معتبرة أنها تركت بصمة مهمة لن تنساها الأجيال المقبلة، تابعت: « كانت تربطني بها علاقة وطيدة وكنت بمثابة ابنة لها وتحتفظ بصورتي في بيتها، في طفولتي كانت تزورني يومياً بحكم صداقة والدتي الممثلة الراحلة علياء نمري معها. آسف لتقصيري عن زيارتها في الفترة الأخيرة بسب انشغالاتي. أذكر أنها قالت لي آخر مرّة التقيتها فيها: {لماذا لا تزوريني، انتبهي لحالك». ليرحمها الله وأقول لها: {أفتخر بك ولن أنساك أبداً».مدرسة في الدرامامن جانبها صرحت الممثلة ميرنا مكرزل: «ليرحم الله ليلى كرم، واكبتني وشجعتني منذ بدايتي في عالم التمثيل، أحزن لأني اتكلّم عنها الآن وهي لم تعد بيننا. خسر لبنان برحيلها أحد أهم معالمه الفنية، فهي مدرسة في الدراما اللبنانية دخلت قلوب الناس من دون اسئذان بعفويتها وصدقها وموهبتها وإخلاصها لعملها لذلك ستبقى أعمالها خالدة». أضافت: «المرة الأخيرة التي رأيتها فيها كانت قبل دخولها المستشفى لكني قصرت عن زيارتها، في ما بعد، لأني لا أريد رؤية المرأة القوية المتمردة أسيرة فراش المرض. كانت تقول لي دائماً: واجهي ولا تخافي لأن الإنسان النظيف سلاحه كرامته وشرفه».وجهت مكرزل عتباً إلى الدولة اللبنانية وقالت بسخرية: «أشكر الدولة اللبنانية لتجاهلها قيمة ممثليها الكبار في حياتهم ومماتهم».بدوره وجه الممثل اللبناني جورج خبّاز تحيّة لروح ليلى كرم مشيرا إلى أنها كانت بمثابة الأم للممثلين، أوضح: «علّمتني الإلتزام في الفن والدقّة في العمل والشغف في التمثيل. سخّرت ليلى كرم حياتها لفنّها، وحتى في أصعب ظروف الحرب اللبنانية بقيت ملتزمة بالتمثيل ووفية له وحاربت في سبيله، لكن مشكلتها الوحيدة أنها تعيش في دولة لا تمنح أبسط الحقوق لفنانينها من ضمان صحي وقانون مهني وغيره. أما الممثل انطوان كرباج فكان منشغلا في التحضير لجنازة كرم، خلال اتصالنا به، واكتفى بالترحم على روحها قائلاً : {لن ينسى أحد ليلى كرم».
توابل - مزاج
غياب لن نقول وداعاً ليلى كرم... ممثلة لبنانية يفتخر بها الفن
04-12-2008