من أهم ميزات شعراء القصيدة الحديثة إيمانهم بقيمة الكلمة وإسهامها في حل قضايا المجتمع، ومع أن الأرضية لم تكن مهيأة ولم تهيأ بعد لهذه المعطيات فقد وظفوا الرمز لتوجيه موضوعات الشعر الغزلية والوجدانية والحماسية إلى خدمة مضامين جديدة كالوطنية والاجتماعية والسياسية، ورغم حماس شعراء التجربة في بداية ظهورها فقد انسحب بعضهم وتقلصت مشاركات البعض الآخر بعد أن قوبلت تجاربهم بانتقاد المتابعين والتشكيك في صدق نواياهم وحقيقة ما ترمي إليه قصائدهم.

وبعد خمسة عشر عاما على ظهور التجربة برز جيل جديد من شعراء القصيدة الحديثة وفي مقدمتهم الشاعر عبدالله الحارثي الذي بدأ تجربته محتجا على الرمزية التي استعان بها الشعراء، وكأنه يلومهم على استخدام هذه الوسيلة غير المجدية وعدم قدرتهم على إيصال رسائلهم بالطرق المشروعة.

Ad

آه يا شباك ريم اللي مقابل للحديقـة

كلما نامت عيون الناس صحيناك معنا

لم تكن «الآه» في مطلع قصيدته سوى رثاء لحال الشعراء السابقين، أما «نا الفاعلين» التي جعلها قافية لعجز قصيدته وأغلب مفرداتها فدلالة على حضوره القوي رغم تجربته الوليدة، ولاعتقاده بأنه المنقذ للشعر الحديث بعد أن عجزت القصائد الرمزية عن ملامسة الأسماع، وحملت إطلالته الأولى من حيث القوة ما يؤكد هذه الرؤية وهو يدعو الشعراء الى العودة الى الواقع وكبح خيال القصيدة الرمزية التي قلبت الموازين وعكست دوران ساعته البيولوجية:

تستلذ بهمسنا المجنون ويبللـك ريقـه

تحتمل نار العتاب وتوجعك دمعة وجعنا

وتتصاعد حدة الاحتجاج الذي ظهر واضحا من خلال دلالة الاستمرار في «كلما» وبتكرار مفردة «كم» وهو يعدد ما خلفه الرمز على الشعر من تأثيرات سلبية، وآلام مزمنة، ورغم كل هذه المعاناة لم تثمر قصائدهم إلا وصالا لا يسمن ولا يغني من جوع:

كم غسلنا وجهك النعسان بالدمع وحريقـه

كم على عيونك تقاسمنا الوصال وما شبعنا

ويستمر الشاعر في حشد أدلته لإدانة القصيدة الرمزية كلما أدرك حاجة الشعر إلى مرحلة انتقالية تغنيه عن الرمز، فيفرط في استحضار الحقائق والشواهد معززة بمفردة «كم» وما تحمله من دلالة التكثير والتعميم، وكأنه يحاول رفع معنويات معاصريه لأن الوقت حان لخلافة سابقيهم وتحقيق أحلامهم الشعرية التي تراجعوا عنها كثيرا، ويحذر من ضياع الفرص التي بدت متاحة أمامهم وهم في مقتبل العمر لأن اللحظات الصادقة والجميلة لن تدوم، وإن فرطوا فيها ولم يستمعوا لنصائحه فسيندمون وستمضي الأيام سراعا وهم غارقون في مستنقع الانتظار:

كم رسمت احلامنا في قلوبنا صدق وحقيقة

وكم صدقنا في مواعيد الغرام وكم رجعنا

آه يا شباكها الغرقان في العيـن الغريقـه

كيف مرت خطوة العمر الجميل وما سمعنا

كان البيتان الرابع والخامس مفصليين حيث وجد الشاعر نفسه في مفترق طرق فأخذ يراجع حساباته الشعرية بعد أن شعر بتردده بين البوح بمشاعره الصادقة في بقية أبيات قصيدته دون قيود وبين استمراره على طابعها الرمزي الذي حملته أبياتها الأولى، وهنا يدخل في صراع نفسي لتعود «آه» من جديد بينما حلت «كيف» محل «كم» وبدا الحارثي وكأنه يلوم نفسه متسائلا عن جدوى مطالبه بالتخلي عن الرمزية في ظل اعتمادها شعارا لدعوته وواسطة لنقل أحاسيسه منذ إطلالته الأولى، حتى انزلق في دوامة القصيدة الرمزية التي أصبحت قاسما مشتركا لأغلبية قصائده.

استسلم الحارثي للمعطيات الشعرية المتاحة وبدأ البحث عن الأسباب التي أرغمته على ذلك في ظل عدم قناعته بالمنهج الرمزي، وإحساسه أن الظروف مناسبة لترقية لغة الشعر المشفرة إلى لغة مباشرة تلامس الهموم التي تجمعه بمن حوله بصفته جزءا منهم وأحد المعنيين بها:

كيف طاح الليل في كاس الوصل واخفى بريقه

كيف نفس الموعد اللي قد جمعنا مـا جمعنـا

وهنا يؤكد الحارثي يأسه من تجاوز القيود المفروضة بعد سيطرة الأسلوب الرمزي على قصيدته ليبدأ في تبرير تراجعه عن مطالبه بالشفافية وهو يشير إلى أن اختلاف وسائل العشاق في التعبير عن مشاعرهم لا يفسد ودهم بل يجسد حرصهم على الوصول إلى غايتهم النبيلة بشتى الطرق، وإصرارهم على تجاوز حالة التراخي التي فرضها المتخاذلون لدفعهم إلى الوراء والوقوف أمام سعادتهم ورفعتهم المشتركة:

من هو اللي خان من غير عن احبابه طريقه

انـت يـا شباكهـا والا بـداوة مجتمعنـا

هنا مربط الفرس، فقضايا المجتمع ورقيه وآمال أفراده هي من تفرض على الشاعر ممارسة دوره لأنه جزء المنظومة الاجتماعية التي ينتمي إليها، ولكن لماذا جاء خطابه من وراء حجاب فبصفته مبدعا ومحبا لكيانه وانتمائه فلا مجال للتشكيك في ولائه لمن يحب أو البحث عن وساطة لإثباته؟

ولا يعفي الشاعر نفسه من الإسهام في جناية القصيدة الرمزية رغم عجزها عن معانقة القلوب، فقد كان مشاركا في رهن المستقبل لمعطيات زمنية منقرضة كانت تعد حرية التعبير عصيانا، ولم يعد له أمل ينتظره بعد أن رضي الحياة بأثر رجعي وكفن أحلامه سلفا خوفا من الخروج على رأي الجماعة الصامتة وشق عصا الطاعة، وهنا تظهر مفردة «مهدي» حاملة دلالتين كمبرر إضافي لاعتناقه المذهب الرمزي الأولى: وصفية باعتبارها صفة للزمن تحتم على الشاعر الهداية من خلال الالتزام بمعطيات أوانه، والدلالة الثانية: اسمية باعتبارها مضافا إلى الزمن وتحمل إشارة إلى الاقتداء بالأستاذ مهدي بن سعيد باعتباره أحد رموز التجربة الحديثة وهذه الرؤية الأكثر ترجيحا حيث وردت في قصائد الحارثي أسماء عدد من رموز الشعر الحديث والمهتمين به كفهد عافت وصالح القرني وأمل دنقل وبدر شاكر السياب:

او انا او هو زمن «مهدي» حبس وجه الطليقة

ليـن كفنـا بقايـا احلامنـا فيـنـا وطعـنـا

وقبل أن يختم الشاعر قصيدته تعود «آه» التي اتخذها وسيلة لربط أجزاء قصيدته كلما أراد الانتقال من فكرة لأخرى، فظهرت في نهاية قصيدته بعد أن جاءت في مطلعها ووسطها وتحمل هذه المفردة إشارة إلى حسن اختيار الحارثي لها وتكرارها للدلالة على استمرار المعاناة التي يتكبدها الشعراء بحثا عن وسيلة تسمح لهم بالبوح، كما تكشف أغلبية مفردات القصيدة عن حس بلاغي دقيق، وعلى سبيل المثال مفردة «الحب» التي رفعها شعارا للشعراء ودافعا لهم، حين جعلوا من مخاطبة الأم والعشيقة وسيلة للتعبير عن حب الوطن لما تحمله هاتان العلاقتان من دلالة على قوة الروابط وعمقها، فهي قائمة على حب الأم الفطري، إضافة إلى ما تجسده علاقة العشاق من إخلاص وتآلف ووفاء، وهنا يثبت الحارثي أن ولاء الشعراء لا يقبل المزايدة فقد اختاروا أقرب مشاعرهم وأصدقها للتعبير عن حبهم للوطن وحرصوا على مراعاة معطيات واقعهم من خلال تورية مضامين قصائدهم ومشاعرهم واحتملوا فراقها رغم ارتباطهم الوثيق بها:

آه يا شباكها فرقى الحبايـب مـن يطيقـه

ومن يطيق الحب لا ضاعت مواعيده وضعنا

أثبت الحارثي انتهاء مفعول القصيدة الرمزية وعجزها عن إحداث التأثير المناسب ورغم ذلك مازالت متنفسا للشعراء، ويؤكد هذه الرؤية تكرار مطلع قصيدته ليجعله ختاما لها إشارة إلى دوران الشعراء في حلقة مفرغة، ورغم إحساسهم بالعجز عن ملامسة آمالهم الخضراء وضياعها إلا أنهم استمرأوا استراق النظر إليها عبر شباك مغلق يعتقدون أنه واسطتهم للعبور كلما دفعهم الغرام لإلقاء نظرة على وجه الحبيبة غير مدركين أنه أصبح مستعمرة للتجاعيد والذبول:

آه يا شباك ريم اللي شرب وجه الحديقة

ذبلت زهور الغرام وضاعت الاحلام معنا

هذه البداية القوية بكل المقاييس شكلت حضور الشاعر عبدالله الحارثي على الساحة الشعبية ليصبح من أهم أعمدتها والمهتمين بها، وبعد إطلالته الرائعة عبر شباك ريم، هنا يجيب الحارثي وكأنه وجد نفسه غير قادر على تجاوز فاتنته وكتابة ما يوازي قوة حضوره الأول:

الشارع اللي لبس رخوة نعاسـه ونـام

في جفن مصباح يسترخي ونوره كسول

طاحت به الخطوه العميا... وثوب الظلام

يغري حديث النوافذ للمطـر والفضـول