يبدو أن أسهل الطرق لتبرير منطق الانهزام والانبطاح والتخلي عن الحقوق العربية في فلسطين هو في اتهام المقاومين كلهم بالعمالة لإيران وبقيامهم بحرب بالوكالة، بحيث لن أستغرب أبدا بأن تخرج علينا بعض الحكومات أو بعض «أراغوزات» الصحافة وتسمي خالد مشعل وإسماعيل هنية بـ «الصفويين الجدد». لكن لنأتي لنعرف الحرب بالوكالة حتى نعرف من هم المحاربون الحقيقيون بالوكالة؟

Ad

فمن المعروف أن من يحارب بالوكالة هم في أغلب الأحيان خونة البلدان والمرتزقة الذين يحاربون من أجل قضايا الآخرين وليس قضايا بلدانهم، وفي مقابل ذلك، يتم مكافأتهم سواء بالمال أو غيره.

الآن، لنأتي إلى المقاومين في لبنان وفلسطين لنطبق عليهم هذا التعريف. فهل مقاومة المحتلين والدفاع عن الأرض والوطن هي قضية المقاومين وأمتهم أم لا؟ هل جنوب لبنان أو القدس أو غزة والضفة أراض فارسية حتى يُتهم المقاومون بالحرب بالوكالة عن إيران؟! أوليست هذ الأجندة أجندة عربية أصيلة قاتلت من أجلها الحكومات العربية قبل أن تنساها في هذا الزمن الأغبر؟

ثم إذا أتينا إلى الحالة المادية والمعيشية للمقاومين، فنجد أن أوضاعهم هي عكس أوضاع من يحاربون بالوكالة. فالمقاومة لم تجلب لمؤيديها سوى مزيد من القتل والدمار والمعاناة وصعوبة الحياة. فهذا جنوب لبنان يدمر على مدى 30 عاما كان آخرها في عام 2006 عندما أراد الصهاينة معاقبة أهالي الجنوب والضاحية على تأييدهم للمقاومة، لكن النتيجة كانت عكسية تماما.

وليس سرا أن أميركا وعدت «حزب الله» بتحويل الجنوب إلى جنة في مقابل تخليه عن السلاح ومحاربة إسرائيل. وكذلك الأمر بالنسبة لغزة التي نراها اليوم تدمر على رؤوس سكانها عقابا لهم على تأييدهم واحتضانهم لـ «حماس».

وعلى صعيد قيادات المقاومة، نرى أنهم لا يعيشون حياة فارهة ولا يتمتعون بزخرف الحياة وزينتها كما قيادات المحاربين بالوكالة.

فهذا الدكتور المجاهد محمود الزهار فقد اثنين من أبنائه من أجل تمسكه بقضيته وكذلك الشهيد نزار ريان الذي استشهد وعائلته قبل أيام، وكذلك سيد المقاومة السيد حسن نصرالله الذي فقد ابنه... والأمثلة تكثر في هذا المجال، فهل قدم هؤلاء هذه التضحيات كلها من أجل إيران أو سورية أم من أجل قضايا أمتهم التي يؤمنون بها؟!

ثم إن حركات المقاومة ليست مجرد عصابات تضم بضعة آلاف من الأفراد «مثل جيش لبنان الجنوبي»، بل هي تمثل مئات الآلاف من جماهير بلدانها. فـ «حزب الله» يمثل أكبر قطاع من اللبنانيين وكذلك «حماس» التي فازت في الانتخابات الماضية بأغلبية ساحقة وبرهنت على قوتها في مهرجان قبل أيام من الحرب الصهيونية على غزة، فهل كل هذه الجماهير والعائلات يحاربون بالوكالة؟!

إن المحاربين الحقيقيين بالوكالة هم هؤلاء الذين يساهمون في اعتداء الأعداء على أمتهم! هم هؤلاء الذين يستسهلون الدوس على أمتهم وشعوبهم بمساعدة الأجنبي من أجل البقاء في السلطة! هم هؤلاء المتواطئون مع الأجنبي ضد قضايا أمتهم وحقوقها المسلوبة! هم هؤلاء الذين يشاركون «بشكل مباشر أو غير مباشر»، في قتل إخوانهم من أجل مصلحة الإرهابيين الصهاينة!

استطيع أن استرسل في هذه الحديث لصفحات، لكن أعتقد أن القارىء المنصف يستطيع الحكم بعدالة وبمنطق من الكلام السابق... بينما المتخاذلون والانبطاحيون والعنصريون والطائفيون لن يستطيعوا التخلي عن عصبياتهم. فمهما بلغ المرء من علم- حتى لو كان عالما نوويا- فإن كلامه ومنطقه سيكون أعوجا مادام الحقد يسيطر على قلبه وجوارحه. فحسب هذا المنطق، تكون المقاومة المتواضعة ضد جبار إرهابي حماقة وغباء فقط لأنها مدعومة من فلان أو لأنها غير مرتبطة بمشروع الاستسلام الذي تسوِّقه الحكومات العربية البائسة.

فحسب هذا المنطق، أجيبوني يا أساتذة: هل كان الإمام الحسين (عليه السلام) أحمق عندما واجه الطغيان بصحبه ونسائه وأطفاله في كربلاء في معركة معروفة النتائج مسبقا؟! «حاشا لسيد شباب أهل الجنة وحبيب أعظم الرسل (ص) أن يكون كذلك». وهل كانت المقاومة الكويتية بإمكاناتها المتواضعة ضد الغزو الصدامي حماقة لأن جيش الاحتلال كان يعاقب مناطق بكاملها ويأسر منها بالجملة عندما تقوم المقاومة بعمليات فيها؟ ولو اتبعنا منطق المرجفين الأعوج لما استطاع الجزائريون تحرير بلدهم بمليون شهيد، ولما قام عمر المختار بثورته ضد الاحتلال الإيطالي!..اللهم اخز الصهاينة ألف مرة واخز المتخاذلين العرب كلهم مليون مرة... آمين.