يتّجه الكثير من الشباب العربي إلى البورصة، بحثاً عن الكسب السريع والثروات الطائلة، ويضع أحلامه وطموحاته على أعتابها فترتفع به تارة إلى عنان السماء بمكاسب مغرية، وتارة أخرى تطيح بتلك الأحلام.
«الجريدة» ناقشت القضية مع خبراء الاقتصاد والاجتماع والدين والشباب لتقف على الأسباب والدوافع.تردد المحرر الاقتصادي في صحيفة «المال» محمد سالم كثيراً قبل الاستثمار في البورصة لاعتقاده بأنها حرام، لكن عندما أعلنت الشركة المصرية للاتصالات عن الاكتتاب لـ 20% من أسهمها، وهي الشركة التي يعمل فيها والده، تأكد سالم أن البورصة جائزة شرعاً بحسب قوله.يقول سالم إنه قرر خوض هذه التجربة بعد أن راوده حلم الثراء والتطلع الى حياة كريمة له ولأسرته، ومن خلال خبرته وجد أن عملية البيع والشراء في البورصة مربحة، فاشترى من شركة الكابلات الكهربائية حتى وصلت حصيلته الآن إلى 1300 سهم معظمها في المصرية للاتصالات. يروي سالم: «على رغم خسارتي في هبوط البورصة الأخير، لم أستسلم وعملي في المجال الاقتصادي جعلني أكثر جرأة. خسرت حتى اليوم حوالي 10 آلاف جنيه، لكني أعلم أنه مبلغ بسيط بالنسبة الى البورصة ويمكن تعويضه خلال أسبوع. عموماً، أنصح الشباب بالتريّث خلال الأزمات وشراء الأسهم عند انخفاض أسعارها إذا توافرت لديهم الأموال، خصوصاً إذا كانوا مستثمرين».شركة سمسرةيروي المهندس أحمد الدرملي تجربته في البورصة والأسف يبدو واضحاً في صوته: «دخلت في البورصة برأس مال 100 ألف جنيه اشتريت به أسهماً في شركة «مدينة نصر للإسكان والتعمير»، وأتعامل مع البورصة من خلال شركة سمسرة، بحثاً عن الثراء ومضاعفة مدخراتي لأن مبلغ الـ100 ألف لا يكفي شاباً مثلي في مقتبل حياته».خسر الدرملي حوالي 60 ألف جنيه حتى الآن، ما أطاح بأحلامه كلها، كما يقول، لأنه خاض مشروعاً لا يفهمه بدرجة كافية.بدورها، تصرّح نهى زغلول: «دخولي البورصة كان بدعم كامل من والدي، فهو صاحب الفكرة ورأس المال. سعدت جداً بالعائد الذي كان يأتيني كل فترة وأذهب لاستلامه بنفسي، وعلى رغم أن البورصة بالنسبة إليَّ ليست حلماً لتحقيق الثراء كما لدى البعض، إلا أنني أتابعها عن كثب، وأي هبوط فيها يخيفني، خصوصاً أن والدي اشترى لي ولإخوتي ولنفسه عدداً كبيراً من الأسهم بآلاف الجنيهات وأخشى عليها من الخسارة والهبوط».إحباط وبطالةترى أستاذة علم الاجتماع في الجامعة الأميركية د. إيمان البسطويسي أن «الإحباط والبطالة يجعلان الشاب في حالة يأس من إمكان تحقيق الأحلام خطوة خطوة، وعندما يجد أمامه فرصة مثل البورصة يهرع إليها لتحقيق ما لم تقدّمه له الوظيفة إن وُجدت. من جهة أخرى، يجد البعض أن الجهد والعمل في ظل المحسوبيات والوساطة أمر غير مجد، لذا يلجأ إلى البورصة التي تضمن تكافؤ الفرص».لا يلجأ إلى البورصة، بحسب البسطويسي، الباحث عن قوت يومه، بل ذلك الذي يطمح الى الثروات في وقت قياسي، خصوصاً أن حلم الزواج والشقة والسيارة أصبح مستحيلاً لدى كثيرين. تشير البسطويسي الى أن الضياع الذي يشعر به بعض الشباب جعله لا يخشى المغامرة بالمال ولا حتى بالنفس أحياناً، ما يعني أنه مستعد للقيام بأي شيء مقابل تحقيق مستقبل واعد، موضحة أن كثيرين يجذبون أصدقاءهم إلى البورصة بعدما تظهر عليهم بوادر أرباح الاستثمار لأن الشعور بالمكسب جميل ولا يجده الشباب في مجالات العمل المختلفة.عن الصدمات التي يتلقاها المستثمرون إذا تعثّرت البورصة وعصفت بأحلامهم، تؤكد البسطويسي أنها «نتيجة طبيعية لدخول الشباب في ممارسات يجهلونها تماماً».حلم الثراءحول وجهة النظر الاقتصادية لأحلام الشباب مع البورصة، يقول د. إيهاب الدسوقي (أستاذ الاقتصاد في أكاديمية السادات للعلوم والإدارة) إن «المكاسب التي تحققها البورصة تعتبر من أعلى الأرباح الحلال. ومقارنة بالبنوك أو المشاريع ذات العائد البسيط، وصلت المكاسب في البورصة إلى 35% قبل الهبوط الأخير، وهو ما جعل الشباب يتجهون إليها بحثاً عن الثراء والمكسب السهل، ولا شك في أن المخاطر تزيد كلما زادت المكاسب».يضيف الدسوقي: «يجذب الشبان والشابات بعضهم بعضاً إلى هذا النوع من الاستثمار، خصوصاً الذين يعملون في البورصة والمصارف ولديهم خبرة تؤهلهم لهذا الاستثمار، فيتجهون بحلم الثراء إلى أعتاب البورصة، وأي هبوط في معدلاتها يقتل أحلامهم، فيتأثرون نفسياً ومادياً بحسب قيمة هذه الأموال التي خسروها، وهي غالباً كل ما يمكلون. يدخل هؤلاء تحت فئة صغار المستثمرين الذين يضيعون في الأزمات لأنهم لا يملكون شجاعة، بسبب قلة خبرتهم في المغامرة، ولأن كل ما يعرفونه عن البورصة هو الأرباح فحسب».للشرع رأيه في هذه القضية، إذ يوضح د. عبد الفتاح علاَّم (وكيل الأزهر): «السعي وراء الرزق ليس حراماً، لكن المجازفة في مجال ما من دون خبرة ومن ثم ضياع الأموال والأحلام هو ضرر يقع المرء به بسبب طمعه وهرولته وراء الكسب السريع. من هنا، يجب على شبابنا الاجتهاد في تعلّم الميادين التي يريدون خوض غمارها، خصوصاً إن كانوا سيبنون عليها أحلاماً وآمالاً وأموالاً هي جنى عمرهم أو مدخرات أهلهم. عموماً، الدخول في البورصة بنيّة الاستثمار حلال، لكن المضاربة كما يحدث في المقامرة، مجازفة يجب أن ينأى بها الشباب عن نفسهم ومالهم ويستثمرونها في مشروعات نافعة يفهمونها ويستطيعون مراقبتها لتجنّب الخسارة وزيادة المكاسب».
توابل - علاقات
أحلام شباب مصر... في بورصة الثراء السريع
18-12-2008