على مقاييس التخلف والتقدم السياسيين، يمكن القول إن الانتخابات النيابية اللبنانية المقررة بعد أسبوع، تشكل خطوة لا لبس فيها إلى الوراء.

وخلافا للانتخابات الكويتية الأخيرة، على سبيل المثال، التي شهدت دخولا قويا للمرأة الى ساحة العمل التشريعي، فإنه ما من فئة اجتماعية أو سياسية جديدة ستنضم إلى مجلس النواب اللبناني المقبل، بل إن ممثلي الشعب اللبناني، ستكون أكثريتهم الساحقة، إذا صحت التوقعات واستطلاعات الرأي، من المتحدثين باسم العصبيات الطائفية والمدافعين عن مصالحها والمنادين بدوام حكمها. هذا مع العلم أن اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية وبات يعتبر جزءا من دستور البلاد، يدعو بوضوح إلى تشكيل لجنة وطنية لإلغاء الطائفية السياسية، وبعد مرور قرابة العشرين عاما على التوصل إلى الاتفاق، لم تبصر اللجنة المذكورة النور، بل إنه ما من أحد يأتي على ذكرها خارج المزايدات الضيقة، بمعنى أنها لا تحضر حضورا جديا في برنامج أي من القوى السياسية البارزة في لبنان.

Ad

صحيح أن القانون الانتخابي الحالي المرتكز إلى القانون الذي اعتمد في العام 1960 (مع بعض التعديلات الطفيفة في تقسيم الدوائر)، يعيق بشدة ظهور نخب سياسية تتبنى خطابا عابرا لخطوط الانقسام الطائفي والعائلي والجهوي، لكن ذلك يشكل نتيجة وليس سببا.

فأثناء البحث عن شروط التسوية التي سبقت اتفاق الدوحة في العام الماضي، تبين على نحو لا يدع مجالا للشك أن الأطراف السياسية، وعلى الرغم من الفرز العميق بينها وتوزعها إلى معسكري الثامن من آذار (مارس) والرابع عشر منه اللذين يختلفان على كل شيء تقريبا، تتفق على إبقاء التمثيل النيابي للبنانيين في أطر العصبيات والتباينات التقليدية. البرامج لا تعني شيئا في المجال هنا، كذلك ليست مهمة بأي شكل الكفاءات الشخصية للمرشح إذا لم يكن منضويا في التيار أو الحزب الغالب في طائفته وعليها.

كما أن الحديث عن التأييد للمقاومة أو الاعتراض على عودة النفوذ السوري، لا يتجاوز في واقع الأمر الخطوط العامة للانقسامات ما دون السياسية، وغني عن البيان أن تغيب في مناخ هذه صفاته كل الطروح التي تتناول الإصلاحات الدستورية أو الإدارية، وتختفي تحت طبقة سميكة من المشاعر الطائفية الملتهبة كل المطالب التي تحاول التنبيه إلى أهمية العدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد المستشري أو الحث على إعادة صياغة وظيفة اقتصادية عامة وجديدة للبنان في عالم تتسارع فيه التطورات وتتقارب فيه القارات بوتيرة لاهثة.

بل إن الإشارات إلى الإصلاح في أي من المجالات المذكورة التي يمكن أن يحاجج أي من المرشحين في أن بيانه الانتخابي تضمنها بالفعل، لا تتأخر حتى تتصاعد منها رائحة الطائفية المألوفة: لا إصلاح في سبيل بناء دولة بالمعنى الحديث للكلمة، أي الدولة التي تقوم على مفهوم واضح للمواطنة وللمساواة البسيطة بين المواطنين وضمان نيل حقوقهم وأداء واجباتهم في منأى عن انتماءاتهم المذهبية أو الدينية. بل إن الإصلاح الذي تدعو بعض التيارات إليه يهدف، ومن دون تمويه، إلى إعادة الأوضاع السياسية في لبنان إلى الحال التي كانت عليه قبل انفجار الحرب الأهلية في العام 1975.

الحق أن إصلاحا كهذا، لا يفرغ الكلمة من مضمونها فحسب ويجعل شريحة من اللبنانيين تتوجس شرا حيال أي محاولة «إصلاحية» من الصنف المذكور، بل إنه يصب في نهاية المطاف في ترسيخ صيغة الحكم المتخلفة الحالية من خلال استنهاض ردود فعل مقابلة ومعارضة.

وعلى الرغم من أن أحدا لا يغفل عن الضرورة الملحة لإدخال تعديلات ملموسة على النظام السياسي في لبنان، فإن الخلاف يكمن بالضبط في الوجهة التي يجب أن تقصدها تلك التغييرات، وحتى لا يخدع أحد نفسه بالاعتقاد أن الخلاف يكمن بين مشروعين، تقدمي ومتخلف، بالمعنى العام للعبارتين، يتعين التأكيد أن الخلاف هو بين وجهتي نظر تتنافسان في الحيز الطائفي السريع الالتهاب.

* كاتب لبناني

 

 

كتاب الجريدة يردون على تعليقات القراء