يسبب الصداع العنقودي ألماً حاداً يدفع بعض المرضى إلى الانتحار. إليكم قصة رجل يُعرف بـ{فلاش» في عالم الإنترنت. شارف على الانتحار بسبب تأثيرات الصداع العنقودي في حياته، لكن بعد سنوات من العلاجات العقيمة، عثر صدفة على ما يدعوه علاجاً ناجعاً، بالعقاقير المهلّسة على رغم علامات الاستفهام التي تثيرها (Hallucinagenic drugs).

Ad

سخر الجميع من «فلاش» حين كشف عن «علاجه السحري»، لكن عندما نشرت مجلة Neurology استطلاعاً للرأي شمل مجموعة من متصفحي الإنترنت الذين يحاولون التداوي بعقاقير مهلّسة، تبدلت النظرة إلى اكتشاف فلاش. تقدّم مَن أجريا هذا الاستطلاع، وهما عالمان في كلية الطب في جامعة هارفارد، بطلب لإجراء تجربة سريرية أولية.

لا يزال الصداع العنقودي لغزاً يحيّر الأطباء. سُجلّت أول حالة منه عام 1745، لكن بما أن كثيرين لم يسمعوا به، غالباً ما يُساء تشخيصه. يخاله الأطباء داء الشقيقة (الصداع النصفي). يصيب الصداع العنقودي واحداً من كل ألف شخص (نحو 60 ألفاً في المملكة المتحدة وحدها)، أي ما يعادل تقريباً مرضى التليّف الكيسي.

يصعب تشخيص هذا الداء لأنه ينقسم إلى نوعين:

على شكل نوبات: يعاني المصابون بهذا النوع من نوبات طوال شهر أو اثنين من السنة، خصوصاً عند تبدّل المواسم. قد تبدأ النوبات في الوقت نفسه نهاراً وليلاً، ثم تختفي العوارض طوال فترة من الزمن تصل أحياناً إلى أحد عشر شهراً قبل أن تبدأ مجدداً.

داء مزمن: مَن يعانون منه لا ينعمون بفترة راحة. حتى أن بعضهم يُصاب بتسع نوبات يومياً على مدار السنة. إذا لم تُعالج النوبة، تدوم نحو ساعتين.

انتحار

يؤدي الصداع العنقودي الى ألم حاد جداً، حتى أن أسوأ صداع نصفي يبدو بسيطاً مقارنة به. لذلك يُقدم عدد ممن يعانون النوع المزمن على الانتحار، ما يعطي هذا الداء اسمه الشهير «صداع الانتحار». الألم لا يوصف بحسب فلاش: «تشعر في إحدى المراحل أن الألم يكم أنفاسك ويمنعك من الصراخ. تبدأ بالأنين، سائلاً الله مراراً أن يضع حداً لعذابك. كنت دوماً أحلم بتفجير رأسي».

يفوق عدد الرجال المصابين بهذا الداء عدد النساء بأربعة أضعاف. تظهر النوبات عادة في أواخر مرحلة المراهقة أو مطلع العشرينات. بدأت قصة فلاش عام 1986 حين كان مراهقاً، يروي: «بما أنني لا أعاني من النوع المزمن، لم أربط نوبات السنة الجارية بما سبقها».

بعد ثلاث سنوات من الزيارات العقيمة إلى الطبيب المحلي، اكتشف فلاش بمفرده مما يشكو، شأنه في ذلك شأن معظم حالات الصداع العنقودي: «لم يملك طبيبي أدنى فكرة عما أعانيه. قال إنني أصرف بأسناني أو إن جيوبي الأنفية ملتهبة. لكنني ظننت أنني مصاب بورم في الدماغ. لذلك اشتريت كتاباً عن الدماغ. وفيما كنت أقرأ الفصل عن داء الشقيقة، لاحظت أن الصفحة التالية تتحدث عن الصداع العنقودي. حملت الكتاب إلى طبيبي، فوافقني الرأي». لكن تشخيص المرض لدى فلاش لم يحل مشكلته لأن ما من دواء متطوِّر، خصوصاً للصداع العنقودي.

غالباً ما يتناول مرضى «صداع الانتحار» مزيجاً من المسكنات التقليدية وأدوية داء الشقيقة ومثبطات مستقبلات بيتا وأدوية مضادة للكآبة مثل الليثيوم. يذكر فلاش: «قام طبيبي بأسوأ ما قد يضر بمريض الصداع العنقودي. نصحني بتناول مسكنات الألم مثل الأسبرين والباراسيتامول والكودين. صرت أتناول أقصى كمية مسموحة يومياً. أتلفت هذه العقاقير معدتي وفاقمت النوبات حتى باتت خارج السيطرة».

لجأ فلاش بعد ذلك إلى مثبطات مستقبلات بيتا، فضلاً عن أدوية أخرى للقلب تخفض ضغط الدم. لكن ذات مرة انخفض نبض قلبه إلى 30 نبضة في الدقيقة فيما كان في طريقه إلى غرفة الطوارئ. استبدل هذه المثبطات بالأميتريبتيلين، نوع أقدم من الأدوية المضادة للكآبة. لكنه يؤكد أنها لم تفده، بل صار يعاني من جفاف في الفم، وبدا أشبه بمختل عقلياً.

لم يدرك فلاش وطبيبه آنذاك أن كثيرين من مرضى الصداع العنقودي يعتبرون أن أفضل طريقة للتخلّص من النوبات هي تنشّق الأكسجين الصافي. عندما عجز فلاش عن إيجاد علاج شاف، أخذت النوبات تدمّر حياته: «إذا كنت تعاني الصداع بشكل متقطّع، تنعم بأشهر من الحياة الطبيعية: كلية، صديقة، وظيفة... وفجأة تُضطر إلى التخلي عن هذه الأمور كلها».

بعد صراع مع المرض، أُرغم فلاش على التخلي عن دراساته الجامعية. قرر تعاطي العقار المهلّس القوي LSD («أسوأ وأفضل ثماني ساعات في حياتي»). كان من المفترض أن تبدأ النوبات في شهر يناير (كانون الثاني) عام 1992، لكنها لم تفعل. ظن فلاش بسذاجته، على حدّ قوله، «أنها اختفت، لكن نوبات الصداع لا تختفي من تلقاء ذاتها». أنهى دراسته الجامعية وحصل على صديقة جديدة وأنشأ عمله الخاص. وبما أن النوبات لم تعاود الظهور طوال سنتين، عاش حياة طبيعية.

فطر سحري

في خريف 1995، شعر فلاش بأولى عوارض تجدّد النوبات، ويدعوها المرضى «ظلالاً»، فوضع خطة: «كنت مستعداً للقتال بشراسة. أعددت لائحة بما فعلت خلال العامين 1993 و1994 وبكل ما لم أقم به في السنوات السابقة... وأحد أوجه الاختلاف البارزة كان مخدّر الـ LSD».

قرأ فلاش على الإنترنت أن الـLSD استُخدم في ستينيات القرن العشرين لمداواة داء الشقيقة. لكنه كان قطع علاقاته مع تجار المخدرات، ولم يتوافر أمامه سبيل ليبتاع هذا العقار كي يختبر نظريته. كل ما استطاع الحصول عليه فطر سحري بري، وظن أن الأخير يحتوي على LSD (يحتوي على Psilocybin، مادة كيماوية مشابهة)، فجلس مع بعض أصدقائه على الأريكة لتعاطي المخدرات. يذكر فلاش: «أردت الاستمتاع واختبار نظريتي في آن. كنت يائساً».

فرح فلاش عندما اكتشف أن «الظلال» اختفت ولم تعاود الظهور. صار يأخذ جرعة خفيفة شبه مهلّسة تتألف من 12 إلى 20 حبة فطر مرة كل ثلاثة أشهر تقريباً. وهكذا لم يُصب بأي عوارض طوال سنة تقريباً: «رحت أخبر الناس عن هذا العلاج، لكنهم ظنوا أنني مجنون».

قرر فلاش إجراء اختبار آخر: «شربت الكحول (ينصح بعدم شرب الكحول لأنها تزيد حدة الصداع) واحتسيت بعدها شاي الفطر. اشتدت النوبة ثم اختفت في غضون عشر دقائق... تلك كانت إحدى أجمل اللحظات في حياتي. هزمت الصداع العنقودي».

وصف فلاش الاختبارات التي أجراها على موقع clusterheadsches.com، وهو منتدى لمرضى الصداع العنقودي. لكن هذا المجتمع يعاني فيضاً من العلاجات الشعبية. يفيد فلاش: «ثمة أناس يُقحمون الفلفل الحار في أنوفهم، محاولين القضاء على «العصب مثلث التوائم» (سبب الألم)». لكن فلاش اتُّهم بأنه مشعوذ ودجّال. حتى أن البعض قال له حسبما يذكر: «كيف تشجِّع الناس على تعاطي المخدرات أيها المدمن السافل».

وراء بساطة نظرية فلاش تكمن مبررات علمية واضحة.

الـ Psilocybin و LSD هما مادتان كيماويتان من نوع التريبتامين. على غرار الموصلات العصبية (مثل السيروتونين)، تتحد هاتان المادتان بالأعصاب. علاوة على ذلك، تشبه التركيبة الكيماوية لأفضل دواء لمعالجة داء الشقيقة، Sumatriptan ،Imitrex أو Imigran)، الذي يعيق أيضاً نوبات الصداع العنقودي، إلى حد كبير الـDMT، مادة مهلّسة تتوافر في بعض نباتات أميركا الجنوبية. على نحو مماثل، يرتكز دواء داء الشقيقة Methysergide على جزيئات

الـ LSD، إلا أنه لا يتمتع بأي خصائص مهلّسة، علماً أنه قد يتسبب بحالة تليّف حادة.

ظنت مجموعة من المصابين بالصداع العنقودي أن فلاش محق في علاجه غير التقليدي. قرر رجل يُدعى بوب وُلْد إنشاء موقع

clusterbusters.com. هدف هذا الموقع التشجيع على إجراء البحوث ونشر المعلومات عن كيفية استخدام المواد المهلّسة بطريقة آمنة.

اختبارات علميّة

أثارت القصص المضحكة عن استخدام المرضى مواد مهلّسة اهتمام العالم جون هالبرم من كلية الطب في جامعة هارفارد في ماساتشوستس. بعد أن آلمه انتحار زميل له يعاني من الصداع العنقودي، قابل هالبرم وزميله أندرو سووال 53 شخصاً تداووا بمواد مهلّسة. أظهرت نتائج استطلاع الرأي هذا أن فكرة فلاش قد تكون صحيحة. نشر هذان العالمان البيانات التي توصلا إليها في مجلة Neurology. كذلك تقدّم هالبرم بطلب إلى مجلس المراجعات المؤسساتي في الجامعة لإجراء تجربة سريرية أولية.

يقول هالبرم: «إنها مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى بعض هؤلاء المرضى. قد يعرب عدد من اختصاصيي الأعصاب عن اهتمامهم بهذا الموضوع. لكنهم سرعان ما يتخلون عنه بسبب تعقيدات إجراء الأبحاث على مواد وعقاقير تُصنَّف في الولايات المتحدة بأنها قابلة لسوء الاستعمال».

يجري هالبرم أيضاً دراسة في هارفارد حول التأثيرات العلاجية لمادة MDMA (اكستاسي) على القلق في حالة مرضى السرطان المميت، وهو يملك إذناً باستخدم مواد مماثلة. لذلك قرر المضي قدماً في هذه المسألة: «يبدو جلياً أن الفوائد تفوق المخاطر. هذه حالة خطيرة جداً... ولا شك في أنك تتفاجأ عندما تعلم ما يعانيه هؤلاء المرضى والألم الذي يشعرون به قبل أن يُشخَّص مرضهم بالطريقة الصحيحة. يتجاوب كثيرون مع الأدوية التقليدية. لكننا نملك واجباً أدبياً تجاه مَن لا يتجاوبون مع هذه العلاجات».

ثمة عقبات كبيرة تعيق تحوّل المخدرات إلى علاج. قد يشكل تناول هذه الأدوية على الأمد البعيد خطراً يهدد الصحة العقلية، وقد يسبب مرض الذهان. فضلاً عن ذلك، يشكّل توزيع هذه الأدوية معضلة، على الرغم من أن الولايات المتحدة تعتمد نظاماً محدداً لتوزيع بعض الأدوية التي يمكن أن يساء استخدامها على المستخدمين المسجلين، مثل مادة GHB (Gamma-hydroxybutyric acid) التي تُعتمد علاجاً لداء النوم القهري.

لعل العائق الأكبر يكمن في إثارة اهتمام شركات الأدوية، فعدد المرضى صغير نسبياً، ولا يمكن الحصول على امتياز استثمار مادتي Psilocybin والـLSD. علاوة على ذلك، أظهرت البيانات الصحية التي قدمتها خدمات إدارة المعلومات أن المبيعات السنوية من دواء Sumatriptan Succinate في الولايات المتحدة خلال العامين 2006-2007 بلغت 950 مليون دولار. لمَ تنقف شركات الأدوية الملايين لتطوّر دواء مثيراً للجدل وسمعته سيئة يمكن أن يلغي الحاجة إلى شراء الأدوية باستمرار؟

يشكّك اختصاصيو أعصاب بارزون كثر في احتمال نجاح هذه التقنية، لكن بالنسبة إلى مرضى الصداع العنقودي، فإن فلاش بطل. على غرار زملائه الذين يتداوون بهذه المواد، اختار فلاش عدم الإفصاح عن هويته خوفاً من أن تؤدي تجاربه مع المخدرات إلى تشويه سمعته في مجتمع الأعمال. فهو مدير إحدى الشركات التي تضم أكثر من مئة موظف: «يعتقد البعض أن هذا العلاج ليس مقبولاً. لكنني لا أظن أن العثور على علاج لهذا الداء أمر سهل. وهذا أفضل علاج متوافر اليوم».