تواجه أجهزة الدولة سنوياً خلال عطلة الصيف، نقصاً في عدد موظفيها بمختلف القطاعات الحكومية والهيئات الإدارية، نظراً لخروج الكثيرين منهم للاستمتاع بإجازاتهم السنوية، فهل تؤثر الإجازات في إنجاز معاملات المراجعين وسير العمل، وما البديل لمواجهة هذه المشكلة المزمنة؟الإجازة أحد حقوق الموظف التي كفلها القانون، وفقا لمعظم الأنظمة المعمول بها في كل دول العالم، فالموظف إنسان يحتاج إلى راحة واستجمام، وهو بشر وله طاقة محدودة، فلا يمكن أن يواصل العمل طوال العام من دون أن يستمتع بإجازة يقوم خلالها بتجديد نشاطه والعمل على تفريغ شحنات الضغط التي تراكمت في أثناء عمله، وعادة ما يلجأ معظم الناس إلى الاستمتاع بإجازاتهم خلال موسم الصيف وفي أثناء العطلات الرسمية، وهذا الأمر يعرض كثيراً من الوزارات الحكومية والشركات التجارية لامتحان قاسٍ، يظهر قدرة هذه الجهات للسيطرة على سير العمل، وعدم التأثير في إنجاز المعاملات وخدمة المراجعين، علما بأن ديوان الخدمة رصد 82 ألف طلب إجازة دورية لعطلة هذا الصيف، وأصدر تعميماً إلى الجهات الحكومية بضرورة إبقاء 50 في المئة من الموظفين خلال العطلة الصيفية، حتى لا يتأثر سير العمل.
الإجازة الدوريةالوكيل المساعد للشؤون القانونية في ديوان الخدمة المدنية فيصل الغريب، قال إن الاجازات الدورية حق من حقوق الموظف كفله القانون، تُمنح للراحة والتحرر من أعباء العمل، لكي يعود بعدها الموظف أكثر نشاطاً وأوفر جهداً وانتاجاً لعمله، مؤكداً ضرورة التوفيق عند منح الاجازة، بين المصلحة العامة للعمل والمصلحة الخاصة للموظف، بما لا يؤدي إلى عرقلة سير العمل وتعطيل إنجاز معاملات المراجعين.وأشار الغريب إلى أن المرسوم بالقانون رقم 15 لسنة 1979الصادر بشأن نظام الخدمة المدنية، حدد 35 يوما مدة الإجازة السنوية التي تمنح للموظف، تزيد إلى 45 يوما للموظف الذي قضى في خدمة الدولة مدة لا تقل عن 15 سنة، ولا تدخل أيام العطلات الأسبوعية أو الرسمية في حساب مدة الاجازة، وتصرف خلالها الرواتب المستحقة للموظف كاملة، لافتاً إلى أن قيام الموظف باجازته الدورية في أي وقت خلال السنة مرتبط بموافقة جهة عمله، التي تقرر الرفض أو القبول بما يتفق مع المصلحة العامة، كي لا يتأثر الاداء الوظيفي. أحكام خاصةوقال الغريب إن الاجازة الدورية لموظفي المعاهد والمدارس ولفئات معينة من موظفي وزارة التربية، ضمت أحكاما خاصة لتلك الفئات، نظراً لاختلاف طبيعة أعمالهم عن أعمال موظفي الجهات الحكومية الأخرى، كاشفاً عن آلية جديدة سيتبعها الديوان عند منح الاجازات الدورية لموظفيه، لتنظيم الاجازات الدورية خلال فترة الصيف «يراعي فيها بعض الضوابط، منها أن تقدم طلبات الحصول على هذه الاجازة خلال شهر يونيو، وأن يتم اعداد جدول بهذه الطلبات لدراستها حتى لا تؤثر سلباً على انتظام العمل».وأضاف الغريب «حدد الديوان ألا تقل نسبة المُجازين عن 50 في المئة من مجموع الموظفين في الجهة الادارية والقسم الواحد، ولا يجوز تعديل تلك المواعيد إلا بعد أخذ موافقة المدير المختص، شرط عدم معارضة التعديل مع النسبة المقررة، مبيناً أن الجهات الأخرى لها مطلق الحرية في أن تضع ما تشاء من قيود لضبط منح الاجازات الدورية، طالما تقصد مصلحة العمل».الجوانب الاجتماعيةوأوضح أن المرسوم بالقانون رقم 15 لسنة 1979 الصادر بشأن الخدمة المدنية، لم يتضمن أي نص يحدد نسبة الموظفين الذين يجوز منحهم اجازات دورية خلال فترة الصيف، غير أن الديوان -ولحسن سير العمل به خلال فترة الصيف- يصدر في شهر مايو من كل عام تعميما داخليا يطلب من خلاله تنظيم منح الاجازات الدورية لموظفي الادارات التابعة له، بحيث لا يترتب على منح الاجازات الدورية لهم خلال فترة الصيف ان تقل قوة العمل بأي ادارة عن %50 من قوة العمل الاجمالية، وذلك حتى لا يتضرر سير العمل ويهدر، متمنياً أن تتبع كل الجهات والهيئات الحكومية المختلفة هذا النظام، وأن تصدر مثل هذا التعميم. وكشف الغريب عن «دراسة جديدة يقوم بها الديوان حاليا لتعديل النظام الخاص بالإجازات الدورية لموظفي الدولة»، وأرجع نقص الموظفين في الأجهزة الحكومية خلال أشهر الصيف الى اسباب عدة «أهمها النظام الوظيفي الحالي الذي لا يراعي الجوانب الاجتماعية بين الموظفين والموظفات، الى جانب تصديق بعض المسؤولين على اجازات الموظفين في وقت واحد من دون تنسيق بينهم»، مشددا على أهمية «وجود توازن بين وجود الموظفين، وإلا سيتحمل المسؤول المباشر جزءا من الخلل»، مؤكداً أنه «سيعاد النظر في نظام إجازات الموظفين، بحيث تمنح إجازة لكل موظفي الدولة لا تؤثر في سير العمل وإنجاز معاملات المراجعين، كما هي الحال في الولايات المتحدة ودول أخرى».تنسيق ومتابعة المواطن فيصل العامري (40 عاما) صاحب شركة للهواتف النقالة، رأى أن إنجاز معاملات المواطنين والمقيمين يتأثر سلباً وبوضوح في فصل الصيف، نظراً لخروج عدد كبير من موظفي القطاع الحكومي لقضاء اجازاتهم الصيفية، مشيراً إلى أن هناك بعض الوزارات والهيئات الحكومية عند الذهاب إليها لإنجاز معاملة أو الاستفسار، تكون إجابتهم «انتظر حتى يعود الموظف المسؤول من إجازته»، ما يسبب لنا ضيقاً كبيراً، ويضعنا في مأزق في بعض الاحيان، خصوصا لو كان الموضوع مهماً ولا يحتمل التأجيل أو التأخير.وناشد العامري المسؤولين في القطاعات الحكومية دراسة هذه النقاط، ووضع الحلول المناسبة لها والتأكد من أن الموظف طالب الاجازة أنجز جميع المعاملات المكلف بها قبل خروجه، والتأكد من أن زملاءه في العمل أو من سيأخذ محله مؤقتاً على دراية تامة بكل المعاملات التي لم تُنجز، وأسماء المراجعين المعطلة معاملاتهم، معتبراً أن تطبيق هذه الطريقة سيحل أزمة تعطيل إنجاز المعاملات، ولن يكون لها أي تأثير يذكر طالما هناك تنسيق واضح ومتابعة مستمرة لسير العمل.النشيط والكسول المقيم محمد سليمان (34 عاما) يعمل في مجال تصميم الاعلانات، رأى أن إنجاز معاملات المواطنين والمقيمين قد يتأثر سلباً في حال خروج موظف نشيط من عمله لقضاء إجازته الصيفية، ولكن إن كان هذا الموظف كسولا فحتماً لن يتأثر سير العمل على الاطلاق. وأضاف: يظهر التأثير المباشر في إنجاز معاملات المواطنين والمقيمين بصورة أوضح في الوزارات الخدمية، كالشؤون أو وزارة البلدية والاشغال على سبيل المثال، خصوصا أن هناك بعض المعاملات تحتاج إلى موظفين أصحاب كفاءة واكثر خبرة ودراية ويملكون صلاحيات إدارية أكبر من باقي زملائهم في العمل، كي لا يؤدي غياب البعض إلى تأخير وتأجيل إنجاز المعاملات المختلفة، مناشداً الجهات المعنية ضرورة تنظيم هذه العملية حتى تبقى عجلة العمل دائرة باستمرار من دون توقف.المواطن فهد الهاجري (26 عاما) كان له وجهة نظر معاكسة، فرأى أنه عندما يكون عدد الموظفين، تظهر الاتكالية بصورة واضحة بين الموظفين، ويعتمد كل موظف على زميله في العمل لإنجاز المعاملات، ولكن في حال خروج بعض الموظفين في اجازة، تجد البقية منهم يحاولون على قدر الامكان الاسراع في انجاز المعاملات حتى لا تتراكم عليهم، ولكي لا يتعرضوا إلى المساءلة من قبل رؤسائهم، وأضاف: أعتقد أنه لا توجد أي تأثيرات سلبية في إنجاز معاملات المواطن والمقيم، طالما أن الموظف المسؤول يشعر بالمسؤولية ويقدر اهمية وضعه الوظيفي.القطاع الخاص إبراهيم العشري (33 عاما) موظف في إحدى مؤسسات القطاع الخاص، رأى أن انجاز معاملات المراجعين «لا يتأثر مطلقاً داخل مؤسسات القطاع الخاص في أثناء خروج بعض الموظفين لقضاء اجازاتهم، سواء في فصل الصيف أو في الايام العادية، نظراً للاستعدادات والجداول الزمنية التي تضعها الادارات المسؤولة عن شركات القطاع الخاص، والتي يتحدد من خلالها مواعيد اجازات كل موظف ومن البديل عنه الذي سيحل محله لحين عودته من إجازته». وقال: «لا أتأثر مطلقاً في حال خروج زميل لي لقضاء اجازته، وأضع هذه الامور في الاعتبار، عن طريق وضع برنامج أستطيع من خلاله إنجاز معاملات المراجعين من دون أي تأخير يذكر، وأعتبر أنه لو تحامل الموظفون قليلاً على أنفسهم، في أثناء خروج زملائهم لقضاء إجازاتهم، فلن يشعر المراجعون بأي تأثير سلبي في سير العمل وستسير الامور بشكل طبيعي».الموظف... والدور الوظيفيأحمد البلوشي (29 عاما)، موظف في إحدى الوزارات الحكومية، اعتبر أنه «ليس من الضروري أن يكون السبب الرئيس في تأخير إنجاز معاملات المواطنين والمقيمين هو خروج بعض الموظفين لقضاء إجازاتهم الصيفية، لان تأخير إنجاز المعاملات من عدمه يتوقف على الموظف نفسه ومدى حرصه على إنجاز معاملات المراجعين، لافتاً إلى أن تأخير إنجاز المعاملات غير مرتبط بالاجازات، لان التأخير قد يكون في الاوقات العادية التي يوجد فيها معظم الموظفين في عملهم»،وأضاف البلوشي «طالما الموظف يقوم بعملة باخلاص ويشعر بأهمية دوره الوظيفي، فحتماً لن يكون هناك أي تأخير، ربما يكون هناك بعض الضغوط على الموظف في بعض الاحيان، ولكن يستطيع التغلب عليها طالما أنه نظم وقته بطريقة صحيحة لحين عودة زملائه من الاجازة، وفي هذه الحال لن يكون هناك أي تأثير في سير العمل أو إنجاز المعاملات».أين الخطأ؟ ما يحدث في كثير من الوزارات والهيئات الحكومية عكس ما يحدث في القطاع الخاص تماماً، فالعبارة السائدة خلال هذه الفترة أن «الموظف في إجازة» وهي تعني تعطل كثير من المعاملات وتأخير الخدمات وتذمر المراجعين، غير أن الخطأ ليس من الموظف، فهو يستمتع بحق من حقوقه، لكن الخطأ تتحمله الإدارة، التي لم تسعَ الى تنظيم الإجازات بين الموظفين، ولم توفر البديل، بل لم تقُم بتحديد المهام والعُهَد التي كانت مع الموظف صاحب الاجازة.ويبدو إنجاز المعاملات في أثناء الصيف في بعض الجهات الحكومية من المستحيلات، فبعض هذه الجهات بطبيعتها يؤخر إنجاز المعاملات في المواسم العادية، فما بالك في موسم الإجازات الذي يقل فيه عدد الموظفين، وبالتالي فإن كثيرا من المراجعين يفضلون أن تكون مراجعتهم لمعاملاتهم بعد موسم الصيف، ومن ثم سيدخل شهر رمضان، حيث تقل ساعات العمل وبطبيعة الحال الإنتاجية، ما يعني أن كثيرا من المعاملات ستنتظر الى أجل غير مسمى!
تحقيقات ودراسات - تحقيقات
الإجازات الصيفية...تعرقل سير العمل وتعطل معاملات المراجعين 82 ألف طلب إجازة دورية في الصيف الجاري
17-08-2008