من مفاهيم الزمان الجغرافي مثل الضحى والعَشِي، والصبح والإصباح، واليوم والأمس والغد، والساعة والسنة، والفجر والعصر، الليل والنهار، وقد ورد لفظ الليل في القرآن اثنتين وتسعين مرة أكثر من النهار الذي ورد سبعاً وخمسين مرة لأن الليل أكثر إغراء وهو وقت العبادة.

Ad

ورد لفظ «الليل» مقروناً بالنهار ثمانيا وأربعين مرة، وبمفرده أربعاً وأربعين مرة، أي أكثر من النصف بمعنى تعاقبهما، وهو المعنى الجغرافي الناتج عن دوران الأرض حول نفسها مرة كل أربع وعشرين ساعة، ويستعمل القرآن عدة ألفاظ لذلك، منها اختلاف «اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ»، مع خلق السموات والأرض، والحياة والموت، ونزول الرزق من السماء، وولوج أي دخول وخروج «يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَار وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ»، وتكوير أي تلبيس أحدهما في الآخر «يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَار وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ»، وسلخ أي إخراج «وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ»، والقلب أي التحول «يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»، وتسخير لمصلحة الإنسان «وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»، والغشي أي الحلول والحضور «يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ»، في مقابل النهار والتجلي «وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى»، والآية «وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ»، والتقدير «وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ».

وتعاقب الليل والنهار نظام كوني «لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ»، والمحو والإثبات والتحول من العمى إلى الإبصار «فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَار مُبْصِرَةً»، والسكن والإبصار «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا»، يسكن الإنسان بالليل ويعمل بالنهار «وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَار».

الليل للسكن والنهار للسعي والرزق «جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ»، وفيهما يتحقق الأمر الإلهى «أتَاهَا أمْرُنَا لَيْلاً أوْ نَهَارًا»، والليل والنهار وقت للإنفاق والصلاة والتسبيح والدعاء، الإنفاق سراً بالليل وعلانية بالنهار، والصلاة «وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَي النَّهَار وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ»، والتسبيح «وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَار»، والدعاء «قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا».

وقد يأتي الليل منفردا دون النهار، فيجن ويحل ويغشى ويسجى ويعسعس ويدبر وينشأ ويمر: جن «فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ»، أي حل وأتى، وأدبر «وَاللَّيْلِ إِذْ أدْبَرَ»، وعسعس «وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ»، وعم وغمّ «وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ». يسرى فيه الظلام، «وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ»، ويغشى، «وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى»، ويسجى، «وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى»، ويعمى ويغطش، «وَأغْطَشَ لَيْلَهَا وَأخْرَجَ ضُحَاهَا»، وهو نوم وقيام وسكن ولباس وغطاء... هو سكن «وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً»، ولباس «وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً»، وهو موعد للقاء، وفترة من الزمن «فَأسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ»، ويطول ويقصر بأمر الله «قُلْ أرَأيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا»، وهو لقاء وموعد «وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أرْبَعِينَ لَيْلَةً» أو ثلاثين، وهو وقت للسير الآمن «سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأيَّاماً آمِنِينَ» أو وقت هبوب الريح، «سَخَّرَهَا عَلَيْهمْ سَبْعَ لَيَال».

وبه يكون القسم بليال عشر «وَالْفَجْرِ، وَلَيَال عَشْرٍ»، وفي ليل تتم انفراجة السماء وينزل القرآن في ليلة القدر المباركة «إِنَّا أنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر»، وفي الليل تقوم الصلاة ويكون الصيام والتهجد والقنوت والتسبيح والسجود والدعاء، الصلاة «أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ»، والصيام «ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ»، والتهجد «وَمنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ»، والقنوت «أمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا»، والتسبيح «وَمنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأدْبَارَ السُّجُودِ»، والقيام «قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلاً»، والسجود «وَمنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً»، والهجوع «كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ». وهو وقت الإسراء «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً»، ووقت الدعاء، «قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا».

وقد ورد لفظ «النهار» سبعاً وخمسين مرة، إحدى وخمسين مع الليل، وست مرات فقط بمفرده. ومع الليل بنفس المعاني، اختلاف الليل والنهار وولوج أحدهما في الآخر، والتقلب والتكوير والتقدير والغشيان والخلق، وله نفس التقابل مع الليل بين السر والعلانية، والسكون والحركة، والنوم واليقظة، والخفاء والتجلي، واللباس والصحو. وله نفس المعاني المفردة مثل المدة من الزمن والآية والنظام الكوني، والتسخير والأمر، وفيه نفس الأفعال، التسبيح والصلاة والدعاء، والنهار من اشتقاق «النهر» فكلاهما سريان.

وفي التجارب الحية يشعر الإنسان بالليل والنهار على نفس النحو، النوم واليقظة، السكون والحركة، الهدوء والصخب، العبادة والمعاملة، الراحة والتعب، وتؤكد الأمثال العامية هذه التجارب مثل «النهار له عينان»، «كلام الليل زبدة يطلع عليه النهار يسيح»، والتوعد بالليلة السوداء، «ليلتك سودة»، والبشارة بالنهار الأبيض «نهارك أبيض»، «نهارك فل»، «نهارك عسل». والليل للغناء للحبيب «يا ليل»، والسهر في حبه له وشقائه به ليلا ونهارا، وهو التقابل بين سهر الفنانين ونوم العاطلين.

* كاتب ومفكر مصري