من السذاجة حتماً الأخذ بنظرية المؤامرة والقول بأن إيران دفعت «حماس» إلى حتفها هدية لأوباما قبل التنصيب وعربون تعاون ممكن بين واشنطن وطهران تظلله سياسة الحوار المفتوح التي سينتهجها الرئيس الأميركي الجديد. فالرئيس الإيراني قائد ثوري يخطئ أو يصيب، والولي الفقيه أول المجتهدين لكنه غير معصوم من الأخطاء، ونتائج «حرب غزة» انتكاسة أكيدة لطهران.

Ad

أغلب الظن أن محور الممانعة الإيراني- السوري سقط في سوء التقدير، فرأى إمكان «استفزاز» محدود لإسرائيل بالصواريخ، حسبما قال مشعل نفسه لصحيفة «الفيغارو» بُعيد انطلاق العدوان الإسرائيلي، أو أنه خطط لحرب صغيرة تنتهي بنصر سياسي صريح بعدما قدّر أن إسرائيل غير قادرة على خوضها بحجم تدميري كبير في آخر أيام جورج بوش وفي وقت يحكمها رئيس حكومة مستقيل ووزراء يتبادلون طعن الخناجر علناً على أبواب انتخابات.

أما ثالث الاحتمالات فهو أن يكون المحور نفسه حسب حساب مواجهة شرسة مماثلة لـ«حرب تموز» لا تكتفي فيها إسرائيل بالتدمير جواً وقتل المدنيين، بل تُستدرج فيها دباباتها إلى حرب شوارع تواجه بالعبوات والاستشهاديين، والجزء الأخير لم يحصل فخيَّب آمال المخططين.

سيكون صعباً على أحمدي نجاد الإقرار بجرح عميق أصاب ذراعه اليسرى في فلسطين، ولم يكن سهلاً عليه بالطبع أن يرى الرئيس السوري، حليفه الاستراتيجي، يعانق الملك عبدالله بن عبدالعزيز في قمة الكويت بعد أيام من وصف المرشد لقادة العرب المعتدلين بأنهم مجرد «خونة طارئين على العروبة والإسلام»، غير أن نجاد يدرك بالتأكيد أن نتائج المواجهة التي أدت إلى إعلان «النصر الإلهي» في جنوب لبنان وسمحت بخطاب وَصَف قادة الاعتدال بأنهم «أنصاف رجال»، مختلفة تماماً عن تلك التي أوصلت إلى قمة المصالحة بعد حرب غزة، وهو يفهم حتماً أن مرور العاصفة يجيز الحيطة والانحناء.

هنيئاً لـ«حماس» بالنصر إذا كانت معتقدة بأنها أنجزته ولم يعد عليها سوى تنظيم الاحتفال، ولا أحد يستطيع الافتئات على صمودها وعلى إيمان مقاتليها بقضيتهم وبذلهم الدماء في الميدان، بيد أن جردة الحساب السياسية متوجبة عليها قبل أن تتوجب على مَن عارضوا «خيار الانتحار». فعودة بسيطة وسريعة إلى خطب نجاد ومشعل ونصرالله طوال ثلاثة أسابيع من المواجهات، وإلى الحركة السياسية التي رافقتها، تظهر أن المحور الإيراني-السوري لم يحقق شيئاً من الأهداف، فالضفة الغربية لم تستجب بإطلاق انتفاضة ثالثة تطيح بمحمود عباس، بل على العكس تظاهرت يوم قمة الكويت تأييداً له وتثبيتاً لشرعيته، والشعب المصري وضباطه لم يلبوا نداء التمرد على الرئيس مبارك أو إرغامه على فتح غير مشروط لمعبر رفح، فاستهداف القاهرة تسبب برد فعل «وطني» مصري كانت ترجمته التفافاً من الشعب والجيش وأهل الرأي غير «الإخواني» حول قيادة الرئيس، أما تظاهرات «الشارع» العربي فلم تستطع تجاوز حرق الأعلام وبعض المواجهات من غير أن ترقى إلى ما يمكن أن يكون خُطِّط لها من هزّ حقيقي للنظام في مصر أو تهديد جدي لاستقرار الأردن. وكل ذلك ترافق مع فشل لغة التخوين بسبب تصدي فلسطينيي منظمة التحرير الشجاع للمزايدات، وضعف الحجة الناجم عن العجز أو الامتناع الطوعي عن فتح الجبهات وتحريم خامنئي إرسال مقاتلين إيرانيين لنصرة «إمارة غزة» الواقعة تحت نار الإجرام الصهيوني.

وإذ رسم القرار 1860 شكل الحل بعد تسعة أيام من بدء المواجهات، فإن المحور الإيراني-السوري المستاء لم يتمكن من تعديل آلية القرار، وهي المبادرة المصرية حصراً، سواء عبر الوقائع الميدانية أو عبر تكبير دور الوسيط التركي، فارتكبت الدوحة خطأها السياسي الكبير بتنظيمها قمة الممانعين «بمَن حضر» محددة حداً أدنى لمطالبها هو سحب «مبادرة السلام العربية» وتجميد علاقات مصر والأردن بإسرائيل، ولتكتشف أن مؤتمر شرم الشيخ انعقد فجأة بحضور دولي نوعي وكثيف على وقع وقف إسرائيلي للنار حرصت «حماس» على التجاوب معه قبل اختتام المؤتمر، ما سمح لمصر بانتزاع ورقة «حل غزة» تاركة ما تبقى من شعارات الدوحة يسقط في مهب رياح المصالحة في الكويت.

نتائج قمة الكويت انعكاس واضح لانتصار سياسي حققه محور الاعتدال العربي، فهو على الرغم من التنديد العنيف بالإجرام الإسرائيلي تمسَّك بمبادرة السلام، وأحيا شرعية محمود عباس، وكرّس من جديد الدورين المصري والسعودي. وإذا كانت المصالحة حقيقية ونهائية بالفعل، فلن نستغرب عودة انطلاق المفاوضات غير المباشرة بين سورية وإسرائيل، عندها قد يسقط أيضاً أحد الأهداف الإيرانية من «حرب غزة» والتي ساورت مخيلات بعض المراقبين.

لا أحد يشك في براغماتية طهران وقدرتها على تعديل المواقف والاستفادة من الأخطاء واستخلاص الدروس، فما حصل لها نكسة كبيرة، لكن لا شيء يفيد بأنها لن تنتظر فرصة أخرى تسمح لها بخوض مواجهة عسكرية جديدة في إطار سياسي أكثر ملاءمة، فهي تضمد الجرح بالصبر ولديها أكثر من ذراع.