تعيش الشاعرة السورية لينا الطيبي تمرّدها داخل قصائدها، لذا تجعلها مفتوحة على آفاق لانهائية، فلا يستطيع القارئ فهم دلالات القصيدة إلا بعد أن يتعمّق فيها ويتأمّل برموزها.
في حوار مع «الجريدة»، تتحدث الطيبي عن تجربتها الشعرية وعن استشرافها لآفاق الشعر اليوم وعن علاقة الشعر والموسيقى من خلال تجربة زواجها من المؤلف الموسيقي العراقي وعازف العود نصير شما. يبرز في كتاباتك التمرّد ولا تريدين لقصائدك أن تكون لها حدود نهائية معروفة، لماذا؟لا أعتقد أن هناك شاعرًا معنيًّا بما يكتب يحب أن تكون لقصائده حدود نهائية معروفة، لأنها تقتل فكرة أي إبداع بالمطلق، فكيف الحال مع الشعر. قلتِ في شعرك إنك عنيدة مع الحياة، تهزّيها وترفضين أن تهزّك، فهل انتصرتِ عليها؟هل قلت فعلا إنني عنيدة مع الحياة! لا أدري. ما أعرفه أنني أهزّ الحياة رغبة في إيقاظها، لكنني غير قادرة أبدًا على منعها من هزّي. لست في معركة معها، لو انتصرت عليها يعني أني خسرتها، ولو انتصرت هي عليّ يعني أني خسرت نفسي. لا أفكر في الحياة من منطلق الربح والخسارة، أو من هو أقوى من الآخر. بالتأكيد الحياة أقوى من الإنسان في المطلق، ولا أؤمن بزمن الأفلام الهوليوودية التي تجعل البطل، بكبسة زر من ريموت كونترول، يسحق الأعداء ويفتح النوافذ المغلقة.أحيانا من خلال ابتسامة صباحية صغيرة عابرة، ربما أفكّر للحظات أنني ربحت كثيرًا من الحياة، وأحيانا في حلم يقظة مقيم، أقطف علاوات كثيرة ليس بوسع العالم أن يمنحها لي وأنا بعينين مفتوحتين، على الرغم من شعوري بأنني أستحقها عن جدارة.لم أنتصر على الحياة، ولم تنتصر عليّ. بإمكانها أن تستمر من دوني، أما أنا فلا أستطيع أن أكون من دونها.كيف تأثرت حالتك الشعرية بتغرّبك في البلدان المختلفة؟ليس للمكان عندي أهمية خاصة، لا أنفعل بالأماكن ولا بالطبيعة. الطبيعة الأجمل هي تلك التي أرسمها وأنا مغمضة العينين، وربما لهذا لست مشغولة بفكرة الانتقال من مدينة إلى أخرى.قد يمنحنا التنقّل من بلد إلى آخر فرصة التعرف إلى شعوب مختلفة تشبهنا في أمور وتختلف عنا في أمور أخرى. كذلك قد يمنحنا معارف جديدة تظهر في أفعالنا أو كتاباتنا.أعيش في مكان واحد لم أغادره منذ ولدت حتى الآن، هذا المكان هو غرفة صغيرة بحجم العالم كله، تتسع لتضم بين جناحيها كل جماليات العالم وتستبعد بأنانية قسوته ورعونته، هذا هو المكان الحقيقي والفعلي الذي أقيم فيه، ربما بإمكاني أن أقول إن هذا المكان فيه جغرافيا تضم بلدانا كثيرة لم أزرها في الواقع أبدا، هو كون أنتقل فيه وأنا جالسة على كرسي صغير إلى العالم كله، أجول حول الكرة الأرضية في دقائق من الصمت.في بعض قصائدك نشعر بعمق إحساسك الصوفي، هل هناك حالة نفسية معينة تسيطر عليك وتدفعك إلى هذا الإحساس؟أعتقد أن غالبية ما نصنفهم في إطار الصوفية أو تحت مشهدها الشعري قد لا ينتمون إليها بالمعنى الفكري، إنما ينضوون تحت لغتها. ليس التصوف حالة كتابة مجردة إنما هو سلوك عيش كامل، في زمن حوكمت فيه رابعة العدوية وابن عربي والحلاج لأنهم جسدوا الذات الإلهية بصفة الحبيب، كان الحبيب هو الله. أما اليوم يتسم الشعر الذي ينشر على الصعيد العربي تحت عنوان الصوفية بحالة معاكسة تمامًا، فالحبيب يختبئ ويتوارى تحت ظلال التصوّف كي لا تفتضح صفاته.أستطيع القول إنني ربيت في الشعر ذائقتي الثقافية على إبداعات المتصوفة وأمامهم النفري، بالتالي تغلغلت مفردات المتصوفة والعارفين في كياني المعرفي والشعري وتظهر أحيانا في بعض قصائدي. كذلك أستطيع القول إنني أكبح تلك اللغة في قصائدي لسبب نفسي ربما، أو لأنني كشخص أعيش على المفترق في تجربتي الحياتية بين غاية التصوّف ومتعة البقاء في قلب الحياة، أو ما يخيّل لي بأنه مغرٍ، وقد يكون مجرد زبد يطفح فوق كوب من الماء. لدي هذا الصراع في نفسي، وهو صراع غير محسوم، بالتالي قد يظهر في الشعر بهذه الصورة أو تلك.كتبت عن قضية الأنثى في شعرك واحتجَّيت ضد الآخر واتهمتيه بتقييد حرّيتك، هل ترين أن المرأة ما زالت مقيدة؟لا أعتقد أن للأنثى قضية منفصلة عن قضية المجتمع ولا أحتجّ ضد الآخر. لم أقل يومًا إن هناك من قيّد حريتي، لو حدث ذلك لما وجدتني الآن أكتب وأشارك في الحياة الأدبية.ثمة نساء مقيّدات بأغلال كثيرة، منها قيود تضعها المرأة على نفسها عندما تصبح مستعبدة للغة الإعلام التي تريدها دمية ناعمة الملمس مصبوغة بالألوان والأزياء، ومنها سلطة أحيانا تقيد، ليست دائمًا هي سلطة الأب أو الزوج أو الأخ، أحيانا تكون سلطة أم تغرس الأغلال في رأس ابنتها.بغض النظر عن ذلك كله، ليست المسألة رجلا وامرأة، إنما مسألة مجتمع كامل يمارس كل من فيه سطوته على الآخر تبعًا لقدرته، قد تبدو المرأة حلقة ضعيفة في مجتمعنا، لكن ليست كل امرأة ضعيفة، الضعيفة وحدها تلك التي لم تعلّم عقلها وتفتحه على مدارك الثقافة والفهم.في تصريحات لك قلت إنك لا تستطيعين الفصل بين التجربة مع الكتابة والتجربة مع المخيّلة، لماذا؟كلاهما يعيشان في داخلي، الكتابة تشكلني والمخيلة كذلك. لو سألتني أن أصف لك نفسي لقلت لك إني كائن كاتب لا علاقة له بالشفوية. عندما أتحدث، أقدّم نفسي بطريقة خاطئة أحيانًا، كائن ببساطة لا يحسن العيش إلا وسط المفردات، تلك الحالة هي الأقرب إلى كياني، أما المخيلة فشكلت جزءا كبيرا من وعيي وخبرتي الحياتية، لأنني بطبيعتي البسيطة أميل إلى ما هو مغلق عن الخارج مفتوح على الداخل الأكثر ثراء، لأنه باحتمالاته المتعددة يفتح أبواب الدنيا مجتمعة، فيما الخارج لا يستطيع أن يمنحك إلا نفسه ومكانه الضيق.من 1988 إلى 2008، ألا ترين أن أربعة دواوين عدد قليل بالنسبة إلى شاعرة مثلك؟لا تعني الإصدارات الشعرية ما تكتبه أنت فعليًّا. ترتبط المسألة عندي بالكسل، قد أكون نشيطة في كل شيء إلا في كتاباتي. أكتب كثيرًا، لدي مشاريع مؤجّلة دائمًا، لكن أن أرسم تفاصيل ديوان جديد لأصدره، يبدو لي أمًرا أصعب من كل أمور حياتي الأخرى.لدي قناعة دائمة تعطّلني، أريد أن أشعر بأنني أقدّم جديدًا، بأني لا أكرر تجربتي، أحب أن يكون إصداري لديوان شعري بحد ذاته حدثًا مهمًّا، ليس المهم عندي كيف يستقبله الآخرون وأين يضعونه، المهم أن أرى أنا هذا الشيء وأشعر به، فالأهم هو أن ترضى أنت تحديدًا عمّا قدمته.كيف ترين جيلك الشعري الآن؟لا أعترف بفكرة المجايلة الشعرية، أنتمي إلى ذائقات شعرية لا ترتبط بأي جيل، إلى تجارب شعرية قد تكون سبقتني في التجربة أو جاءت لاحقة.ربما يكون المشهد الشعري المسيطر حينما بدأت بنشر أولى قصائدي أكثر انتماء لقصيدة النثر كخيار جمالي، وأكثر اهتمامًا بالتفاصيل الصغيرة المهملة. حقيقةً، لا أستطيع تمييز تجربة جيل بناءً على مسيرة واحدة، كانت الخيارات الأسلوبية والشعرية كلها تقريبا موجودة، وما زالت. عندما أنظر الآن إلى الأصوات الشعرية التي نشرت في الفترة التي نشرت فيها أولى كتاباتي، أجدها أصبحت متفرقة، ليست كما كان الشعراء في عقود مضت، كانوا يتبنون قضية وذائقة ويؤسسون لأفكارهم بسبل نقدية وشعرية عدة. الآن ليس لدينا ملامح جيل، لأن الأصوات تفرقت كثيرا، ويميل الشعراء إلى الفردية، لم يعد هناك ملمح نستطيع أن نقيس عليه.حدّثينا عن ديواني {جغرافيا» و»مقسومة على صفر» اللذين تستعدّين راهنًا لإصدارهما؟{جغرافيا} عمل شعري بدأت بكتابته منذ سنوات، هو قصيدة واحدة طويلة لكنها مقطّعة أيضا، تمامًا كالجغرافيات التي نعيشها داخل ذوانتا في هذا العالم، هو شعر يقارب جغرافيا الحروب التي طالتنا وطالت أرواحنا، وأستطيع القول إنه تسجيل تاريخي للحظة الإنسانية في مواجهة الحروب الداخلية والخارجية، تلك اللحظة التي تغيب عن بال المؤرخ ومسجل الأخبار.أما {مقسومة على صفر} فهو قصائد تنتمي إلى الإنسان بالمطلق، في تقلّب لحظاته وانعكاسات الخارج عليه، أظن أنها تنتمي إلى عالم داخلي تتصارع فيه الدنيا كلها.هل تعكفين راهناً على كتابة قصائد جديدة؟ أعمل الآن على وضع الخطوط الأخيرة لعملي الروائي الأول الذي لم أستقر على عنوان نهائي له، وإن كان مبدئيًّا يحمل عنوان "أنا وإيميلي: مرايا وظلال».كيف ترين الحياة بين شاعرة وملحّن؟الشعر والموسيقى صنوان، الأول يعبر بالكلمات، في حين تعبّر الثانية بالأنغام.أعتقد أن الحياة تمنح إيجابياتها عندما يتوافق الفكر مع الإحساس، ولأني أتقاسم الحياة مع موسيقي مثقّف، هناك الكثير من مناطق اللقاء والاختلاف المثمر أيضا.
توابل - ثقافات
الشاعرة السوريّة لينا الطيبي: الإعلام يخنق المرأة بأساور من حرير!
16-09-2008