لم تستطع قوة إسلامية أن تملأ الفراغ الناجم من سقوط الخلافة الأموية في قرطبة عند مطلع القرن الخامس الهجري، وشرع حكام الولايات في الاستقلال بما تحت أيديهم، معتمدين في حفظه على العصبيات المحلية. خلال تلك الفترة لتي عرفت باسم عصر «ملوك الطوائف»، أخذ هؤلاء بضرب عملاتهم وكانت محض محاكاة للنقود الأموية حتى أن بعض ملوك الطوائف نقش على نقوده اسم خليفة وهميًا.

Ad

من دول «ملوك الطوائف» التي سكّت نقودًا بأسماء حكامها، دولة بني عباد في أشبيلية وقد أسسها قاضي أشبيلية محمد بن عباد عام ٤١٤هـ، لكن دولته كانت تحت سيطرة يحيى بن علي الحموي صاحب قرطبة، وما أن تولى المعتضد الحكم عام ٣٣٤هـ حتى تمرد على سلطان بني حمود وتسمى بالحاجب المعتضد وشرع يوسع دولته حتى أصبحت الثانية بعد مملكة البربر الحمويين.

جاء أشهر ملوك بني عباد وهو المعتمد ليضيف مرسية وقرطبة إلى أملاكه، عندئذ وجه بتحديات من قبل ألفونس السادس ملك قشتالة الذي هدد بالاستيلاء على أشبيلية إن لم يضاعف المعتمد الجزية التي يدفعها له. لم يجد المعتمد سبيلا سوى طلب النجدة من يوسف بن تاشفين المرابطي الذي عبر بجيوش من المغرب إلى الأندلس ليهزم قوات ألفونس ويقضي على استقلال العباديين في أشبيلية.

من دنانير ملوك أشبيلية التي حاكوا بها نقود الأمويين دينار من ضرب «الأندلس» مؤرخ بعام ٨٣٤هـ وقد سجل عليه اسم الخليفة الأموي هشام المؤيد الذي فر في نهاية خلافة سليمان المستعين بالله (٠٠٤هـ) إلى آسيا، لكن المعتضد عثر في قلعة رباح على رجل يعرف باسم خلف، ونظرا الى الشبه الشديد بينه وبين هشام المؤيد عاد به إلى قرطبة لينصبه خليفة وجعل من نفسه حاجبًا للخليفة ليفيد من هذا الغطاء الشرعي في تأليب الأندلسيين ضد بني حمود. ثم فقد سك نقوده على غرار النقود الأموية وسجل اسمه محمد أسفل شهادة التوحيد في مركز الوجه، أما مركز الظهر فوزعت كتاباته على خمسة أسطر (الحاجب. الإمام هشام، أمير المؤمنين، المؤيد بالله. عباد).

الطراز العبّاسي

بعد أن قضى الحاجب محمد وطره من الخليفة المصطنع، لقِّب باسم المعتضد وأزال اسم الخليفة الأموي وغيّر من طراز نقوده إلى الطراز العباسي، في إشارة إلى اعترافه بالخلافة العباسية. ولما كان وهو على الطرف الأقصى من دار الإسلام لا يعرف على وجه اليقين أسماء الخلفاء العباسيين القابعين في بغداد، اكتفى بالإشارة إلى الخليفة العباسي بعبارة «الإمام عبدالله أمير المؤمنين».

من هذا الطراز الأخير لدينا دينار باسم المعتمد على الله (محمد الثاني) وهو من ضرب أشبيلية عام ٤٦٤هـ، ويتضح من كتاباته أن المعتمد وصف نفسه بالحاجب رغم زوال خلافة الأمويين وزاد على ألقابه «عضد الدولة»، فعلى مركز الوجه نجد {الحاجب. لا إله إلا. الله وحده. عضد الدولة}، أما مركز الظهر ففيه {المعتمد علي الله. الإمام عبدالله. أمير المؤمنين. المؤيد بنصر الله}.

من دول «ملوك الطوائف» أمراء بني الأفطس البربر حكام بطليوس. كانوا على خلاف مع بني عباد، لكن تهديدات ألفونس لهم دفعت ملكهم المتوكل إلى تزعم الاتجاه المناوئ بالاستنجاد بالمرابطين، وقد استولى على بطليوس وأنهى حكم بني الأفطس فيها عام ٧٨٤هـ عندما حاول الأمير عمر شقيق المتوكل أن يمنح ألفونس بعض أراضيه مقابل حمايته له. سك أمراء بطليوس دنانيرهم على نمط نقود بني عباد وذات الطراز العباسي، ولدينا واحد منها من ضرب الأندلس (الإقليم) سنة ١٤٤هـ، لكنه ينسب إلى بطليوس لوجود اسم الحاجب (جليد) ضمن كتابات مركز الظهر مع الإشارة إلى الخليفة العباسي بألقابه (الإمام عبدالله. أمير المؤمنين). من «ملوك الطوائف» ملوك مرسية.

ظل أهل مرسية طوال 50 عاما يحلمون باستعادة استقلالهم إلى أن حقق أبو جعفر أحمد عام ٠٤٥هـ الحلم وحكم أمراء مرسية 26 سنة بصورة مستقلة عن حكام المرابطين الضعفاء، لكن بلادهم وقعت بعد ذلك في قبضة خلفاء الموحدين عام ٧٦٥هـ، وقد ضرب أمراء مرسية نقودهم على طراز النقود المرابطية وأحلوا أسماء أمرائهم مكان اسم الأمير المرابطي ولقبه، ومن الأمثلة لدنانير مرسية دينار يؤرخ بعام ٢٤٥هـ.

ثمة أمثلة عدة من نقود «ملوك الطوائف» التي ضربت مدن أخرى مثل قرمونة وغرناطة والمرية وبلنسية وسرقسطة، لكن غالبية نقود تلك الدول كانت عبارة عن أجزاء من الدنانير السيئة السك من الناحية الفنية، وبذلك تعكس انهيار الأوضاع الحضارية والاقتصادية للمسلمين، في ظل «ملوك الطوائف». كانت تلك النقود في الغالب تقوم بمحاكاة نقود الأمويين ثم بعد ذلك نقود المرابطين، لكن تلك الممالك الصغيرة سرعان ما اختفت هي وإصداراتها النقدية، سواء سقطت في أيدي خلفاء الموحدين أم ابتلعتها جيوش حركة الاسترداد النصرانية التي قادها ملوك قشتالة وليون، خصوصا مع لجوء «ملوك الطوائف» إلى الاستعانة بالنصارى في صراعاتهم الداخلية، ولم يبق من تلك الممالك بعد اندحار دولة الموحدين سوى مملكة غرناطة التي سيطر عليها ملوك النصريين المعروفين ببني الأحمر.