لقد تعرض العالم لصدمة شديدة بفعل الارتفاعات الحادة غير المسبوقة التي شهدتها أسعار الطعام، وأعمال الشغب التي يشارك فيها الجوعى، والتوترات الاجتماعية التي أظهرت أن الإمدادات الغذائية عادت من جديد لتعمل كمصدر لانعدام الأمن- وما يزيد الطين بلة ويضفى على الأمر قدراً غير مسبوق من الإلحاح اقتران ذلك بالاحتباس الحراري العالمي وانحدار الموارد الطبيعية. وطبقاً للتقديرات فمن المنتظر أن يبلغ تعداد سكان العالم تسعة مليارات بحلول عام 2050. وهذا يعني أن الحاجة إلى الغذاء قد تتضاعف- في المقام الأول، بين سكان الحضر في أفقر بلدان العالم.

ولكن إيجاد الحلول يتطلب ما هو أكثر من مجرد تحديد تلك الدول القادرة على إطعام بقية العالم. لقد بات من الـمُلِح على نحو متزايد أن تعمل كل دولة على اكتساب السبل اللازمة لإطعام نفسها. وهذا يعني أن الزراعة لابد أن تتحول إلى أولوية دولية، فضلاً عن مساعدة أشد البلدان فقراً من أجل ضمان أمن واستقلال إمداداتها من الغذاء.

Ad

لقد بدأت الدول والمنظمات في تعبئة الجهود بالفعل. وطبقاً لتقارير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) التابعة للأمم المتحدة فإن ارتفاع أسعار الطعام قد يؤدي إلى زيادة الصراعات العالمية. ويعتبر منتدى «دافوس» للاقتصاد العالمي أن انعدام الأمن الغذائي يشكل تهديداً هائلاً للبشرية. كما أكد البنك الدولي بقوة على أهمية الزراعة كوسيلة للانطلاق نحو التوسع الاقتصادي وكسر دائرة الفقر. ولقد بادر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى تكوين فريق عمل يختص بوضع خطة عمل مشتركة، كما اقترح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي تأسيس شراكة عالمية من أجل تدبير الغذاء.

تقوم الشراكة التي اقترحها ساركوزي على ثلاثة أعمدة. أولاً، تأسيس مجموعة دولية تتولى إعداد استراتيجية عالمية لضمان الأمن الغذائي. ثانياً، تأسيس منتدى دولي علمي يتولى مسؤولية تقييم الموقف الزراعي العالمي وإرسال التحذيرات فيما يتصل بالأزمات المتوقعة المقبلة، وتيسير تبني الحكومات للأدوات السياسية وغيرها من الأدوات الاستراتيجية اللازمة للتعامل مع أزمة الغذاء. ثالثاً، تعبئة جهود المجتمع المالي الدولي، على الرغم من المشاكل التي يمر بها في الوقت الراهن.

إن حجم الإنتاج الزراعي الذي يطرحه الاتحاد الأوروبي يعني أنه قادر على الاضطلاع بدور تنظيمي في الأسواق العالمية. وإذا ما خفضت أوروبا من إنتاجها الزراعي فإن ما يترتب على ذلك من زيادة في وارداتها من السلع الغذائية من شأنه أن يسهم إلى حد كبير في ارتفاع أسعار الغذاء على مستوى العالم. وهذا يعني بدوره أن الاتحاد الأوروبي لابد أن يحافظ على ثبات مستويات إنتاجه للغذاء- وذلك لمصلحة الأوروبيين وشعوب أفقر بلدان العالم.

ولكن لا يجوز لأوروبا أن تبني ثروتها الزراعية على حساب من هم أقل حظاً. لذا، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يوائم سياساته مع البلدان الأكثر فقراً. في الوقت الحاضر تشكل إعانات التصدير والدعم الزراعي أقل من 1% من الميزانية الزراعية الأوروبية، ولقد تعهد الاتحاد الأوروبي بإلغاء هذه الإعانات بمجرد حصوله على تعهدات متبادلة من البلدان الرئيسية المصدرة للغذاء. منذ عام 2001، وفي إطار مبادرة «كل شيء إلا الأسلحة»، أصبح من الممكن أن تستقبل سوق الاتحاد الأوروبي الموحدة منتجات الدول الفقيرة كافة بلا رسوم أو تعريفات جمركية- باستثناء الأسلحة والذخائر. ولقد أدى هذا إلى تحول الإتحاد الأوروبي إلى سوق أساسية لمنتجات البلدان الأكثر فقراً.

ويعكف الاتحاد الأوروبي أيضاً على إيجاد السبل اللازمة لمواجهة التحديات العالمية الجديدة من خلال إدخال بعض التغييرات على سياسته الزراعية المشتركة. ولقد تجلى هذا في القرار الذي اتخذه الاتحاد الأوروبي بتعليق قاعدة «توفير الأراضي» التي تقضي بإراحة نسبة من الأراضي الزراعية وتركها بلا زراعة. والآن يستعد الاتحاد الأوروبي لزيادة الحصص من منتجات الألبان تدريجياً، وتقييم مدى تأثر الأسواق العالمية بقراراته المتعلقة باستخدام الوقود الحيوي.

ولكن يتعين على أوروبا أن تركز على تشجيع تنمية الزراعة المحلية. وهذه هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق قدر أعظم من الأمن الغذائي والحد من الفقر. وهذا من شأنه أيضاً أن يضمن تحويل ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية اليوم إلى فرصة للمزارعين الفقراء. وهو أمر على قدر عظيم من الأهمية، وذلك لأن النمو الزراعي طبقاً للبنك الدولي يساهم في الحد من الفقر بمعدلات تعادل ضعف معدلات الحد من الفقر نتيجة لنمو أي قطاع اقتصادي آخر. والواقع أن الزراعة تظل تشكل القطاع الإنتاجي الأساسي في بلدان العالم الأشد فقراً، حيث توظف 65% من السكان القادرين على العمل، وتساهم في المتوسط بما يزيد على 25% من الناتج المحلي الإجمالي.

ولكن على مدى العشرين عاماً الماضية كان دعم التنمية الزراعية آخذاً في الانحدار، حتى أن 4% فقط من مساعدات التنمية العامة تخصص للزراعة الآن. ولذلك، تخطط المفوضية الأوروبية والبلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لزيادة مساعداتها، سواء من خلال صندوق التنمية الأوروبي أو تنمية مصادر جديدة للدعم المالي.

إن المزيد من تحرير التجارة الزراعية لا يكفي لضمان الأمن الغذائي. ففي مواجهة الطبيعة المتقلبة للأسواق الزراعية، لابد من وضع التنظيمات اللازمة لتخفيف التأثيرات التي تتحملها أشد البلدان فقراً نتيجة لتقلب أسعار الغذاء. وهذا لا يعني أن النـزعة الحمائية تشكل الطريق إلى الأمام، بيد أن مراعاة بعض المسائل المحددة التي تؤثر على التجارة الزراعية الدولية- مثل الأحوال الجوية، أو تقلبات الأسعار، أو المخاطر الصحية- قد تشكل أمراً ضرورياً من حين إلى آخر.

ولكن في عالمنا هذا، حيث قد تبلغ الفوارق في الإنتاجية واحد إلى ألف، فلن يكون من الحكمة أن نعتمد على الأسواق وحدها لتمكين البلدان الأكثر فقراً من توسعة نطاق اقتصادها. وليس من المرجح أيضاً أن ينشأ قدر كبير من التوسع الاقتصادي عن المنافسة بين الجهات متعددة الجنسيات التي تعمل في مجال توزيع الغذاء وبين المنتجين في البلدان التي مازال شبح المجاعة يطاردها.

وبدلاً من ذلك، فإن الجمع بين الخبرات الخارجية والمعرفة المحلية بالجغرافيا والقيود البيئية والاقتصادية من أجل نشر عامل المجازفة وتقاسم إدارة الموارد والمشاريع من المرجح أن يساعد البلدان الفقيرة على تحقيق الاستقلال الغذائي. ولقد نجح هذا التوجه بالتحديد في غضون أقل من عشرين عاماً في مساعدة بلدان أوروبا في مرحلة ما بعد الحرب في تحقيق السيادة الغذائية. كما نجحت البلدان التي بادرت إلى حماية مشاريع التنمية الزراعية لديها من التهديدات التي فرضتها عليها الأسواق الدولية- مثل الهند وفيتنام- في تقليص الفقر الزراعي إلى حد كبير.

لقد حان الوقت أيضاً لإعطاء الأولوية للزراعة من أجل ضمان نمو يتسم بوجه أكثر إنسانية. وفي قلب الاتحاد الأوروبي، ترغب فرنسا في الاضطلاع بدورها في إطار هذا الجهد الجماعي الذي أصبح يشكل قضية أساسية بالنسبة لكل شعوب العالم.

* وزير الزراعة والثروة السمكية في فرنسا، وكان سابقاً يشغل منصب وزير خارجية فرنسا، ومنصب مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون السياسة الإقليمية وإصلاح المؤسسات الأوروبية.

«بروجيكت سنديكيت/عالم أوروبا» بالاتفاق مع «الجريدة»