نفى بيان أصدرته عشيرة آل جعفر أن يكون أي من أفرادها قد أطلق النار ابتهاجا بعد الهجوم الذي تعرضت له دورية للجيش اللبناني مطلع الأسبوع في سهل البقاع، وأدى إلى مقتل أربعة عسكريين وجرح ضابط. لا يقول البيان إن إطلاق النار بهذه الطريقة ينتهك «رصانة» العشيرة واضطلاعها بمهمة الثأر، لكن هذا ما يمكن استنتاجه من مضمون الكلام.البيان ذاته تحدث بكلمات قليلة عن متابعة المعتدين على الجيش وسير التحقيقات وفق السبل الطبيعية. ثمة مفارقة كبيرة بين عناصر الحادث والبيان الذي أعقبه. فنصب كمين للجيش، أمر يندرج في إطار الرد على حادث سابق قتل فيه شخص من آل جعفر لم يمتثل لأوامر حاجز عسكري، وفي هذا التزام بشرعة الحرب والثأر. أما إطلاق النار فرحا بمصرع الجنود وجرح ضابطهم، ففيه تجاوز «لأخلاقيات» الحرب وقوانينها التي ترعاها العشائر وتصونها.
بيد أن البيان والمفارقة التي يكشفها، ليسا سوى رأس جبل الجليد الذي قاد إلى المواجهة بين قوات الجيش ومسلحي العشيرة البقاعية. الصورة الأوسع تشمل عناصر منها الحرمان الشديد الذي تعانيه منطقة بعلبك -الهرمل، منذ استقلال لبنان. وتشمل أيضا عجز الدولة عن إنجاح أي جهد تنموي حقيقي في المنطقة وتركها نهبا للفوضى والعوز. آية ذلك الفشل تبرز في إنهاء ظاهرة زراعة المخدرات التي لا يجد مزارعو البقاع بداً منها إذا أرادوا أن يدرؤوا عن أولادهم عضة البرد والجوع. زراعة النباتات المخدرة التي حاول بعض أبناء البقاع مكافحة الحرمان بها، حملت معها ضرائبها الباهظة: مواجهات شبه يومية مع القوى الأمنية، أعداد ضخمة من المطلوبين للتحقيق أو الصادرة بحقهم أحكام غيابية، اعتقالات غالبا ما يرافقها إهانات واعتداءات بالضرب من قبل عناصر الأمن للموقوفين.ينبغي الآن وضع هذه الصورة على خلفيتها الاجتماعية، أي المجتمع القبلي التقليدي المحافظ الذي لا يتحمل فيه الرجل ما يعتبره مساسا بكرامته، سواء على أيدي رجال الأمن أو غيرهم. ولا يتحمل، بالقدر ذاته، إرغامه على القبول بالعيش في مستوى متدن، حتى بالمعايير اللبنانية غير المترفة، ولقائل أن يتساءل عن سبب البقاء في هذه المنطقة القاسية الظروف. الرد هو، ببساطة، إن المدن اللبنانية تكتظ بأبناء الأرياف اليائسين من العمل غير المجدي في الزراعة، فيما لا تبدو فرص العمل هناك أفضل من الفرص في الأرياف. هذا ناهيك عن تزايد الصعوبات أمام الهجرة إلى البلدان التي كانت تستقبل اللبنانيين في السابق. يضاف إلى ذلك أن البنية الاجتماعية العشائرية جعلت من العسير على أي زعامة سياسية آتية من الخارج أن تصادر مواقع النفوذ التقليدية. لا ينفي ذلك وجود تاريخ للأحزاب السياسية اللبنانية في منطقة البقاع الشمالي، لكن الأحزاب تلك تعايشت وتتعايش مع العشائر من دون أن تفلح في استبدالها، على النحو الذي حصل في جنوب لبنان أو في الجبل، على سبيل المثال.وبغض النظر عن عدد من الأفراد الذين طوروا أثناء إقامتهم أو دراستهم في المدن انتماءات سياسية وإيديولوجية مفارقة لانتماءات عشائرهم، فإن الولاءات السياسية كانت تمنح من الجماعة أو من بعض فروعها، إلى حزب أو تنظيم، منحا يراعي «المصالح العليا» للعشيرة، حتى أن أكثر الأحزاب تمسكا بأهداب الحداثة والأفكار التقدمية والثورية، كان لا يمانع في ضم عائلات وقرى بأسرها إلى صفوفه من خلال استمالة الوجهاء التقليديين، وفي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، كان يجوز الحديث عن عشائر شيوعية وفروع من قبائل تغلب عليها الولاءات القومية السورية وأخرى البعثية أو الناصرية. الممارسة ذاتها ورثها اليوم «حزب الله»، من دون إدخال تعديلات كبيرة.ترك هذا الواقع خيارات قليلة أمام البقاعيين، فكثير من شبابهم يبدو كجيش من اليائسين الذين تدفعهم صروف الحياة وظروفها إلى السير في معارج خطيرة.من المهم التأكيد على أن الظروف المذكورة، لا يمكن أن تبرر الاعتداء على القوات المسلحة، فالعديد من المناطق اللبنانية، كتلك التي جاء منها ضحايا الجيش في الهجوم- أي شمال لبنان- لا تقل فقرا عن مناطق البقاع، لكن العنصر الحاسم في هذه المسألة يتعلق بتراكم جملة من المشكلات التي لم تُعالج أو التي استُغِلت لأغراضٍ مختلفة، على مدى عقود من الزمن، فكانت النتيجة ما جرى في البقاع قبل أيام.يقود هذا الكلام إلى التمعن في حقيقة تجاور بُنى اجتماعية شديدة الاختلاف في بيئة جغرافية وسياسية ضيقة، ما يفرض المزيد من الصعوبات أمام أي مشروع لبناء مؤسسات جامعة وعابرة للانقسامات التقليدية، وفي قمتها الدولة، بمعناها الحديث، التي يجب عليها في بلداننا أن تجد علاجات لظواهر قديمة من قدم التاريخ، من دون نجاح باهر، حتى الآن. * كاتب لبناني كتاب الجريدة يردون على تعليقات القراء
مقالات
لا ابتهاج مع الثأر
18-04-2009