«نحنا معك»، عبارة كتبت تحت رسوم عدة لرأس فأر «ديزني» الشهير «ميكي ماوس» انتشرت منذ فترة على الجدران في بعض شوارع وأزقّة متفرعة من شارع الحمرا وقرب مبنى الجامعة الأميركية في بيروت.«نحن معك» دعماً لميكي ماوس، جاءت طبعاً رداً على فتوى أصدرها أحد رجال الدين في السعودية، مطالباً بإعدام الفأر ميكي ماوس، الشكل الكرتوني الذي أثار السجال في الآونة الأخيرة، وكتب عنه الكثير، لم تجد مجموعة شبابية ضرراً في رسمه على جدران بيروت مع عبارة «نحن معك».
تبدو كلمة «نحن معك» كأنها أغنية في الرد على منطق الفتوى القروسطي، أو هي شكل آخر من أشكال التعبير الـ{غرافيتي» السائد على جدران المدن، ومن رسمه ينقل الحائط في بيروت من كونه ساحة المعركة إلى جعله ساحة الحوار، ذلك واقع الـ{غرافيتي» في بيروت مختلف عن واقعه في الخارج، فهو كان ولا يزال موجوداً بقوة، سياسياً وحزبياً.في هذه المدينة بات نافلاً أن الجدران هي منطق الشارع والميليشيا، أو «الذين مروا من هنا»، فأثناء الحرب الأهلية التي امتدت بين عامي 1975 و 1990 كانت الكتابة على الحائط وسيلة لإيصال شعارات ورسائل سياسية إلى الناس. كي تعرف ماذا يدور في بيروت، تجوَّل في شوارعها، فجدرانها كفيلة بتقديم نشرة إخبارية وإن كانت غير مفصّلة عن الأوضاع السياسية وتشنّجاتها، أو بتذكير سريع بأبرز الاغتيالات وتواريخها، أو لمحة عن النشاطات الفنية والثقافية المقبلة، وأرقام هواتف خدمات سريعة ومفيدة.وإن لجأت بلدية بيروت الى طلي شعارات حزبية كانت منتشرة في بيروت الإدارية، إلا أن الطلاء هو كمثل الجمر تحت الرماد، أي أن الشعارت بقيت تحت طلاء أبيض، وربما تطل مجدداً بعد أول مناوشة، ولنقل بدأت تطل برأسها مع انطلاق الحملات الانتخابية.«نحن معك» شكل آخر وفن آخر، رسمه حامد سنو، وهو بدأ بسلسلة طبعات عن المثلية الجنسية. انطلقت الفكرة من مشروع جامعي قام به وأراد فيه التقاط تعبيرات للوجوه والتعبير عنها بكلمات عربية وعامية مكتوبة بأحرف لاتينية. «إنه مفهوم ممتد من اللغة المستخدمة في الدردشة الإلكترونية»، يقول الفنان. هكذا ظهرت كلمات أمثال: مصدوم، قرفان، طمبوز، غبي، خايف، كئيب، بالأحرف اللاتينية تحت وجوه عدة لشخص واحد، هو حامد نفسه.سبق لسنو أن رسم أم كلثوم بنظارة سوداء تغني «بوس الواوا»، وهذا الرسم مشهدية مذهلة للواقع الذي وصل إليه الفن في العالم العربي. ثمة سريالية غرافيتية في المزج بين مغنية الجسد ومغنية الصوت، بين أسطورة الغناء العربي وأسطورة الإغراء العربي. «بوس الواوا» على جدران بيروت أشبه بموقف من الواقع الغنائي السائد، تماماً كما هي عبارة «نحن معك» احتجاج على فتوى أصدرها رجل دين على شكل كرتوني يسعد الصغار والكبار.الطبعة الأخيرة التي رسمها الفنان على الحيطان في شارع «بلس»(بيروت) كانت لليد المرسوم عليها عين طاردة للحسد، لكن خلافاً للعادة فاليد المرسومة ترفع الوسطى، ومذيَّلة بعبارة «خذ». ورسم سنو أيضاً لوحة جديدة لوجه طائر ألبوم. نحب الغرافيتي ونقول بيروت جميلة من دون شعارات حزبية أو سياسة، هذا ما يلاحظه العابر في شوارعها، إذ لجأت بلدية بيروت في الآونة الأخيرة بعد «غزوة» 7 أيار الى طلي الشعارات بالدهان الأبيض، فعلت خيراً لأنها أراحت الناظرين من عبء شعارات حربية وعصبية ودينية.بيروت جميلة من دون شعارات سياسية، بل هي جميلة بتعابير حرة يطلقها شباب الغرافيتي على الجدران. بدأ هذا الفن في لبنان خلال سنوات الحرب (وربما قبل ذلك)، سياسةً وشتائم على الجدران، ووظفه البعض للتعبير عن هواجسه.في أماكن مختلفة من بيروت، تبتعد السياسة عن الجدران ليحل مكانها الحب والرياضة، إذ يعمد شبان الى الكتابة على جدران مدارس حبيباتهم، فيخطون عبارات الحب والغزل بألوان زاهية وبتوقيع متفق عليه مسبقاً لتعرف الحبيبات أنهن المقصودات. الغرافيتي في بيروت بارز على درج يصل بين عين المريسة وشارع «بلس»، حيث يرش الشبان ألوانهم على الجدار الممتد من أول الدرج إلى آخره طوال أعوام، وفي أمكنة مختلفة من بيروت يقوم الشبان برسم الكلمات تحت الجسور وعلى الأوتوسترادات في أماكن يقل فيها مرور المشاة. معنى الكلمةيبقى أن نشير الى أن كلمة «غرافيتي» graffiti في اللغات الأوروبية تُطلق على أي رسم أو نقش أو كتابة على جدران، والتي قد تتراوح بين نقش بسيط ولوحة فنية معقّدة. و{غرافيتي» مشتقة من الإيطالية «غرافياتو» graffiato التي تعني خَدَشَ أو خَمَشَ أو حَكَّ سطحاً. حديثاً تُستخدم «غرافيتي» في لغات العالم الكثيرة، لتعني الرسم أو الكتابة على الجدران باستخدام أصباغ أو رذّاذات لونية، والذي يعتبره البعض فناً وآخرون تخريباً للمتلكات العامة. أعتُبرت الرسوم الجداريّة، بشكلها البسيط والعفوي، أولى محاولات الإنسان، لاستخدام لغة الشكل والإشارة واللون، للتعبير عن هواجسه وتطلعاته ومخاوفه وما يعتمل داخله، تجاه مظاهر الحياة المختلفة، طبيعيّة كانت أم حيوانيّة أم إنسانيّة. على هذا الأساس، يمكن اعتبار ما تركه إنسان الكهوف فوق جدرانها (وكانت سكنه الأول) من رسوم وصور لجأ إليها لأكثر من سبب، أولها تزجيّة الوقت، لا سيما في الأيام التي كان مضطراً فيها للمكوث في كهفه أياماً وأسابيع، نتيجة وجود ظروف طبيعيّة لا تسمح له بالتنقل والبحث عن رزقه، وثانيها التوثيق لمشاهداته اليوميّة. ينظر الباحث الأميركي المختص في علم الكتابة والرسوم الجدارية روبرت ريسنر إلى الشعارات أو الفنون الغرافيتية على أنها بارومتر لطبيعة التغيرات الاجتماعية أو المواقف الوطنية أو الأمزجة الشعبية، ويرى أن الشعارات الجدارية تزدهر في الأوضاع السياسية أو الاجتماعية المتوترة، ففي باريس ازدهرت كتابة الشعارات في الستينات، وتحديداً في عام 1968 سنة الثورة الطالبية اليسارية في العالم حين عبّرت الغرافيتيا عن شعارات الشباب المتمرد على النظام الاجتماعي والسياسي والتقليدي. الأمر كذلك في الدول العربية التي لا تتجاوز الشعارات، في غالبيتها، الكلمات البسيطة بعيداً عن التقنية الفنية، ما ساعد على اعتبارها عملية تشويهية تخريبية، انتشرت في ظروف سياسية واجتماعية متوتّرة.
توابل - ثقافات
جدران بيروت... بين بوس الواو و ميكي ماوس
06-04-2009