يمكنك مشاهدة فيلم «إنديانا جونز» وذلك المعبد إذا أردت، لكنه لن يكون على الأرجح بجودة كنز باكتريا وسر تيلي تيبه (التلة الذهبية). يُعرض الأول في دور السينما، في حين أن الثاني لا يتوافر إلا في المتحف الأميركي الوطني للفنون.
يتمحور المعرض حول قصص مثيرة من الماضي. تدور أحداثها في منطقة مقفرة من أفغانستان، تتحدث عن الفن القديم، الغرف المقفلة، اللصوص، ناهبي القبور، طريق الحرير، «سيد التنين»، و22607 قطع من المجوهرات. في القبر الأول سُجي جثمان أميرة، لكن الغريب أنه غُطِّي بكمية كبيرة من المحارم الصينية الوردية اللون. كانت هذه القطع كلها محفوظة في ست خزائن في غرفة ضخمة محكمة الإغلاق تحت الأرض.يحمل المعرض اسم «أفغانستان: كنوز مخبأة من المتحف الوطني في كابول». يقدم قطعاً رائعة الجمال من مكان بعيد في عالم التحف الأثرية، مكان مقفر يجوبه التجار الأجانب والبدو العنيفون والنساء الخطرات، يمتاز بلا شك ببريق ذهبه. كذلك يروي قصة مذهلة عن فوز حققه علماء الأثار على تجار السوق السوداء. على غرار أي معرض أثري مثير للاهتمام، يقدم تحفاً قيِّمة ويعكس أحداثاً عصرية صاغت السياسات الدولية وبدلت المسرح العالمي. خبئت قطعه المعروضة تحت التراب والطين طوال ألفي عام تقريباً، نُبش معظمها خلال ثلاثينات وسبعينات القرن العشرين، لكن ما إن وُجدت حتى فُقدت ثانية. زاد الغزو السوفياتي عام 1979 ونهوض طالبان عام 1996 الغموض المحيط بمخبئها. خشي معظم علماء الأثار أن تكون بيعت في السوق السوداء أو أتلفتها عناصر طالبان.لكن بعد مرور ثلاثة اعوام على اعتداءات 11 سبتمبر والهزيمة التي لحقت بطالبان، فُتحت الحاويات والصناديق المقفلة المخبأة في خزائن المجمّع الرئاسي الأفغاني في كابول.بما أن مفاتيحها كانت ضائعة، لم يعلم أحد ما تحتويه، إلى أن كُسرت أقفالها. عن هذه المسألة، يخبر فريدريك هيبرت، ممثل منظمة «ناشيونال جيوغرافيك» الذي أشرف على عملية فتح محتويات الخزائن: «عندما بدأت أصوات المنشار تعلو والشرارات تتطاير، فكرت في البداية أننا سنعثر في داخلها على كيس من البطاطا وورقة كُتب عليها: «سبقناكم! أصدقاؤكم حركة طالبان»، كذلك خطر ببالي احتمال أن تشعل هذه الشرارات ناراً تأتي على كل هذه التحف الثمينة الموجودة داخل الحاويات».محارم صينيةلا شك في أن مخاوف هيبرت مبررة. لكن كما تبين، كانت قطع العاج والذهب والتحف الزجاجية كافة مغلفة بمحارم صينية، ما حال دون اندلاع حريق. المذهل أن هذه المحارم حفظت عشرات الآلاف من القطع الأثرية التي لم يرها العالم منذ زمن المسيح.ها هو كنز باكتريا الأسطوري، الذي يحمل اسم المنطقة الأفغانية التي وجد فيها، يظهر مجدداً الى العلن! كان هذا الكنز مخبأ في قبور عُثر عليها في مكان يُدعى تيلي تيبه (التلة الذهبية)، ضم أساور وعقوداً وحزاماً ذهبياً، فضلاً عن كرات مصنوعة من رقاقات ذهبية صُممت لتُفكَّك وتخزَّن بشكل مسطح. كذلك احتوى على قلائد تحمل صورة سيد التنين الحكيم، رجل بدوي يمسك بقائمتي التنين الأماميتين بيديه. في صندوق آخر، طالعت العلماء قطع عاجية محفورة كانت مخبأة في مخازن قديمة عُثر عليها في حفريات مدينة بجرام، اللافت للنظر بينها تمثال امرأة تمتطي حيواناً أسطورياً، سهم زجاجي على شكل سمكة يمتاز بلونه الأزرق المذهل وتمثال برونزي للإله اليوناني المصري سيرابيس-هرقل. فاق العدد الإجمالي لهذه القطع الثلاثة والعشرين ألفاً، شملت سلعاً كانت تمر في هذا البلد قادمة من الصين ومصر والهند واليونان، فضلاً عن تحف صُنعت في مشاغل باكتريا نفسها. ذُهل المؤرخون لدى رؤية هذا المزيج الحضاري الواسع الذي اعتمده حرفيو تلك المنطقة وعكسته بوضوح هذه التحف. لاحظوا، على سبيل المثال، أن تمثال أفروديت اليوناني حمل جناحي إلهة محلية وظهرت على جبهته العلامة الهندية التي تُحدد وضع المرأة العائلي. يقول هيبرت: «لعل هذه أفضل صورة تُظهر واقع طريق الحرير». كذلك يشعر بحماسة عارمة حين يشير إلى مجموعة من الصفائح العاجية المزخرفة المسطحة والمستطيلة، نقشت عليها صور نساء. كانت هذه الصفائح في الماضي جزءاً من كرسي أو عرش متقن الصنع، لكن ما زالت قطعه الأخرى مفقودة. علاوة على ذلك، ستسمعون الكثير عن طريق الحرير في هذا المعرض. لكن هذا الطريق لم يكن في الواقع مجرد طريق رئيس واحد، بل مجموعة من الدروب والمسالك والسبل التجارية التي امتدت من روما واليونان ومصر إلى الصين، اتصلت بسيبيريا والهند وبلاد فارس. كانت معظم هذه الطرق تمر في شمال أفغانستان.عام 1990، نشرت مجلة «ناشيونال جيوغرافيك» مقالاً كتبه فيكتور إيفانوفيتش ساريانيدي، عالم الأثار الروسي الذي عثر على هذه التحف التاريخية في تيلي تيبه في العام 1979، جاء فيه: «ما من مكان آخر في العالم القديم ضم كل هذه القطع المتنوعة التي تعود إلى حضارات مختلفة. في ذلك الموقع وجدنا مرايا صينية ونقوداً رومانية وخناجر سيبيرية».حسبما ورد في هذا المقال، ترأس ساريانيدي بعثة مشتركة سوفياتية أفغانية كانت تنقب بشكل متقطع بين الأطلال القديمة في المنطقة طوال تسعة أعوام. عام 1978، لاحظ عالم الأثار وجود قطعة فخارية مطلية على تلة صغيرة مجاورة، بدأت البعثة الحفر تحتها وعثرت على موقع محير تراكمت فيه طبقات القرى، التي تعود إلى القرن الرابع ق.م. فوق أنقاض صرح هائل يتألف من أسوار وأبراج أقدم من القرى بألف سنة. تبين لاحقاً أن هذا الصرح بني ثم انهار ليُبنى من جديد، يبدو أنه بقي مهجوراً طوال 600 سنة. وسط هذه الأنقاض القديمة، عثر العلماء على اكتشاف مذهل: قبور تعود على الأرجح إلى القرن الأول للميلاد.القبور الستةاعتُبر هذا الاكتشاف تاريخياً. لكن الحرب الأهلية والاجتياح السوفياتي كانا يلوحان في الأفق، نقل ساريانيدي التحف من القبور الستة إلى كابول قبل اندلاع الحرب، غادر البلاد في شهر شباط (فبراير) من العام 1979. ذكر في مقاله أن قبرين آخرين وُجدا في ذلك الموقع، غير أن الحراس الذين تولوا حمايتهما «نهبوهما على الأرجح». يضيف موضحاً: «ظهرت في الأسواق تحف شبيهة بما وجدناه». كذلك التقط صوراً للقطع التي عثر عليها في العام 1982 في كابول، غير أن هذه التحف اختفت من الوجود.في السنوات التالية، تعرض المتحف الوطني للقصف، كذلك ظهرت أطنان من التحف الأفغانية في أوروبا حيث جرى التداول بها في السوق السوداء. علاوة على ذلك، اعتبر طالبان الصور المنحوتة خطيئة وأتلفوا أكثر من 2500 قطعة أثرية في المتحف. لذلك ظن علماء الأثار أن اكتشاف ساريانيدي التاريخي بيع أو ذُوّب أو أُتلف.كذلك فُقدت تحف نبشها فريق فرنسي وأفغاني في مدينة بجرام في ثلاثينات القرن العشرين. أثناء البحث شمال موقع مدينة قديمة وجنوبه، اكتشف علماء الأثار سلسلة من الغرف، نُزعت حجارة اثنتين منها في الأزمنة القديمة، لكن لا أحد يعرف السبب. ثمة صورة قديمة التُقطت في العام 1937 عند مدخل غرفة تُدعى الغرفة 10، يبدو فيها الجدار الطيني أطول بضعفين من الرجل الواقف في الباب. كانت هذه الغرفة مخزناً للسلع التجارية التي صُنعت في مختلف أنحاء العالم القديم، مثل المنحوتات العاجية والتماثيل والشخوص والمجوهرات والقطع الزجاجية. ظن العلماء في البداية أنه كنز خبأته عائلة ملكية، لكنهم يعتقدون الآن أن هذه الغرفة هي بكل بساطة مخزن تجاري تُحفظ فيه البضائع بين الرحلة والأخرى.اعتُبر هذا الاكتشاف مذهلاً أيضاً، لكن مرة أخرى حلت الحرب. أدت الحرب العالمية الثانية إلى وقف عمليات التنقيب، ثم شُحنت التحف إلى المتحف الوطني في كابول حيث ضاعت، تبين لاحقاً أنها كانت مخزنة في حاويات في خزنة المجمّع الرئاسي الأفغاني، المكان نفسه الذي حُفظت فيه تحف تيلي تيبه. اتضح أن مجموعة من «حافظي الأقفال» خبأتها ولم تتفوه بكلمة عن هذا الكنز العظيم. بين حماة هذا الكنز، كان عمارة خان مسعودي، مدير المتحف. بعد استقرار الأوضاع في البلاد، أبلغ هؤلاء الرئيس قرضاي بمكانه، وكذا وجده العالم ثانية.عن هذا الكنز يذكر هيبرت: «لا يهدف هذا المعرض إلى عرض تحف أثرية فحسب، بل إلى إبقاء الحضارة حية وإظهار البطولة التي أعرب عنها مَن خبأوا هذه التحف وحفظوها». هذا طبيعي، فكل قصة، حتى لو كانت ملحمة عمرها ألفي سنة، يجب أن تضم بطلاً شجاعاً، مع أن أبطال روايتنا هذه قلما يتباهون بأعمالهم. يُقام معرض «أفغانستان: كنوز مخبأة من المتحف الوطني في كابول»، الذي يضم 228 تحفة أثرية من مواقع أربعة، في المبنى الشرقي من المتحف الأميركي الوطني وسيستمر لغاية 7 أيلول (سبتمبر). يفتح أبوابه من الاثنين حتى السبت من العاشرة صباحاً حتى الخامسة مساء، الأحد من الحادية عشرة صباحاً حتى السادسة مساء. الدخول مجاني. يمكنكم الاتصال على الرقم 202-737-4215 أو زوروا موقع الإنترنت WWW.nga.gov.
توابل - ثقافات
الآثار الأفغانيَّة... طريق الحرير المعبَّد بالذهب
03-06-2008