هنا، يتجادل قزمان على خشبة مسرح قديمة تصدر صوت صرير. وراء الكواليس، تنتظر ممثّلة تضع بودرة على وجهها وأحمر شفاه أحمر على شفتيها، إلى جانب مخرج لا يكفّ عن تكرار كلمة «انشالله» وهو يتكلّم عبر هاتفه الخلوي. في هذا الوقت، يجتمع الجمهور الذي قصد المسرح لمشاهدة عرض المساء، في الردهة، وتتصاعد رائحة العطور الذكية لتنافس رائحة البارود المزعجة.

Ad

حرب في الشوارع... حرب في الكواليس... هذا هو المسرح في بغداد!

يفجّر الانتحاريون أنفسهم، تتسلّل المركبات المدرّعة إلى الأزقة، يختلس الجنود النظر عبر الأسلاك الشائكة... هذا هو الوضع في الخارج. لكن في المسرح، حيث الأضواء خافتة والمقاعد المخملية تنتظر قاصديها وأزياء المسرحية المبهرجة والحريرية تتناثر في غرفة الملابس، يقدّم المخرج حيدر منعثر كوميديا ساخرة عن سياسيين «ثرثارين» وملك أناني في بلد غريب، عنيف، لكن مفعم بالأمل، يُعرف باسم العراق.

افتُتحت مسرحية «جيب الملك جيبه» بعد ساعات قليلة من انفجار سيارة مفخّخة استهدف المسرح الوطني، ما سبّب انهيار سقف غرفة الملابس وإصابة زوجة المخرج منعثر، السيدة زهرة بيدن، وممثلة أخرى في المسرحية بكدمات. يشعر منعثر، الذي يمثل دور الملك في المسرحية، بالقلق من أن يمنع الهجوم الناس من المجيء إلى المسرح. لكن لم يتوقف توافد الحشود التي تتحدّى سلسة الانفجارات التي تهزّ المدينة وسحب الدخان المتصاعدة.

يصرّح منعثر، هذا الرجل النحيف ذات لحية يكسوها الشيب وخفّة في الحركة شبيهة بشخصيات الرسوم المتحركة: «نعمل في ظل وضع استثنائي، لكن لا يمكننا التراجع. يجب أن نتابع العمل، والعرض سيستمرّ! بيعت التذاكر كلّها منذ بضع ليالٍ. تخطى الشعب العراقي حالة الخوف وبدأت الحياة تعود إلينا».

يلفت إلى أن مسرحيته أول مسرحية تُعرض مساءً على المسرح الوطني منذ غزو العراق عام 2003 بقيادة الولايات المتحدة، إذ كان من الخطر، حتى زمن قريب، أن يتجول العراقي مساءً خارج الحي الذي يسكن فيه.

نقد ساخر

توجّه المسرحية، التي كتبها المؤلف المسرحي علي حسين، نقداً لاذعاً لوضع البلد الذي يحب، إذ يركز هذا العرض الترفيهي، المؤلَّف من فصلين، على تصوير السياسيين العراقيين كأشخاص تافهين، فاسدين، منعزلين عن شعبهم الذي يتخبّط في صراع طائفي. يُظهر أحد المشاهد المشترعين في البرلمان وهم يناقشون مسائل طبقة الأوزون واستيراد بذور الثوم وزيادة رواتبهم، أي جميع المسائل إلا كيفية إنهاء سفك الدماء وإعادة بناء دولة مفكّكة. وإذا بأحد السياسيين يقدم اقتراحاً (كما يفعل أي مشترع في الحياة الواقعية) يقضي بتشييد عجلة دوّارة ضخمة «لتلطيف الجو وسط حرّ الصيف».

يضحك منعثر عند كلامه عن هذا المشهد لأنه يحب هذا الموقف كثيراً.

لم يكن هذا النوع من النقد الساخر ليُقبل في عهد صدّام. يدرك منعثر ذلك تماماً بعد أن اعتقله الديكتاتور وسجنه حين كان مدير فرقة مسرحية محترفة خلال التسعينيات. لكن مع تراجع عدد الضحايا في البلاد، تنبئ المسرحية الجديدة بعودة الحياة وتوسّعها، بعيداً عن الجدران العازلة للانفجارات وجو تشييع القتلى. لا يزال العنف يضرب البلاد بوحشيّة، لكنه لم يعد يخنقها كما كان يفعل سابقاً.

في هذا السياق، يضيف منعثر: «الأمل موجود. لكننا، نحن العراقيين، نمرّ بمرحلة حاسمة. حسّ الوطنية موجود فينا، لكن الفوضى تعمّ البلاد... صحيح أننا نحتاج إلى هذا التغيير، لكن السؤال الوجيه الذي يجب طرحه: إلى أين سيقودنا هذا الوضع؟ لا نريد أن يقول الناس «حبّذا لو تعود الأيام الماضية». كانت تلك الأيام هي الأسوء ولا نريد أن يتصوّر العراقيون أنها كانت أفضل من اليوم».

اختراق الحواجز

قبل ساعتين من بدء العرض، يتصاعد في المسرح صدى ثرثرة الناس وأهل المسرح. في إحدى الزوايا، يأخذ العاملون التقنيون قيلولة قصيرة قرب نافذة محطّمة بسبب التفجير. ها هي السيدة بيدن تتسلّل إلى غرفة الملابس؛ هنا معجبة تعاين بعض الأزياء، وهناك ممثلة تسترسل في الحديث عن شكسبير والأعمال الأدبية الكلاسيكية، وعن مسارح القاهرة، وإسبانيا وتونس، التي مثّلت عليها منذ بداية الحرب.

تعلّق الممثلة على الانفجار قائلة: «كان الانفجار مرعباً، لكن علينا متابعة مسيرتنا حتى لو بقي ممثّل واحد. علينا أن نعيد جذب الجمهور إلى المسرح».

في زاوية أخرى، يتمرّن القزمان على مشهدهما ويبدوان مندمجين بالدور تماماً. يهرع ممثل آخر إلى خشبة المسرح للتدرب على دور فردي يناجي به نفسه. حفظ كل ممثل أدواراً عدة، لا أحد يعرف متى تندلع معركة في الشوارع أو يمنع حاجز أمني أحد الشخصيات من الوصول إلى المسرح. فجأة، يطل رجل ببذلة رسمية يعمل في إدارة المسرح ويبدي انزعاجه من كتل الغبار التي تتدحرج على المسرح وتلتصق بالأزياء، فإذا به يهرع من الكواليس، ينحني، ويمرر يده على خشبة المسرح ويقول لمنعثر: «إنه غبار... غبار من البارحة».

عندها، ينظر إليه منعثر باستغراب. ثم ينفض الرجل يديه وينصرف مسرعاً، مختفياً وراء الستائر والحبال. تمر المرأة ذات الوجه المطلي بالبودرة إلى جانب القزمين، وتبدأ بالتدرب على دورها أو فرض حضورها على المسرح. يضع منعثر هاتفه الخلوي في وضع صامت: كم مرة يمكن لرجل أن يهمس «انشالله» في ليلة واحدة؟

عن رأيه بالمسرحية، يضيف منعثر: «إنها المسرحية الأكثر جرأةً في العراق، وستضع السياسيين في موقف حسّاس. لا يقل دور الممثل عن دور السياسي. يقوم الممثلون في مسرحيتي باختراق الحواجز بكل معنى الكلمة للصمود في الحياة، وذلك عمل مشرف!».

ثم ينصرف مجدداً لتسميع سطر آخر من دوره. يتكلّم مشهده عن عضو في البرلمان يهتمّ لجلوسه قرب مكيّف الهواء أكثر من اهتمامه بالعنف الذي يستفحل في بلاده. يضحك منعثر عند أدائه المشهد ويلفت إلى أن فكرة المسرحية جاءت منذ سنتين، لكنهم كانوا يضطرون لتغيير المشاهد يومياً، لأن أحداثاً أفظع وأسوء مما سبقها كانت تقع في الحياة الواقعية في العراق.

تدور القصة حول رجل بسيط يعمل كبائع جوال على عربة. يشكل هذا الأخير مصدر إلهام للملك الجاهل، فيريه كيف تسير الحياة، لا في البرلمان أو القصور، بل في الأزقة وعلى ضفاف نهر دجلة. يُذكَر أن عنوان المسرحية مستوحى من الأغنية الوطنية الشعبية «جيب الكاس جيبه»، التي أُنشدت عام 2007 حين فاز المنتخب العراقي لكرة القدم ببطولة آسيا.

يختم منعثر قائلاً: «في نهاية العرض، يكتشف الملك الفساد المنتشر في البلاد ويدرك السبب الذي يمنع شعبه من تحقيق أحلامه. إذا عجز أي ملك عن تلبية حاجات شعبه، عليه التنحي وملازمة منزله».

ينهض منعثر... حان وقت الانطلاق.

«كل شيء سيكون على ما يرام، انشالله»!

في اللحظات الأخيرة، يُسمع وقع الأقدام وراء الكواليس... يستيقظ العمال التقنيون... يُستدعى الممثل البديل في حال حدوث أمر طارئ.

في الخارج، يفتش الحراس صناديق السيارات وحقائب اليد خوفاً من العثور على قنابل. تدخل النساء مرتديات حجاباً أخضر مطرزاً باللون الذهبي برفقة أزواجهن في بذلات أنيقة. يعلو صوت ثرثرات الناس في كلّ زاوية، وتشعر بحماستهم لخروجهم مساءً، وسط الجو اللطيف، وقيامهم بنشاط جديد لم يعتادوا عليه. سيشاهدون الملك يتعلّم درسه ويضحكون على مواقف لا تبدو مضحكة أبداً في وسط النهار، بعيداً عن المسرح والأزياء.