الخبز فن يذوي شيئاً فشيئاً، لكن إعداد خبزك وكعكاتك بيديك أمر يعزز العلاقات الإجتماعية، ممتع، بسيط، صحي وغير مكلف في الوقت نفسه. بقي على طلوع الفجر أكثر من ساعة، يغطّ الناس في سبات عميق في أسرّتهم في حين أضع شبكة على رأسي تمنع تساقط الشعر وأغطّ في طحيني الأبيض. بالنسبة إلى شخص آلت غزواته السابقة في عالم الطحين والخميرة إلى فوضى في مطبخ يبدو كما لو أن اشتباكاً مسلحاً دار فيه، أترقب نهاري بخوف.
عندما وصلت إلى مخبز Betty’s Craft Bakery الفسيح الذي شيدّ بالقرب من هاروغايت (شمال يوركشاير) في بريطانيا تكريماً للأب المؤسس فريتز باتزر، أول معلومة اكتسبتها أن الخبازين الحقيقيين في ذلك المكان يعملون بجد لساعات وينتجون مئات الأرغفة الساخنة، الكعك الطازج وبعض الحلويات المزينة على نحو غريب.برأيي، يهدف درس اليوم بطريقة ما إلى تجاوز شعور الخوف غير العقلاني الذي يعتريني كلما لامست فاكهة أو جوز هند مجفف، لكن لا يعني ذلك أنني أمانع طبخها. على غرار الرجال النــرجــــــــــــسيين، أفتخر بنفسي لأنني أستطيع إعداد مرق سمك أو سلق سمكة ترس من أجود الأنواع، لكن عندما يحين وقت مزج مكونات كعكة في وعاء، أعترف بأنني أخرق.يبدو أنني لست الوحيد في هذا المأزق. قد تكون على علم أم لا بأن «أسبوع الخبز الوطني» الحل الأمثل لمن يبحث عن أطعمة صحية بالجملة في هذه الفترات الحرجة اقتصادياً. خلال سبعة أيام، يصار إلى إقناع أشخاص مثلي بأن إعداد الكعك والخبز بأنفسهم ليس مسلياً فحسب، وإنما صحياً وغير مكلف.منذ نصف قرن كانت نسبة العائلات التي تخبز مرة في الأسبوع 90 في المئة. اليوم انخفضت هذه النسبة إلى النصف. وفقاً للطاهية المشهورة روزماري شراغر، الشخصية العامة في حملة الخَبز هذه، يشكل هذا الإنخفاض خسارةً كبيرة. توضح في هذا السياق: «أقنعت شركات صناعة الأطعمة والمتاجر الكبيرة الناس بأنهم لا يملكون الوقت وأنهم منشغلون للغاية إلى حد لا يستطيعون معه إعداد الكعك بأنفسهم، ويجدر بهم في المقابل شراء أطعمة معدة مسبقاً. يعتقد هؤلاء الأشخاص أن الطعام المخبوز يؤدي إلى السمنة وضار ولكن العكس صحيح. خصص الوقت وأشرك أولادك لأن الخَبز يعزز العلاقات الاجتماعية، لذا، كل ما يقال ضده خاطئ وأنا متأكدة من ذلك». بما أنني شاهدت سلسلة Hell’s Kitchen ربما أكثر من اللازم، توقعت أن تكون الأجواء في المخبز اليدوي مخيفة بعض الشيء. لكن الواقع بيّن العكس تماماً، فعلى الرغم من أن الأشخاص منهمكون ويعملون على ما يبدو بجهد كبير، إلا أن العلاقات التي تربط بينهم ودية إلى أبعد الحدود. يطلب مخبز Betty’s من فريقه تفانياً لا حدود له، إنه مكان يجمع بين الأب وابنه والأم وابنتها، ويمكن حتى مصادفة أزواج يعملون جنباً إلى جنب. لعل ذلك دليل على المنافع النفسية التي تعزى إلى الخبز. يُزعم أن مجرد العجن يساعد على تخفيف الإجهاد، وتكفي رائحة الكعك المخبوز التي تفوح في أرجاء المنزل لإزالة الغمامات الأكثر سوداوية، في حين أن عملية القولبة وابتكار الأشكال تصب في صميم إبداعنا الداخلي. بعدما انضممت إلى قافلة الخبازين الأحد عشر المخضرمين، ها أنا أساعد في إعداد مجموعة الأرغفة الأخيرة لهذا اليوم. لكن بعيداً عن حصد أية مكاسب فورية نتيجة تصميمي للفافات الزيتون والبندورة المجففة التي تشتهر بها يوركشاير، ما يشغل بالي أكثر تماسك العجينة التي بين يديّ. لعلني أفرط في القلق، ولكن شعار الخبازين كالتالي: «التغيير دليل على أن الحرفيين يسيطرون على الوضع». لربما وصلت إلى التغيير ولكنني لم أتمكن بعد من السيطرة على الوضع. الخباز البارعيتطلب العجن والخلط حتى خمس سنوات قبل أن يسمي أي شخص نفسه خبازاً بارعاً. لست طموحاً إلى هذا الحد ولكنني أود لو أصبح قادراً على إعداد الخبز ولو لمرة واحدة.في هذا الصدد، تلقيت نصيحةً من ديفيد سميث، الذي اعتاد الإستيقاظ منذ أكثر من 20 عاماً في ساعة مبكرة لجعل شوارع يوركشاير تزدحم بالأشخاص الممتنين، يقول: «إن حصلت على لقب خباز، إرمه في سلة المهلات أو قم ببيعه بثمن زهيد. في صباح يوم أحد عندما تكون خالي المشاغل، بوسعك إعداد وصفات شتّى سواءً كانت حلويات أو مقبلات. أضف إلى المزيج ما يحلو لك، لكن استمتع بوقتك. حتى لو بدا الأمر فوضوياً استمر بالعجن، لا تضف المزيد من الدقيق وسترى المزيج يتحول من فوضى إلى عجينة طرية». منذ بدأ سميث العمل في سن الخامسة عشرة في شركة صغيرة تديرها العائلة في برادفورد، شاهد الخبازين الآخرين يقفلون أبواب أفرانهم الواحد تلو الآخر. يوضح في هذا الإطار: «في مرحلة ما في السابق، كان لكل قرية خبّازها ولكن لم يعد لهم أي وجود اليوم بسبب المتاجر الكبيرة». عندئذ، أجبر هو الآخر على الانضمام إلى تلك القافلة ولكن تجربته لم تكن سارة. يقول متذكراً: «كان الأمر محبطاً، أردت العودة إلى عملي من جديد واستخدام يديّ، فكان ذلك بالنسبة إليّ عودةً إلى المبادئ أي استكمال ما بدأه أجدادنا».سر الخبزللمرة الأولى وجدت المتاجر الكبيرة شخصاً لإلقاء اللوم عليه، كان ذلك الشخص أوتو فريديريك رويدير الذي وضع أول آلة لتقطيع الخبز في فرنه في ميسوري في العام 1928، وأتقن في وقت لاحق طريقة آلية لتغليف رغيف الخبز. كانت تلك بداية نهاية التقاليد الخاصة بإعداد الخبز والتي يعود تاريخها إلى المصريين القدامى، أول من استخدم الخميرة في الحلويات التي شكلت ملح الحياة منذ العصر الحجري، مذاك أبهج السر البسيط الكامن في طريقة إعداد الخبز البشرية جمعاء. تتم عملية التخمير نتيجة تأثير ثاني أكسيد الكربون الذي تنتجه الفطريات المخمّرة العالقة في خليط العجينة. يشار إلى أن الطبخ يقضي على هذه الفطريات في حين يتماسك النشاء الموجود في الدقيق للحفاظ على الجيوب الهوائية.لكن لا يقتصر الخَبز على إعداد الخبز فحسب، بعد قليل، سيحين دوري لصنع الكعك. تبدو صانعة الحلويات سارة لانكاستر منشغلة في إعداد الكعك الحلو المستدير، الذي يحتفظ مخبز Betty’s بسر إعداده بكل حرص. الخَبز، على حد رأي لانكستر، علم دقيق، لذا سأزين عمّا قريب كمية الطحين والسكّر والفواكه المجففة بكل دقة. تضيف لانكستر أن أفضل الوصفات تعتمد على البصر والرائحة واللمس بقدر ما تعتمد على دقة كميات مكوناتها. نصيحتها إلى من يطمح بأن يصبح خبازاً في المنزل بسيطة: كن مستعداً. تحذر بقولها: «إحرص دوماً على أن تتوافر المكونات لديك قبل البدء، وإلا سيداهمك الوقت وستسوء الأمور».بعدما حولت العجينة المرققة إلى أشكال مقبولة من الكرواسان وأدخلت عدداً كبيراً من الكعك الذي يقدم إلى جانب الشاي في يوركشاير في الفرن، وصنعت أشكال قطط من خبز الزنجبيل، بدأت ثقتي بنفسي تزداد كما عجينة متخمرة، إلى أن انتقلت إلى قسم تزيين الكعك. هنا علي مواجهة رعب جديد يتمثل في تغليف الخبز بطبقة جليدية. سألتني أليسون ماكابي التي أمضت السنوات الثلاث والعشرين الماضية تطبّق تقنية التغليف بالطبقات الجليدية على أشهر كعكات الفواكه: «هل جرّبت ذلك في السابق؟» وعندما أجبتها بالنفي، أسفت على حالي. دهن كعكة بطبقة جليدية على قرص متحرك أشبه بالتربيت على الرأس مع فرك البطن في الوقت عينه... بالتزامن مع طلي السقف بالجص. ذلك ليس سهلاً. لكن أخبرتني روزماري شراغر لاحقاً أن هذه التقنية مهارة تُكتسب مع الوقت. توضح قائلةً: «الشيء الجيد في الطبخ هو ما إن تقوم بتجربة، طبقها مراراً وتكراراً، وكلما كررتها تصبح أكثر كفاءةً، لذا لا يجب أن تستسلم».
توابل - Cooking
فنّ العجن... تقاليد تعزّز العلاقات الإجتماعية
29-03-2009