لم يترك الشاعر الإيراني عمر الخيّام وراءه رباعياته الشهيرة فحسب، بل أيضاً سيلاً من أسئلة عن فلسفته الشعرية والوجودية ومفهومه للحياة والموت. حتى اليوم لا تزال الشبهات والتهم تحوم حوله، ففيما اقتنع كثيرون بأنه «متصوّف» اعتبره آخرون «ملحداً» وحرقوا كتبه بسبب رباعياته التي بيعت بأعداد خيالية. لا يزال الخيّام أكثر شاعر إثارة للجدل، إذ استطاع أن يكون ضداً وغير متناقض في الوقت عينه.
«جئت كالماء وكالريح أمضي»، هكذا اختصر الخيّام حياته التي لم يُعرف عنها سوى القليل. القرون الثلاثة التي فصلت بين كتابته الشعر واكتشاف المخطوطة التي دوّن رباعيته عليها، كانت كافية لأن يهمل المهتمون بالأدب تفاصيل حياة هذا الشاعر الذي يعد أحد أبرز الشعراء الفارسيين وأكثرهم شهرة في الغرب.على رغم ذلك، يعيد معظم من كتب عن الخيّام ندرة المعلومات وقلّتها الى شخصية الخيام نفسه، لأنه صاحب طباع حادة وشرسة أبعدت عنه الأصدقاء، فكان يقدّس خلوته، ولم يعرفه أحد عن كثب. أما آخر من كتب عن الخيّام وهو المترجم الفرنسي جان إيف لاكروا، فأورد في كتابه «المسواك» الصادر حديثاً أنّه خلف قساوة الخيّام، ثمة جانب خجول احتفظ به للنساء.«المسواك»كغيره من الكتّاب وقع لاكروا في فخ شخصية الخيّام وفلسفته، فلم يستطع أن يقدم حقيقة مؤكدة أو بيّنة عن هذا الشاعر وأفكاره الفلسفية التي حوتها رباعياته.كل ما فعله لاكروا في كتابه الذي يتناول سيرة حياة الخيّام ترديد السؤال الذي لطالما لاحق الشاعر الفارسي، أهو مؤمن أم ملحد؟ اليقين لا وجود له في رباعيات الخيّام ولا في حياته الغامضة وما يقال عنه مجرد تأويلات، وليس إجابات عن السر الذي يحتفظ به الخيّام الى اليوم. فيما انطلق لاكروا من أداء الخيّام فريضة الحج ليثبت «إلحاد» الخيام، مبرّراً ذلك أن الشاعر ذهب الى مكة إرضاءً للسلطان، عاد وناقض نفسه ونسي شرح وتفسير الحادثة التي اقتبس منها اسم كتابه «المسواك»، التي أجمع في سردها كثيرون على أن الخيّام صلّى قبل أن يُعثر عليه ميتاً في منزله وعلى طاولته «كتاب الشفاء» لإبن سينا، وكان وضع مسواكاً من ذهب (من هنا عنوان الكتاب) عند الفصل الذي كان يشغله طيلة حياته، وهو «في تقابل الواحد والكثير».رباعيّات مبتذلةالشاعر المصري وديع البستاني أحد أقدم من ترجم الرباعيات، وصدرت طبعتها الأولى عام 1912 في القاهرة، وفيها خلص البستاني الى أن « كثيراً ما تجد الرباعية الكفرية نسبة الى مغزاها تلو الرباعية الابتهالية نسبة الى فحواها، فتحتار في أمر الخيّام شكه ويقينه وكفره ودينه»، وبذلك يشارك البستاني حيرته جميع من كتبوا عن الخيّام. من جهته، يبدو الشاعر المصري أحمد رامي في ترجمته الصادرة عام 1924 أكثر وثوقاً بإيمان الخيّام، وعلى رغم شكه في ذلك، إلا أن رامي جزم أن شاعر الرباعيات كان «موحداً بالله، مؤدياً لفريضة الحج ومصلياً» وهو ما دعا، بحسب رامي «الصوفية، ألدّ أعدائه، الى إدخال أشعاره في أورادهم». أدخل رامي بدوره هذه الأشعار الى الغناء العربي بعدما قدم ترجماته للفنانة المصرية أم كلثوم التي قامت بغنائها.أما في الترجمة العربية الأخيرة، فيعيد الشاعر البحريني إبراهيم العريض الشك الى الواجهة في الحديث عن الخيّام، فيؤكد أن «الخيّام كان شخصاُ حائراُ وجاداً رزيناً وصريحاً الى حد الإفراط»، كذلك يرى أن «كثيراً مما هو ساقط من الرباعيات ومبتذل وليس له علاقة شعرية به»، ويتفق بذلك مع المستشرق الروسي زوكوفسكي الذي رأى أن الخيّام « لم يكن شاعراً أصلاً وأن الرباعيات نُسِبت إليه خطأً»، وأعاد 82 رباعية إلى أصحابها، مبقياً على القليل الذي لم يُعرف له صاحب.تخالف زوكوفسكي في رأيه المستشرقة الدنماركية كريستنسن، إذ ترى أن «الشك في رباعيات الخيّام لا يقلل من أهميتها التاريخية والشعرية ولا ينال منها، لذا يجب أن تُفصل عن الخيّام وتؤخذ على أنها وليدة روح إيرانية تعبّر عن الثورات السياسية والدينية والخلافات الاعتقادية والصراعات التي كانت تحتدم دائماً».في عيون إيرانيّةلم يستطع الإيرانيون، على رغم مخزونهم الكبير عن الحضارة والظروف التي سادت أيام الخيّام، إنهاء التساؤلات والشكوك التي التصقت بسيرة الشاعر. حتى أن أبناء جلدته وجيله من العلماء الفرس تجاهلوا إنتاجه الشعري وانتقدوه بشدة، ومنهم الرازي الذي وصفه في كتابه «مرصاد العباد» بأنه» الدهري التائه في ميدان الضلال».أما الباحثون الحديثون في الأدب الإيراني فلهم مواقف غريبة من الخيّام. بعضهم يعتبره «رجل علم, لا علاقة له بالرباعيات المنسوبة إليه, لما فيها من أفكار حرة ودعوة الى الحياة بوجوهها المشرقة كافة». هذا الجزء من الباحثين في الأدب ينكر أن «الخيّام كعالم, قد يقول شعراً في الغزليات والخمريات والتأمل في حال الوجود وأسئلة الحياة والموت»، علماً أن هذه المواضيع كانت في صلب بيوت الشعر التي نظمها أبرز الشعراء الفارسيين من الذين سبقوا الخيّام أو عاصروه أو جاؤوا بعده, ومنهم: قطران التبريزي, حافظ الشيرازي, وقبلهم أبو نواس الذي كتب شعره بالعربية.أمين معلوف«سمرقند» للروائي اللبناني أمين معلوف، ربما هي الرواية الوحيدة التي اقتربت من رسم ملامح واضحة لشخصية الخيّام، فمن خلالها استطاع أبو الفتح عمر بن ابراهيم الخيّام (1048 - 1131) أن يتجاوز حدود الزمان والمكان، وأن يتخطى مع معلوف الحدود الزمنية له كإنسان والتي كان رفضها الخيّام في الأساس. «سمرقند» هي قصة الشاعر الهارب إلى فضائه الخاص، وحكاية بحثه عن عالم مثالي لا يشبه الواقع المؤلم الذي يصعب احتماله غالباً. ينجح معلوف في رسم صورة مغايرة للخيام تميّزه عن جميع من كتبوا عن هذا الشاعر، فيرسم شخصية الخيّام على أنها متفلتة من الزمان والمكان وتحيا في عالمها الخاص من خلال البحث والرصد وعلم الفلك. «سمرقند» الرواية الوحيدة التي أنصفت الخيّام وقدمت تفسيراً لشعره من خلال مقاربته مع فلسلفته الوجودية، فكان الخيّام في الرواية كما في سمرقند المدينة شاعراً نازعاً الى الاستقلالية والحرية والتمرّد والشاعر المسالم والمتسامح الذي يريد الانسجام مع الكون.الخيّام والمعرّيكحال معلوف، حاول كثيرون رسم صورة للخيّام، إما عن طريق تفسير شعره أو تشبيهه بأحد الأدباء. في الغرب قيل عنه «فولتير الشرق» لأن الإثنين يتشاركان، برأي بعض النقاد، بأسلوب السخرية الحاد والتعبير عن آلام الإنسانيّة، كذلك رأى البعض الآخر أنه يملك بعضاً من تشاؤم بايرون وسوينبرن. أما الباحثون العرب فقارنوا بين الخيّام والمعرّي ووجدوا قواسم مشتركة كثيرة في شعرهما، ولمسوا بدقة الفوارق بين هذه القواسم وتحديداً في مفهوم التشاؤم بشقّيه المطلق والنسبي آخذين بالاعتبار كلا المفهومين التفاؤل والتشاؤم لغة واصطلاحاً، وعلاقتهما بنظرة الشاعرين الى الحياة. وعلى رغم التشابه في مضامين أشعار المعري والخيّام، إلا أن الباحثين فضلوا، حرصاً منهم على إنصاف الخيّام، أن يسموا بعض أشعاره بـ» أشعار الشكوى والنقمة على الوجود بدل التشاؤم». وعلى الأرجح أن سمة رباعيات الخيّام هي الحيرة في أمره وليس التشاؤم.
توابل - ثقافات
عمر الخيام... متصوِّف جاء كالماء ومضى كالريح
24-11-2008