أظهرت تقارير، أن خسائر الاستثمارات الكويتية بلغت 94 مليار دولار، أي بنسبة 36 في المئة، مقارنة بـ2007، رغم ضخ تدفقات مالية جديدة بلغت 57 مليارا، لتتراجع أصول هيئة الاستثمار إلى 228 مليار دولار في ديسمبر 2008، من 262 مليار دولار في أواخر 2007.

على الرغم مما اكتسبته صناديق الثروة السيادية من أهمية متزايدة في النظام النقدي والمالي الدولي بعد نجاحها في ضخ رؤوس أموال، تجاوزت 80 مليار دولار أميركي في عام 2007 في المصارف الأوروبية والأميركية، التي تكبدت خسائر فادحة نتيجة لوقوع أزمة القروض العقارية الأميركية، فإن واقعا مغايرا بات مفروضا على مستقبل تلك الصناديق بعد تضخم الازمة الاقتصادية الى حد جعلها تغير من سياساتها وتعكس اتجاهات تدفق اموالها من الخارج الى الداخل، في محاولة لاحتواء الامور المتأزمة وحماية اقتصادات دولها من الانهيار.

Ad

فإلى جانب ما وفرته الأزمة الحالية التي تمر بها تلك الأسواق من فرص غير مسبوقة للاستثمار، ومحاولة دعم الأسواق المالية الخليجية ومساعدتها على استرجاع عافيتها، فقد سجلت دول مجلس التعاون الخليجي في 2008 فقط خسائر بلغت 350 مليار دولار بمعدل 27 في المئة جراء التدهور في قيم الأصول في الأسواق الرئيسية.

وكانت أكبر الخسائر الاستثمارية في الأسواق المالية تتعلق بصفقات شراء حصص قطر والكويت والإمارات في مصارف «باركليز» و«ميريل لينش» و«سيتي غروب» والتي قدرت خسائرها بين 40 و70 و60 في المئة على التوالي.

وفي هذا السياق اوضح اقتصاديون ان الاهتمام تدنى بالصناديق السيادية ونشاطها في الدول المستقبلة لاستثمارات تلك الصناديق، بعد استفحال الأزمة المالية العالمية وانعكاسها على استثمارات هذه الصناديق، لافتين الى ظهور تقديرات أكثر دقة وواقعية عن حجمها، مقارنة بمرحلة ارتفاع أسعار النفط.

واعتبر الخبراء ان تلك الخسائر غطت على الزيادة في أصول تلك الصناديق الناتجة عن ارتفاع الإيرادات النفطية المقدرة بنحو 273 مليار دولار للعام ذاته. وقالوا إن أكبر الخسائر في الاستثمارات كان بالأسواق المالية، ومنها صفقات شراء حصص في بعض البنوك بالدول الصناعية التي قامت بها بعض الصناديق خلال 2007 و2008 كشراء هيئة الاستثمار القطرية حصصا في بنك «باركليز»، وهيئة الاستثمار الكويتية في بنك «ميريل لينش» وهيئة أبوظبي للاستثمار في «سيتي غروب».

خسائر الكويت

وفي حين تبدو صورة الوضع الاقتصادي في الخليج بصفة عامة والكويت على وجه الخصوص ضبابية الى حد كبير، اظهرت تقارير لمجلس العلاقات الخارجية الاميركي عن قيمة الخسائر خلال السنة الماضية في دول الخليج العربي جراء الازمة، ان الكويت تأتي في المرتبة الثانية من حيث الخسائر حسب التقرير الذي يستند الى المصارف المركزية.

وأظهرت بيانات المجلس الذي يقارن قيمة الاصول بقيمة الخسائر، ان خسائر الاستثمارات الكويتية بلغت 94 مليار دولار، أي بنسبة 36 في المئة، مقارنة بـ2007، رغم ضخ تدفقات مالية جديدة بلغت 57 مليارا، لتتراجع اصول هيئة الاستثمار الى 228 مليار دولار في ديسمبر 2008، من 262 مليار دولار في أواخر 2007.

بينما تتصدر ابوظبي الخسائر الخليجية حيث بلغت قيمة خسائرها 183مليار دولار لتهبط اصولها المالية الى 328 مليار دولار في ديسمبر 2008 من 453 للفترة ذاتها من عام 2007، في حين بلغت قيمتها 328 مليارا في عام 2008.

وعن الاستثمارات الخارجية للصناديق السيادية الخليجية قدر التقرير خسائرها بنحو 350 مليار دولار لتبلغ 1.2 تريليون دولار مع نهاية العام الماضي. ويرصد التقرير من جهة أخرى التأرجح الكبير للثروات في الدول الصغرى في منطقة الخليج، فالأصول الخارجية لحكومات كل من الكويت وقطر والإمارات انخفضت مما يقارب تريليون دولار في أواخر 2007 إلى ما يقارب 700 مليار دولار أواخر 2008 بالتوازي مع الخسائر في باقي القطاعات.

على الجانب الآخر تقول الهيئة المالية السعودية ان قيمة الاصول الخارجية في المملكة تزايدت بما يقارب 150مليار دولار، حيث احتسبت الهيئة الأصول الخارجية التابعة للرواتب التقاعدية الحكومية والتي تتولى الهيئة تنظيمها، وارتفعت قيمة الاصول الخارجية للهيئة من 363 مليار دولار إلى 513 مليار دولار في نهاية شهر نوفمبر الماضي، غير أنه من الواضح أن الهيئة احتسبت القيمة النظرية لأصولها الخارجية دون احتساب قيمتها السوقية، فإذا توجهت 20 في المئة من شراء الأوراق المالية الجديدة نحو الأسهم فستكون قيمة الأرباح حوالي 385 مليارا في نهاية 2007، أي أكثر مما يظهره تقرير الهيئة، و500 مليار دولار أواخر 2008، أي أقل مما يظهره تقرير الهيئة، وعلى أي حال لا تبدو السعودية بمنأى عن الازمة رغم كونها الاقل تضرراً بين دول الخليج الاربع الكبرى (السعودية، الكويت، قطر، الامارات)

استثمارات خادعة

ومن هذا المنطلق، بات على تلك الصناديق ضرورة تغيير سياساتها واتجاهات تدفق اموالها من الخارج الى الداخل، في محاولة لاحتواء الامور المتأزمة وإنقاذ اقتصادات المنطقة من حال الكساد والتعثر في الأداء الاقتصادي بعد الأزمة المالية التي تصاعدت أخيرا، ودعت الى رفع نسبة الاستثمارات في السوق من 5 في المئة حاليا الى ما بين 20-30 في المئة.

وفي هذا السياق، قالت اوساط اقتصادية إن الصناديق السيادية ليست ظاهرة جديدة، وقد تشكلت بوادرها عام 1953 واخذت بالتوسع بعد الكوارث المتلاحقة التي حلت بالاقتصادات العالمية نتيجة الحروب والمجاعة وتصاعد اسعار الوقود، إذ يقدر حجم الثروة التي جمعتها دول الخليج خلال السنوات الثلاث الماضية بنحو 3 تريليونات و770 مليار دولار، استثمرت جزءا منها في عمليات شراء، وتملك حصص في شركات وادوات مالية نقدية، وودائع، وسندات خزينة، ومؤسسات مالية اقليمية وعالمية.

ويحاول اقتصاديون عالميون طمأنة الخليجيين ان ازمة الاقتصاد لن تطول، في محاولة منهم لثنيها عن التوجه نحو الاسواق الآسيوية ذات الفرص الأكبر، وانها مازالت موضع ترحيب في السوق الغربي، لكن هذا لا يستقيم في الوقت الحاضر لا أوروبياً ولا آسيوياً، لاسيما ان الصناديق قد دعمت الاقتصادات الأوروبية أكثر من مرة، وحان دورها الحقيقي لدعم الاقتصاد المحلي، وبث الحياة من جديد في مرافقها المختلفة.

وتشير مصادر ذات صلة بالقطاع الاستثماري الى أن القيمة المقاربة للصندوق السيادي لحكومة ابوظبي تبلغ نحو 875 مليار دولار، في حين تبلغ في الكويت نحو 215 مليار دولار، وقطر نحو 60 مليارا، وقد اثبتت الصناديق الخليجية قدرتها على ضخ اكثر من 50 مليار دولار في مؤسسات وشركات مالية اميركية تأثرت بأزمة الرهن العقاري قبل الأزمة المالية التي حدثت منتصف عام 2008.

وبمزيد من التفصيل أوضح تقرير الاستثمار العالمي لعام 2008 أن قطر تصدرت قائمة البلدان الخليجية الاكثر استثمارا في الخارج، حيث استحوذت على 94 في المئة من استثمارات المنطقة في الخارج بحجم تدفقات بلغ 41 مليار دولار.

وأشار التقرير الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «اونكتاد» إلى أن شركات كويتية كانت أهدافا مهمة للاستحواذ من قبل شركات اخرى في منطقة غرب آسيا إذ شكلت صفقات شراء شركات كويتية نسبة 9 في المئة من اجمالي المشتريات الاستثمارية في المنطقة.

وأوضح التقرير أن البلدان الخليجية تحظى بمخزون هائل من الاصول الاجنبية الصافية بما قيمته 1.8 تريليون دولار.

تنوع الاستثمار

وفي اطار سياسة تنويع الأوعية الاستثمارية قامت البلدان الخليجية بتأسيس صناديق الثروة السيادية «اس دبليو اف»، كما قام «بيت التمويل الخليجي» في البحرين على سبيل المثال بجمع أكثر من 630 مليون دولار من مستثمرين خليجيين في أكتوبر 2007 لتمويل تطوير «مدينة الطاقة» في الهند، كما نشطت شركات الاتصالات المتنقلة الخليجية في حقل الاستثمارات الخارجية خارج المنطقة.

وتبلغ القيمة الاجمالية للصناديق السيادية الخليجية حاليا نحو 5 تريليونات دولار مقارنة بمستوى كان يبلغ 500 مليار دولار عام 1990.

وهناك نحو 70 صندوقا سياديا خليجيا تعمل في 44 دولة بأصول تبدأ من 20 مليون دولار في منطقتي ساو توم وبرنسيب وتصل إلى اكثر من 500 مليار في الامارات، غير أن الجانب الأكبر من تلك الاستثمارات يتركز في الصين وهونغ كونغ والكويت والنرويج والاتحاد الروسي والسعودية وسنغافورة والامارات.

وأشار التقرير إلى أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة في بلدان مجلس التعاون زادت في 2007 بنسبة 20 في المئة لتصل إلى 43 مليار دولار، وذهبت الحصة الاكبر في هذه الزيادة الى قطر التي تزايدت استثماراتها سبعة أضعاف عن عام 2006.

خسائر فرضت استراتيجية

وجاء في التقرير ان الصناديق الاستثمارية في الكويت وقطر ودبي وأبوظبي بدأت تغير استراتيجياتها الاستثمارية بعد أن خسرت مليارات الدولارات جراء شراء أسهم في شركات غربية، في وقت أصبح فيه عدد من البنوك في الخليج يعتمد على الاستثمار الحكومي، بينما انهارت الأسواق المالية المحلية وحولت بعض الصناديق أصولها إلى أسهم محلية في محاولة لتعزيز الثقة، حيث قامت الهيئة الكويتية للاستثمار بتحويل أربعة مليارات دولار من الأسواق المالية الغربية إلى بورصتها المحلية، في حين شرعت الهيئة القطرية للاستثمار في خطة لدعم البنوك المحلية، أما مؤسسة «دبي إنترناشيونال كابيتل»، فقد بدأت التركيز على الأسواق الصاعدة، في حين سرت شائعات بأن هيئة أبوظبي للاستثمار -التي يقدر رأسمالها بحوالي 700 مليار دولار- بدأت في العودة للأسواق المحلية. وانتهجت معظم الدول الخليجية هذه السياسة بعدما تبين أن الاستثمار في بنوك من قبيل مجموعة سيتي غروب وميريل لينش كلف الصناديق الخليجية ثمنا باهظا، ويعزى إلى مصرفيين محليين قولهم إنهم يشعرون بأنهم انخدعوا بالاستثمار في تلك المؤسسات قبل أن ينكشف الحجم الحقيقي للأزمة المالية.

اذ قدرت تقارير ان خسائر الهيئة الكويتية للاستثمار التي تقدر أصولها بحوالي 250 مليار دولار، بلغت 270 مليون دولار في استثمار ثلاثة مليارات دولار في سيتي غروب مطلع العام الحالي.

من جهة أخرى وافقت جهات قطرية وإماراتية الشهر الماضي على ضخ ستة مليارات جنيه إسترليني (حوالي تسعة مليارات دولار) في بنك باركليز البريطاني لترتفع مساهمتها في رأسمال المؤسسة إلى 30 في المئة، لكن توجيه الصناديق السيادية لأموالها نحو الأسواق المحلية والصاعدة يثير قلق المسؤولين الغربيين، فقد قام رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون في السابق بجولة في الخليج لحث الصناديق السيادية على الاستثمار في الاقتصاد البريطاني ودعم المؤسسات المالية الدولية لمواجهة الأزمة المالية.

توقعات لم تتحقق

شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعا ملحوظا في استثمارات الصناديق السيادية التابعة لدول الخليج الست، والتي تقدر بحوالي 5.1 تريليونات دولار أميركي في أواخر عام 2007، وكان متوقعا أن تزيد بقيمة 3 تريليونات دولار بحلول عام 2010 إذا ما حافظت أسعار النفط على مستوياتها الحالية. ومع أن حجم هذه الاستثمارات يعتبر ضخما غير أن تأثيره على الاقتصاد العالمي وأسواق رأس المال ليس كبيراً إذ إن مجموع استثمارات هذه الصناديق لا تشكل سوى 12 في المئة من الناتج الإجمالي العالمي و5.1 في المئة من إجمالي قيمة السندات والأسهم المدرجة في الأسواق المالية العالمية والتي هي بحدود 100 تريليون دولار.

إدارة الاحتياطات الدولية

تعرف صناديق الثروة السيادية sovereign wealth funds على أنها عبارة عن صناديق مكلفة بإدارة الاحتياطات الدولية لحكومات الدول التي لديها مدخرات تفوق استثماراتها بشكل متواصل (فوائض متتالية في الحساب الجاري) مما وفر ثروات تطلبت سياسة استثمارية مدروسة نتج عنها حيازة هذه الحكومات لأصول مالية أجنبية (مقومة بعملة بلد آخر).

وغالباً ما تتكون هذه الاحتياطات لدولة ما عندما يتوافر لديها فائض متواصل في الحساب الجاري من ميزان مدفوعاتها مع العالم الخارجي، إلى الدرجة التي تتراكم عندها هذه الفوائض المتتالية على شكل احتياطات دولية، تصل إلى مستويات تزيد على الاحتياجات التمويلية لأغراض آنية، وبالتالي يستطيع القائمون على إدارة هذا الاقتصاد إنشاء صندوق للثروة السيادية بغرض إدارة تلك الأرصدة الإضافية من الاحتياطات الدولية.

عراقيل في طريق صناديق الثروة

على الرغم مما تمثله من دور ايجابي واجهت صناديق الثروة الكثير من العراقيل خلال السنوات الماضية، اذ اتخذت أخيراً بعض الدول الغربية مواقف متحفظة تجاه استثمارات الصناديق السيادية في الخارج، وتعالت الصيحات الإعلامية مطالبة بوضع قيود وإجراءات مشددة على مثل هذه الاستثمارات. والحجج التي ساقتها الدول الغربية لتبرير تحفظها أن الصناديق السيادية مملوكة من قبل حكومات وبالتالي لا تسعى فقط إلى تحقيق العائد المجزي على استثماراتها بل قد يكون لديها أهداف سياسية، كما أن هذه الاستثمارات تنقصها الشفافية حيث لا توجد معلومات موثوقة عنها، ولا يعرف الكثير عن سياساتها أو استراتيجياتها، أضف إلى ذلك أن حجمها ضخم وفي زيادة مطردة بحيث إن أي تحرك مفاجئ لها سيترك أثره على الأسواق المالية العالمية، وهذا سيزيد من التقلبات في هذه الأسواق. وهناك أيضا مبدأ المعاملة بالمثل إذ إن دول المنطقة لا تسمح للأجانب بالاستثمار في قطاعات اقتصادية محددة مثل إنتاج النفط كما أن بعضها لا يسمح للمستثمر الأجنبي بالدخول إلى أسواق الأسهم المحلية.

صناديق التحوط

ومن المستغرب كيف يُطالب صناع القرار في الدول الغربية بوضع الضوابط وتطبيق معايير الشفافية على الصناديق السيادية في الوقت الذي تبقى فيه صناديق التحوط العالمية دون ضوابط مشابهة. فالعالم مازال يتذكر كيف قامت صناديق التحوط خصوصا تلك التي كان يديرها جورج سوروس في أوائل التسعينيات بهجمة مضاربة شرسة على الجنيه الاسترليني، مما جعل البنك المركزي البريطاني يتخلى عنه ليهبط إلى أدنى مستوياته عندها في أسواق الصرف العالمية.

إن ما تحتاج اليه أسواق المال العالمية الآن في ظل أزمة الائتمان التي تعصف بها هو استقطاب المزيد من استثمارات الصناديق السيادية وليس صدها من خلال تشريعات وسياسات رادعة.

دور ايجابي

من جانبها، يجب أن تهدف السياسة الاستثمارية للصناديق السيادية ليس فقط إلى تحقيق العوائد المجزية على استثماراتها الخارجية ولكن أيضاً إلى تقديم صورة واضحة للعالم عن الدور الإيجابي الذي تقوم به هذه الصناديق، سواء في دعم رؤوس أموال الشركات التي تستثمر فيها إذ إن بعضها مهدد بالإغلاق أو بالحفاظ على الوظائف التي توفرها هذه الشركات. وعليها أيضاً أن تظهر للعالم على أنها عامل استقرار للأسواق العالمية، لأنها مستثمر طويل الأجل مستعد لتحمل الخسائر الدفترية كما حدث أخيرا، وليس لها أهداف سياسية تسعى الى تحقيقها.

كذلك يتعين على هذه الصناديق الامتثال وبشكل طوعي الى أفضل معايير الأداء العالمي والابتعاد عن الاستثمار في القطاعات الحساسة مثل تكنولوجيا الدفاع، وفي الشركات التي تمثل رموزاً وطنية وكل هذا سيغير من نظرة العالم إلى الصناديق السيادية على أنها عامل استقرار مما سيعزز من المناخ الاستثماري ويساعد على تشجيع تدفق رؤوس الأموال حول العالم.

ومن المعروف أن الصناديق السيادية، خصوصا تلك التابعة للدول الخليجية، لا تهدف إلى ممارسة نفوذ إداري على الشركات، التي تستثمر فيها، وهي عادة تستحوذ على حصص أو ملكية محدودة ولا تملك الكوادر البشرية المطلوبة لإدارة هذه الشركات، أو الهيمنة عليها، كما أنها لا تسعى الى الحصول على أي تمثيل لها في مجالس الإدارة. وحتى عام 2003، عندما كان سعر برميل النفط يتداول عند مستويات متدنية، كانت الصناديق السيادية تتم إدارتها لكي تكون مصدراً بديلاً للدخل يُستعان به عند الحاجة الى تمويل العجز في الموازنات العامة لدول المنطقة ,stabilization funds لذا كانت أغلبية استثمارات هذه الصناديق توجه نحو موجودات سائلة وآمنة مثل الودائع المصرفية وأذونات الخزانة الأميركية بالإضافة إلى سندات وأوراق مالية ذات تصنيف ائتماني مرتفع.

العوائد النفطية

غير أن استراتيجية الاستثمار هذه تغيرت مع ارتفاع العوائد النفطية، فالتوقعات بأن سعر برميل النفط لن ينخفض عن مستوى 60 دولاراً للبرميل في المستقبل المنظور جعلت الصناديق السيادية تدار على أنها صناديق تقاعد للأجيال المقبلة، واتجهت استثماراتها نحو أصول ذات مخاطر أعلى ولآجال أطول مثل الأسهم والأدوات المالية المهيكلة، وحيازة حصص في الشركات وغيرها. فالتركيز لم يعد على السيولة بل على توفير عوائد مرتفعة والحفاظ على الثروات المالية للأجيال المقبلة.

إن أي محاولة من قبل الدول الغربية لوضع قوانين تحكم عمل وتحرك استثمارات الصناديق السيادية وفرض معايير للشفافية من دون التنسيق مع الدول المعنية، لن يكتب لها النجاح. وأي نظام أو تشريع يتم تطويره لابد من أن يكون مقبولاً ومتفقاً عليه من قبل الصناديق السيادية والدولة المستقبلة للاستثمار على حد سواء، وتحت مظلة صندوق النقد الدولي لكي ينظر إليه على أنه يستهدف مصالح أي منها.

الصناديق الخليجية

تسيطر الصناديق السيادية الحكومية على 27 في المئة من القيمة الرأسمالية لأسواق الأسهم الخليجية، في حين أن بورصة الكويت تعد أكثر الأسواق الكويتية المحررة من الملكيات الحكومية، إذ إن ملكية الصناديق السيادية لا تتعدى 12 في المئة، مقارنة بـ36 في المئة في السعودية و25 في المئة في الإمارات و21 في المئة في قطر.

وكان «المركز المالي الكويتي» قد أجرى تحليلاً لدور صناديق الثروات السيادية التي تتخذ من المنطقة مقراً لها، وذلك من حيث استثماراتها في أسواق الأسهم المحلية، وتبين ان هناك 36 صندوقاً للثروات السيادية تملك 131 شركة خليجية مدرجة وتشكل مجتمعة ما نسبته 27 في المئة من القيمة الرأسمالية لأسواق الأسهم الخليجية المقدرة بمبلغ 300 مليار دولار أميركي. وبمعزل عن صناديق الشركات الأكبر والأكثر تداولاً مثل صناديق هيئة أبوظبي للاستثمار والهيئة العامة للاستثمار في الكويت، فإن صناديق الثروات السيادية تضم أيضاً مجموعة متنوعة من الوكالات الحكومية التي تدير الأموال سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وقد تشمل هذه الفئات من الوكالات صناديق التقاعد والوزارات والشركات المملوكة بالكامل للحكومات... إلخ، وبمعنى آخر، فإن أي كيان مملوك بنسبة 100 في المئة للحكومات يمكن أن يصنف كصندوق ثروة سيادية.

الكويت

تبدو حصة صناديق الثروة السيادية في الكويت الأقل بين الدول الخليجية، حيث تسيطر على 12 في المئة فقط من سوق الأسهم الكويتية، ويبلغ مجموع استثمارات هذه الصناديق 25 مليار دولار وتمثل معظمها الهيئة العامة للاستثمار التي تملك حصة بنسبة 65 في المئة من تلك الاستثمارات. وفي حين أن هذه الهيئة قد استثمرت في 8 شركات كويتية مدرجة، فإن استثماراتها فـي شركة «زين» وبيت التمويل الكويتي تمثل نحو 80 في المئة من إجمالي استثماراتها. وتبرز مؤسسة التأمينات الاجتماعية باعتبارها صندوق الثروة السيادية الذي يتمتع بأعلى درجة نفوذ حسبما يتضح من استثماراتها في 21 شركة كويتية مدرجة وتقدر قيمتها الاستثمارية الإجمالية بمبلغ 3.5 مليارات دولار. وتأتي حصتها البالغة 15 في المئة في شركة «أجيليتي» (سابقاً شركة المخازن العمومية) كأكبر استثمار لها، وتليها حصتها البالغة 10 في المئة في البنك الأهلي الكويتي.