لا يمكن أن تذهب الى العرض الخاص لفيلم «هالة والملك» أو «سيلينا» الا ويرافقك طيف السيدة فيروز والأخوين رحباني، فأنت أمام إعادة لمسرحية خالدة لهم تحوّلت الى فيلم سينمائي بموافقة «الكبير» منصور الرحباني قبل رحيله بأكثر من عام، وأمام آخر إنتاجات المهندس نادر الأتاسي، الذي ينهي حياته في عالم الانتاج السينمائي من خلال «سيلينا»، على حد تعبيره، بعدما قدّم الثلاثية الرحبانية «بياع الخواتم» (إخراج يوسف شاهين)، «سفر برلك» و «بنت الحارس» (إخراج هنري بركات).
أهم ما في المشاهد الاولى في الفيلم أن المخرج حاتم علي أسقط من مخيلتنا فكرة المقارنة بين السيدة فيروز، بكل عظمتها وحضورها الطاغي، وبين ميريام فارس التي قبلت خوض غمار هذه المعركة، المحسومة من دون أدنى شكّ لصالح الكبيرة فيروز، ودفعنا بذكائه ورؤيته إلى متابعة ميريام فارس الممثلة، التي تؤدي دور هالة الفتاة الفقيرة إبنة هب الريح (ايلي شويري)، الرجل الذي جافاه القدر ورافقه الفقر، فهرب من ضيق الحال الى الخمر، ما دفع ابنته هالة إلى مرافقته، في رحلة البحث عن لقمة العيش، الى مملكة «سيلينا» حيث تبيع الاقنعة في عيد تبديل الوجوه في المملكة.برزت ميريام فنانة بارعة في التمثيل والغناء، وهذا الأمر يحسب للثلاثة معاً: المنتج نادر الاتاسي الذي لم يخشَ خوض هذه المغامرة ولو أنها شكلت تحدياً له، المخرج حاتم علي الذي آمن بموهبة ميريام، ميريام نفسها التي لم تخف ولم تتوجس من هذه التجربة، فكسبت جولة جديدة من جولاتها الفنية المستمرة.حضور الكباركان دريد لحام في أحسن حالاته الفنية وكأنه يعيش حالة من الدفء لشعوره بأنه صاحب البيت، فهو الشحاذ الذي يشكّل ضمير المدينة والوجه الآخر للملك، لكنه في النهاية أقوى من الملك فلا أحد يغشه أو يخدعه أو يساومه على مستقبله.جسّد الممثل الكبير أنطوان كرباج شخصية العراف الذي يتحكم بقرارات الملك ورغباته ويعكس صورة ساطعة لفساد الحاشية. قاطع كرباج العرض الخاص للفيلم احتجاجاً على الطريقة التي أدرج فيها اسمه في المقدمة وله الحق في ذلك.أما ايلي شويري، الصوت واللحن والكلمة، فنشكر له قبوله وقوف ميريام فارس صاحبة التجربة اليافعة الى جانبه، لأنه رفعها الى مصاف الفنانات وأضاف إلى رصيدها عملاً مميزاً. في المقابل لست أدري إذا كان دور الملك الذي جسده الممثل المتعدّد المواهب جورج خباز يليق به، ربما لأننا اعتدنا رؤية الملك فارع الطول وصاحب نظرة ثاقبة وشخصية صارمة، لكن لم يستطع خباز محو صورة الممثل الكوميدي من مخيلتنا، فإما خانته الكرسي أو لم يكن أميناً عليها أو معها. كان حلمه باستمرار الوقوف الى جانب دريد لحام في أي دور، فكان الأجدر به أن يحقق هذا الحلم من خلال مسلسل كوميدي وليس من خلال «سيلينا».لم يعطِ الممثل السوري باسل خياط أفضل ما عنده، وهذا غريب عليه، ظهر كأنه يعيش حالة من الغربة مع الدور فجاء أداؤه بارداً، وهذا أمر لم نألفه من ممثل يعتبر من أبرز وجوه الدراما السورية. يجسد شخصية الشاب الذي يقف على يسار الحاكم يعارضه ويصرخ في وجهه من دون أن تصل معارضته الى حدود الثورة، إنما تبقى في حدود المسموح به لدى الرقابة العربية، ويتواطأ مع هالة لمساعدتها، بعدما رفضت هذه الأخيرة الزواج من الملك لتبقى متصالحة مع نفسها مفضلة الدفء العائلي على حياة القصور الفارغة، مع العلم أن هذا الزواج كان فرصة ذهبية لها، إذ أقنعها العرّاف بأنها مرشحة لتصبح ملكة وأقنع الملك بأنها أميرة انتحلت شخصية فتاة فقيرة لتبيع الأقنعة، وأن والدها تنكّر لها ونفى أن تكون ابنته.جسد حسام تحسين بك شخصية المستشار الذي يسيطر على الملك وينغمس في قصص الفساد مع الحاشية، فتميّز بأداء سلس وجميل.في نهاية الفيلم، يكتشف الملك فساد الحاشية وتعود الفتاة الى حضن الوالد وتشرق شمس الصباح، وإذا بهب الريح يوقظ ابنته النائمة في ساحة مدينة «سيلينا» ليكتشف المشاهد فجأة أنه أمام حلم فتاة فقيرة يوقظها صوت والدها على الواقع الذي احبته واختارته، فيسدل الستار على قصة «هالة والملك».مونتاج عاطلربما يكون المونتير المفسد الأساسي في هذا الفيلم وليس حاشية الملك، فقد عبث المونتاج في المشاهد ولم يترك لنا متعة مشاهدة الكادرات «النظيفة» التي قدّمها حاتم علي في حدود الامكانات التي توافرت له، وهو المعتاد على الامكانات المادية الضخمة، إذا لم نقل المفتوحة، كما هو الحال في مسلسلي «الملك فاروق» و{صراع على الرمال»، إذ بلغت قيمة انتاج الفيلم حوالى خمسة ملايين دولار أميركي، فكانت الكادرات ضيقة جداً بحيث أننا لم نشاهد من فخامة القصر سوى العرش، وكادت ساحة المدينة تضيق بالممثلين والراقصين، مع العلم أن حاتم علي يعتبر من المخرجين العرب الأكثر كفاءة على إدارة أكبر قدر من الممثلين والكومبارس، لذلك لم يقدم لنا الفيلم الثراء المشهدي الذي عوّدنا عليه هذا المخرج المتميز.أما الاسقاطات السياسية في الفيلم، وهي من صلب المسرح الرحباني، فجاءت بجرعة خفيفة نظيفة وتقليدية، خصوصاً أنّه يعرض في الصالات السورية، فإذا سمح الرقيب السوري في تمرير بعض العبارات يكون الفضل في ذلك الى السيناريو الذي يتحدث عن نظام ملكي وليس نظام جمهوري.يمكن أن تضمّ ميريام فارس هذا الفيلم الى رصيدها باعتبارها أول فنانة تقدّم عملاً سينمائياً من البيت الرحباني، لكن بالتأكيد لن يكون أفضل ما قدمه وسيقدمه حاتم علي، خصوصاً أنه يستعدّ، في حال عدم صحة الاشاعات حول مرور شركة غود نيوز بأزمة اقتصادية، لاخراج فيلم «محمد علي» مع يحيى الفخراني، بامكانات مادية غير محدودة. أخيراً يحسب لـ «سيلينا» أنه أعاد التزاوج بين اللهجتين السورية واللبنانية، فلم نشعر بأننا أمام ممثلين من بلدين فرقتهما السياسة وجمعهما الفن من جديد. ميريام والنقدبعد العرض كانت لنا دردشة مع بطلة العمل ميريام فارس، التي عبرت عن سعادتها بهذه التجربة، مرحبة بكل نقد يمكن أن يطال الفيلم سواء بالسلب أو الايجاب، لأنه يصبّ في صالحها وستأخذ به خصوصاً إذا أتى من اساتذة كبار في النقد السينمائي، معتبرة أن وقوفها أمام كاميرا حاتم علي، يشكّل بالنسبة إليها خطوة مهمّة في مشوارها الفني. كذلك عبرت عن فخرها بالمشاركة في عمل رحباني كممثلة ومغنية لبنانية، ما يحملها مسؤولية مضاعفة في المستقبل.حضر العرض الخاص للفيلم الأسرة الرحبانية ممثلة بالمخرجة ريما الرحباني والاستاذ الياس الرحباني والفنان غدي الرحباني وحشد من أهل الاعلام والفنانين، وتبقى الأكثر حضوراً الغائبة عن الفيلم «الكبيرة» فيروز.
توابل - مزاج
هالة والملك سيلينا في الألفية الثالثة ألف سؤال لمخرج عملاق وتحية لنجمة استعراضية جديدة!
01-04-2009