تشهد الساحة الأدبية في مصر زخماً وتنوّعاً في كتابات تتناول مواضيع تتعلّق بالجسد وتتوارى خلف عناوين مثل «سرير الرجل الإيطالي»، «إني أحدثك لترى» و«لحظات صالحة للقتل»... أو تأتي بعناوين تشير إلى المضمون كـ«رخصة بغاء» و «برهان العسل».

ينكر أصحاب هذه الكتابات أن هدفهم كسر «تابو» الجنس والجسد باعتبارهما يتعارضان مع حرية المبدع. «الجريدة» استطلعت آراء الأدباء والنقاد.

Ad

يشير الروائي الشاب محمد الفخراني، صاحب رواية «فاصل للدهشة»، إلى أنه لا يريد صنع دعاية لروايته في استخدامه ألفاظاً نافرة، بل إن المكان الروائي الذي يتحدث عنه يحتّم عليه استخدام مصطلحات بعينها لوصف هذا العالم الهامشي، مضيفاً أن الكلمة سواء كانت بذيئة أو لطيفة لا يمكن الاعتراض عليها طالما ترد ضمن سياقها في العمل الروائي.

أما الروائي الشاب محمد العشري فيرفض استخدام الألفاظ البذيئة في الأحوال كافة، موضحاً أنها لا تخدم النص ولا تأتي في صالحه، بل تصدم القارئ أو تصيبه بالدهشة ولا تشير إلى جرأة الكاتب.

يؤكد العشري أن الأدب لا بد من أن يبقى في مكانته البارزة من خلال استخدام لغة تخاطب وجدان المرء، موضحاً أن اللجوء إلى الألفاظ «الصادمة» يؤكد أن قاموس الكاتب اللغوي فقير، لا سيما إذا جاءت الكلمات في غير موضعها من دون أن تخدم النص أو تعمّق رؤيته.

بحسب العشري، لم تلجأ الآداب العالمية على مر التاريخ إلى استخدام مثل هذه الألفاظ، بل اتفق الكتّاب على استخدامها في نطاق محدود جداً عندما لا يتوافر بديل لها في القاموس اللغوي، على أن توظّف في مسارات فنية داخل بنية النص.

من جهته، يرفض الكاتب الشاب محمد صلاح العزب تقييم الأدب أخلاقياً أو تنقيته من الجنس، لأنه «فعل إنساني جوهري تماماً، وأي أدب لا يشير إلى الجنس أدب ناقص»، مؤكداً أن الكاتب يملك الحرية في طرح ما يراه مناسباً بالشكل الفني الذي يرتضيه.

ويعترض العزب على استخدام سلطة التصنيفات أو المصطلحات لوضع الكاتب في إطار الأدب الجنسي أو الأيروتيكي وبالتالي إرهابه ومنعه من البوح بما يريد.

في سياق متصل، يؤكد الناقد حسن طلب رفضه اعتماد الكتّاب «الفضائحية» بقصد إثارة الغرائز وكسب الشهرة، لأن ذلك يسقط الأدب في دائرة الابتذال المنفّر للقارئ، «فلا تنازل أبداً عن لغة الأدب الراقية التي يميل إليها القارئ المثقف، لا سيما أن الأخير يجذبه الكاتب الذكي الذي يلمّح إلى المعنى من دون مباشرة.

تحرير الوعي

يشير الناقد د. يسري عبد الله إلى أن مهمة الأدب ليست إثارة الغبار بل السعي إلى تحرير الوعي الإنساني من قيود اجتماعية وسياسية... تكبّله، موضحاً أن الكتابة لا تتمتع بشروط جاهزة وألا سقف لها. فـ»الكتابة الحقيقية لا تعرف التابوهات، لكن لا بد من أن تأتي في إطار الفن الراقي الذي يوظف الألفاظ البذيئة في مسارها الصحيح ضمن بنية العمل الأدبي.

يتساءل عبد الله، هل يهدف من يستعمل تلك المفردات إلى الشهرة، أم إيصال فكرة ما؟ لافتاً إلى أن رواية «فاصل للدهشة» للكاتب محمد الفخراني تكشف عن مصطلحات يستخدمها من يعيش في الأماكن المهمشة، وبالتالي أتت الجمل السردية موظفة في سياق الرواية تماماً.

يقول عبد الله إن المشكلة تكمن في الإعلام الذي يبرز هذه الأعمال، بالإضافة إلى أن الجمهور ينجذب إلى الكتابات «الجريئة»، مؤكداً أن الألفاظ التي تصدم الذوق العام لا يمكن إطلاق صفة الأدب عليها، وأنه من واجب النقاد التعامل معها بنزاهة ووعي.

أما الناقد سيّد الوكيل فيعلّق: «الجنس ليس هدفاً في الرواية العربية الراهنة، بل جزء من تجربة فنية يشكّل هو أحد مفرداتها، تماماً كما تتضمنه مفردات الحياة اليومية»، ويضيف أن الكتاب الكبار ربما كانوا أكثر انشغالاً بموضوع الجنس من الجيل الحالي، ولهم كتابات كان هدفها الوحيد الجنس، وأبرزها «مصارع العشاق»، «عودة الشيخ إلى صباه» و»تحفة العروس» وغيرها.

وعلى رغم أن الحرية في طرح الأفكار ضرورية للمبدع، إلا أن الوكيل يرى أنها لا يمكن أن تذهب لمصلحة الفنان دون غيره، لأنه جزء من هذا المجتمع وعليه أن يعي هذا جيداً كي يضمن علاقة سوية بقارئه.

يلفت الوكيل الى أن الرغبة في اختراق التابو قديمة وغريزية، وأن الاختراق جزء من وظيفة الفن. «أمّا الكتابة التي تفتعل اختراق التابو فلا تهدم سوى نفسها ولا تحقق أهدافها لا الجمالية ولا الموضوعية، كذلك لا تحقق أهداف القارئ النفسية لأنه سرعان ما يكتشف تفاهتها».

كذلك تلفت الكاتبة والناقدة هويدا صالح إلى جرأة الكاتبة العربية الظاهرة أخيراً من خلال احتفائها بجسدها عبر الكتابة، لفضح المسكوت عنه.

توضح صالح أن هذه الكتابة بدأت بثلاثية «مستغانمي»، ثم تلتها مبدعات كثيرات مثل سلوى النعيمي في «برهان العسل» ومنى البرنس في «إني أحدثك لترى» ورجاء الصانع في «بنات الرياض»، وغيرهن من كاتبات تجرأن وتخطين جدار المسكوت عنه، وبُحن بعد عهد طويل كان الرجل فيه هو المعبّر عن صوت الأنثى.