يعد حادث الشغب الذي شهده مجمع «الأفنيوز» مساء أمس الأول وحوادث سابقة مماثلة شهدتها البلاد في الفترة الأخيرة، مؤشراً اجتماعياً يجب أن يلتفت اليه الجميع، فدلالاته واضحة وأسبابه متعددة، إذ إن تسكّع الشباب وتحركهم في مجموعات كبيرة في الأسواق والمجمعات التجارية ظاهرة ملفتة في السنوات الأخيرة، خصوصا ما يصاحبها من تحرشات ومشاجرات صغيرة تتطور أحيانا لتصل الى ما شهدناه في «الأفنيوز»، فضلاً عن حوادث سابقة متفرقة وصلت لحد جرائم القتل أو العاهات الجسيمة.ومع تنامي الحس الديني وحشد برامج الوعظ والحملات التوعوية التي ترعاها الحركات الدينية في الكويت منذ أكثر من ربع قرن، فإن ممارسات العنف والتهور الأخلاقي تتنامى في البلاد وتشتد، ورغم إحكام التيارات الدينية لقبضتها على البلاد فإن الظواهر التي أسماها التيار الأصولي بالسلبية تنتشر فيه وتمتد، فالشباب الذي لا يستطيع أن يفرغ طاقاته في لهوٍ بريء بدأ يعبر عن نفسه ويفرغها بالعنف والتمرد على القوانين والنظام العام، لذلك نرى منذ أيام أن من يكون في صلاة القيام وهو ممتلئ قلبه بالخشوع والإيمان وعيناه دامعتان يخرج من المسجد بعد دقائق بسيارته المتوقفة في وسط الشارع مغلقة الطريق على المارة، ليكسر القوانين ويتجاوز الإشارة الحمراء ويعنّف سائقاً آخر يشاركه الطريق ويتسبب أحياناً في حوادث قاتلة يروح ضحيتها الأبرياء. ما يثبت وجود ازدواج مرضي في الشخصية ومضمون الرسالة الوعظية التي تبثها الجهات الدينية. ويمكن استقصاء الحالة ذاتها في حدث مشابه في مصر، التي تنامى فيها التيار الأصولي بشكل واسع في السنوات الأخيرة، فخلال الأعوام الماضية تفشّت ظاهرة من حالات المضايقات للفتيات من مجموعات كبيرة من الشباب تطوف شوارع وسط القاهرة خلال المناسبات، وأرجع الباحثون أسبابها لعوامل اقتصادية خانقة وما تسببه من ارتفاع كبير في معدل سن الزواج هناك. ولكن في الكويت، فإن ممارسات سلبية متواترة سياسية واجتماعية غذت روح العصبيات الطائفية والقبلية والمناطقية قد تكون سببا رئيسيا لما نشهده، وأصبحت عملية تصنيف الآخر حسب طائفته أو قبيلته أو منطقة سكنه ممارسة مستمرة وملازمة للأغلبية وفقاً لشكل الزي والملامح الشخصية، هي التي تحكم طريقة التعامل مع الآخر أو العكس، كما أن ممارسة بعض السياسيين للترويج الانتخابي من خلال منطق مظلومية بعض الفئات أو المناطق، تنعكس على سلوك الأغرار والشباب الذي يجد أفضل وسيلة للتعبير عنها وإثبات نفسه عبر العنف والقوة، كما أن طبيعة انفصال بعض مناطق الكويت عن محيطها في أجواء تزمت قبلية وأصولية، تجعل من يخرج عن تلك البيئة بموروثه الاجتماعي والثقافي، في اختلال سلوكي عند احتكاكه ببقية مكونات البلد المنفتحة، وخصوصا في ما يتعلق بالتعامل مع الفتيات في الأماكن العامة البعيدة عن محيطه المتزمت والمنغلق، وهو ما كانت في السابق تصهره المراكز الأكاديمية المختلطة قبل أن تصلها يد الأصولية وتغلقها لتثبت سطوتها وقدرتها على نسخ هوية المجتمع الكويتي، وهو الأمر الذي تستكمله الآن لجنة الظواهر السلبية البرلمانية ووسائل إعلام رسمية سيطرت عليها.ويجب هنا ألّا نغفل دور الأمن الذي تراجعت هيبته وندر وجوده في الأماكن العامة، لا سيما بعد أحداث تجمعات «التأبين» والشغب والمواجهات التي رافقت الانتخابات البرلمانية الأخيرة، فوجود رجل الشرطة لم يعد يشكل رادعاً للجميع، وأصبح لدى البعض قناعات بأنه يمكنه أن يتعامل مع الأمن من خلال بعده القبلي أو الطائفي أو العائلي، ولذلك اهتزت، كما تلاحظ الأغلبية، الثقة المتبادلة بين رجل الأمن وأفراد المجتمع، ولم تعد القوانين هي المرجع والناظم في العلاقة بينهما بل عوامل عدة اخرى لا يريد أن يدخل غالبا رجل الشرطة فيها وفي حساباتها المعقّدة، كونها قد لا تصب في صالحه في النهاية. لذا فإن البلد يدفع أثمان كل ذلك، أغلاها الأمن العام، وقد يتجاوزها بمس السلم الاجتماعي واستقرار البلاد. وعلينا هنا وبعد أكثر من ربع قرن أن نقيّم ما فعله بنا نهج الانغلاق والأصولية وإلى متى سيكون مجتمعنا مرتعاً لتجارب التيارات الدينية، وعلينا أن نتساءل؛ هل نجحت ممارسات «الظواهر السلبية» والتيارات الأصولية الكويتية في مجتمعنا؟.
محليات
حادث الأفنيوز والعنف الشبابي ... هل نجحت الظواهر السلبية والأصولية الكويتية؟
03-10-2008