تناولت في مقالي في هذه الزاوية يوم الاثنين الأول من يوليو، المصادر التي تستمد منها الاتفاقيات الدولية قوتها الملزمة، سواء كان التزاماً بقواعد القانون الدولي العام التي جسدتها المادة (31) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، أو التزاماً بأحكام الدستور الذي تتبوأ فيه المعاهدات مكانها في النظام القانوني للدولة، الذي يخضع بدوره لنصوص دستورية، تفرض في ما تفرضه الفصل بين السلطات، وهو مبدأ يقوم عليه نظام الحكم في الكويت إعمالاً للمادة (50) من الدستور، وهو الموضوع الذي تناولناه في مقالنا في الزاوية نفسها الاثنين الماضي حيث بيَّنا أنه ولئن كان الأصل أن الأمير يبرم المعاهدات وتكون له قوة القانون، إلا أن الدستور قد احتاط في المادة (70) للمعاهدات التي تتضمن تعديلاً في قوانين الدولة، أو تنظيما لمسائل ينعقد تنظيمها لتشريع تقره، السلطة التشريعية، فاشترطت تلك المادة لنفاذ هذه القوانين أن تصدر بقانون.

Ad

* مفهوم النظام العام:

وأتناول في هذ المقال، نصا دستورياً آخر، هو نص المادة (49) من الدستور التي توجب احترام النظام العام في الدولة، وأتناوله عندما تتعارض معه اتفاقية دولية.

وهو ما يتطلب تحديد المقصود بالنظام العام، وما إذا كان يحد من القوة الملزمة للاتفاقيات الدولية، عندما تتعارض أحكام هذه الاتفاقيات معه.

وبادئ ذي بدء، فإن النظام العام الذي نعنيه في هذا المقام، هو النظام العام، في معانيه الدستورية المتصلة بواجبات الدولة الأساسية، حيث استقر الفقه الدستوري والإداري على مدلولات ثلاثة للنظام العام، هي؛ الأمن العام، والصحة العامة، والسكينة العامة.

ولا نعني بالنظام العام القواعد القانونية التي جرى الفقه على إطلاقها على القواعد الآمرة في القانون المدني، والتي لا يجوز للأفراد مخالفتها في معاملاتهم المدنية، فأغلبها قواعد لا تمت بصلة إلى واحد من المدلولات الثلاثة للنظام العام، المتصلة بالواجبات الأساسية للدولة، وإن أطلق عليها الفقه تجاوزاً أنها قواعد متصلة بالنظام العام، بسبب عدم جواز مخالفتها في ما يبرمه الأفراد من تعاقدات، أو لأنها قواعد تخاطب القاضي كذلك، حيث يقضي بها من تلقاء نفسه ولو لم يدفع الأفراد بها أمامه، وهي غالباً قواعد لا تهتم بها الاتفاقيات الدولية، إلا إذا كانت اتفاقيات تتعلق بالملاحة أو التجارة.

* اتفاقيات دولية تخالف النظام العام:

وقد يتضح الفرق بين الأمرين، عندما نعرض بعض الأمثلة، فلو أبرمت إحدى الدول الإسلامية اتفاقية دولية مع إحدى الدول الغربية تبيح لرعاياها العلاقات غير الشرعية أو الشذوذ الجنسي أو الزواج المثلي، وكان قانون الدول الإسلامية يجرم هذه العلاقات ويعاقب عليها ولا يعترف بها، فإن الاتفاقية الدولية تعتبر مخالفة للنظام العام في الدولة الإسلامية في مدلوله المتعلق بالأمن العام، بل والسكينة العامة.

ولو أبرمت دولة غربية اتفاقية دولية ثنائية مع دولة إسلامية، تتيح لرعايا الدولة الأخيرة تعدد الزوجات، فإن هذه الاتفاقية تعتبر مخالفة للنظام العام في الدولة الغربية، في مدلوله المتعلق بالأمن العام، إذا كان قانونها يؤثم تعدد الزوجات جزائياً ويعاقب عليه.

ولو أبرمت إحدى الدول النووية اتفاقية مع دولة أخرى تسمح للأولى بدفن النفايات النووية في أراضيها، فإن هذه الاتفاقية تكون مخالفة للنظام العام في الدولة المستضيفة لهذه النفايات في مدلوله المتعلق بالصحة العامة.

ولو أن إحدى الدول أبرمت مع دولة أخرى اتفاقية تسمح للأولى باستخدام أراضيها القريبة من المساكن في أعمال عسكرية، أو أي أعمال تقلق راحة السكان في المناطق القريبة من هذه الأعمال، فإن هذه الاتفاقية تكون مخالفة للنظام العام في الدولة المستضيفة لهذه الأعمال في مدلوله المتعلق بالسكينة العامة.

* الخيار الصعب في الالتزام بالاتفاقية أو بالنظام العام:

وهو ما يطرح سؤالاً مهماً يحسن أن تكون الإجابة عنه واضحة هو:

ما الآثار القانونية التي يمكن أن تترتب على اتفاقية دولية من هذا النوع تخل بالنظام العام في الدولة، وهي طرف في هذه الاتفاقية عليها الالتزام بها وبالنظام العام في آن واحد؟

يجيب عن هذا السؤال الدكتور عبدالعزيز محمد سرحان أستاذ القانون الدولي العام بقوله: «إن الرأي الراجح في داخل المناقشات الفقهية وأيضاً في المحيط العلمي، وحسبما استقرت عليه أحكام المحاكم الدولية، هو القائل بأولوية القانون الدولي وسموه على قواعد القانون الداخلي، بما يجعل الدولة ملزمة بأن تنسق قوانينها مع أحكام القانون الدولي، وإلا تعرضت للمسؤولية الدولية، حيث تسأل الدولة عن مخالفة تشريعها للقانون الدولي، عندما تصدر تشريعاً يؤدي إلى عدم ضمان تنفيذ الالتزامات الدولية، وهو ما يعرف بمسؤولية الدولة عن أعمالها المشرعة».

ويضيف الفقيه Cavare أن المسؤولية تنشأ أيضاً في حالة الأعمال التي تأتيها الأجهزة الإدارية للدولة مخالفة للقانون الدولي العام، بل وتسأل كذلك عن نشاط السلطة القضائية المخالف لهذا القانون ولا يجديها في الإعفاء من المسؤولية التمسك بمبدأ استغلال القضاء أو بمبدأ حجية الشيء المقضي. «Cavare> D. I. P., T. 2, pp. 434 – 437»

* أحكام المحاكم الدولية:

والواقع أن المحاكم الدولية مستقرة على مبدأ أفضلية القانون الدولي على القانون الداخلي، في حالة التعارض بين أحكامهما، وأن هذا هو ما يستخلص من الأحكام التي أصدرتها محكمة العدل الدولية الدائمة في العديد من القضايا، مثل قضية المناطق الحرة في عام 1930 التي قررت فيها أن فرنسا لا تستطيع بتشريعاتها الداخلية أن تتحلل من التزاماتها الدولية، كما أنكرت المحكمة على القانون الألماني الخاص بحياد ألمانيا الحق في تبديل نصوص معاهدة «فرساي» الخاصة بقناة «كييل» في قضية «ويمبلدون» عام 1923.

* قضاة في المحكمة الدولية يتحفظون:

إلا أن ثلاثة من قضاة محكمة العدل الدولية في قضية حضانة الأطفال قد ذهبوا إلى أن «اتفاق لاهاي» الخاص بحضانة الأطفال يعد متضمناً لتحفظ ضمني لمصلحة النظام العام الداخلي بكل دولة، بما يعني أن لكل دولة طرف في اتفاق دولي أن تتمسك بتطبيق قانونها الداخلي المتعلق بالنظام العام، ولو تعارض مع التزاماتها بموجب هذا الاتفاق، بما يحد من القوة الملزمة للاتفاق الدولي، إلا أنه يظل هذا الرأي مقصوراً على القواعد القانونية الداخلية المتعلقة بالنظام العام، فلا يجوز في نظر هؤلاء القضاة ان تخل التزامات الدولة- بموجب هذه الاتفاقية- بواحد من هذه الأمور الثلاثة؛ الأمن العام، الصحة العامة، والسكينة العامة، وهو الرأي الذي نتفق معه تماماً.