على بعد سبعة كيلومترات جنوب الدائرة القطبية الشمالية، تبدو السماء صباحاً مخططة بألوان برتقالية، فيما تخترق الأنهر المتجمّدة سهل شبه جزيرة سيوارد (ألاسكا) مشكّلةً بحيرات واسعة. وعلى بركة ساكنة تلفحها الرياح، تجرف امرأة الثلج عن الجليد، وهي تتصبب عرقاً وتلهث. بعدئذ تتوقف هذه الشابة ذات الشعر الأحمر المتجعّد، وتسجّل معلومات على عجل، وتلتقط صورةً، من ثم تأخذ بيدها عصا معدنية ثقيلة وتغرزها في فقاعات بيضاء في الجليد الأسود السميك.

Ad

إنها كايتي والتر، إحدى الباحثات في جامعة ألاسكا. حين تخترق العصا سطح الجليد، تنفجر الفقاعات، مطلقةً غاز الميثان الذي يصدر بعض القرقرة. وهو أحد الغازات الدفيئة الخطيرة التي قد تساهم في تسريع عجلة التغير المناخي في أنحاء العالم كافة. أمّا الفقاعات فقد تكون جميلة، لكنها مثيرة للقلق.

حذّر أحد التقارير الصادرة عن برنامج البيئة التابع للأمم المتحدة العام الفائت: «انطلاق غاز الميثان بسبب ذوبان الأراضي دائمة التجمّد في القارة القطبية الشمالية عامل غير متوقع في مسألة الاحتباس الحراري». وخلُص التقرير إلى أن اختراق كميات كبيرة من الغاز الغلاف الجوي قد يؤدي إلى «تغييرات مفاجئة في المناخ، يصعب تداركها».

يفوق تأثير غاز الميثان بـ20 ضعفاً على الأقل تأثير كمية معادلة من ثاني أوكسيد الكربون على الاحتباس الحراري. مع تذويب الحرارة المرتفعة الأراضي الجليدية في القطب الشمالي، قد يُطلق ما مقداره 50 مليار طن متري من الميثان من تحت البحيرات السيبيرية وحدها، بحسب بحث أجرته والتر. ويشكل ذلك عشرة أضعاف الكمية الموجودة في الغلاف الجوي راهناً.

يسطع نجم والتر (32 عاماً)، عالمة في البيئة المائية، من بين آلاف العلماء الذين يبذلون جهوداً مضنية لرصد التغيّر المناخي، وقياسه وتوقّعه. نُشرَت أجزاء من أطروحة الدكتوراه التي قدّمتها حول البحيرات السيبيرية في ثلاث صحف بارزة في عام 2007، Science، Nature وPhilosophical Transactions of the Royal Society.

بحسب إحدى دراساتها، ساهمت انبعاثات الميثان من القطب الشمالي بشكل رئيس في احترار عالمي لفترة من الوقت منذ أكثر من 11 ألف عام. وتعقّب والتر التي تشير إلى انبعاثات غاز الميثان الخطيرة بـ{القنبلة الموقوتة»: «حدث ذلك على نطاق واسع في الماضي، وقد يتكرر على نطاق واسع مستقبلاً».

ازدادت مستويات الميثان في الغلاف الجوي ثلاثة أضعاف منذ مرحلة ما قبل العصر الصناعي. فالنشاطات البشرية بما فيها زراعة الرز، وتربية المواشي، واستخراج المعادن مسؤولة عن نحو 70% من الانبعاثات، بحسب الدراسات الأخيرة. أما الباقي فُيعزى إلى مصادر طبيعية، كالأراضي الرطبة الاستوائية والنمل الأبيض. لكن تلك التقديرات لم تدرج الفقاعات التي كانت والتر تتفحصها في صباح أحد أيام الخريف في شبه جزيرة سيوارد.

قد يغيّر ذلك الغاز المقرقر نموذج توقعات الاحترار العالمي كله. والبحيرات ليست مصدر تدفّق غاز الميثان الوحيد، إذ تبرز أيضاً مداخن مكتشفة حديثاً يتسرّب منها الغاز إلى السطح من المياه الضحلة في الجرف القاري الواسع في سيبيريا لتبطل الافتراضات السابقة.

«حاز عمل والتر اهتماماً واسعاً»، بحسب جون والش، رئيس العلماء في مركز البحوث الدولية في القطب الشمالي في فيربانكز: «وجدت الباحثة أدلةً مباشرة لانبعاثات الميثان في بحيرات تعلو عن سطح البحر كثيراً. وهذا اكتشاف لم يتوصل إليه أحد سابقاً».

في ميدان العلم فيه غامض نوعاً ما، ثمة جانب جذّاب في بحث والتر. إذ تستمتع الأخيرة بإشعال مداخن الميثان بواسطة ولاّعة، وتقفز بعيداً حين ينطلق الغاز بعلو ستة أمتار. «الأمر مسلٍّ ومفيد أيضاً» كما تقول.

خلال جلسة استماع عقدها مجلس الشيوخ في الولايات المتحدة أخيراً، شغّل آل غور شريط فيديو يصوّر الباحثة وهي تشعل إحدى مداخن الميثان. كذلك ظهرت في الأفلام الوثائقية التي بثتها قنوات BBC ،Discovery Channel وHistory Channel.

لكن عملية اكتشاف خفايا غاز الميثان في القطب الشمالي لا تزال في بداياتها. في الأماكن البرية النائية في محمية مضيق بيرنج، نلمس حساً من العجلة لدى والتر وزملائها الباحثين الثلاثة، الذين يجلسون القرفصاء في خيم برتقالية.

تهديد الذوبان

من وقت إلى آخر، تنقل مروحية إمدادات من مدينة نوم الأقرب إليهم، محلقةً فوق قطعان مبعثرة من الإيلة الكبيرة. فترى ثعلباً أحمر يركض مسرعاً بين الشجيرات، وآثاراً لدببة تتراجع كلما تقدّمت المروحية، ما يذكّرنا بأن حقل العلم ليس للجبناء.

تسأل والتر أحد الزوّار وهي تتّجه إلى واحدة من 20 بحيرة تجري أبحاثاً حولها: «هل تستطيع إطلاق النار؟». وعندما بدت لها الإجابة متملّصة، قدّمت له رذاذاً للدببة وأردفت: «لا تستخدمه إلا حين يقف الدب قريباً منك ومواجهاً لك».

ما من مكان يدل على ارتفاع درجات الحرارة في هذا الكوكب أكثر من المناطق القطبية. على مر الأعوام الخمسين الماضية، ارتفعت حرارة القطب الشمالي بسرعة مضاعفة مقارنةً بباقي أجزاء الكرة الأرضية. في الصيف الفائت، وللمرة الأولى في التاريخ المسجَّل، كان الإبحار عبر القطب الشمالي ممكناً. فالطبقات الجليدية في غرينلاند وغرب القطب الشمالي تذوب بسرعة فائقة، فيما الدبب القطبية وحيوانات البطريق مهددة بالانقراض.

على رغم أن الأنهار الجليدية والجليد البحري استحوذت على الاهتمام كله، يتنامى القلق بشأن ذوبان الأراضي دائمة التجمّد. يشار إلى أن 20 % من مساحة الأرض تشهد حالة تجمّد شديدة. لكن العلماء يتوقعون ارتفاعاً محتملاً في حرارة الجو في القطب الشمالي بنسبة ست درجات مئوية مع نهاية القرن. ويُتوقَّع أن يعزز ذلك انبعاث مركبات الكربون من الأراضي.

تختزن طبقة الأراضي دائمة التجمّد العليا والتي يبلغ ارتفاعها ثلاثة أمتار، 1.7 مليون طن متري من الكربون، أي أكثر من ضعف الكمية الموجودة في الغلاف الجوي اليوم، بحسب بحث نُشر في مجلة Bioscience أخيراً.

يشير عالم الفيزياء الأرضية فلاديمير رومانوفسكي في جامعة ألاسكا: «نرى ذوباناً حتى مسافة خمسة أمتار. تشهد ثلث إلى نصف الأراضي الدائمة التجمّد مسبقاً حالة ذوبان من درجة إلى درجة ونصف الدرجة مئوية».

إن انبعث واحد % فقط من الكربون المخزّن في الأراضي الدائمة التجمّد سنوياً، تتضاعف انبعاثات الكربون السنوية الراهنة في الكرة الأرضية، حسبما لاحظ رومانوفسكي. ويحذّر الأخير: «لم يعد في وسعنا تقديم ملاحظات إيجابية لأننا وصلنا إلى نقطة الانقلاب»، مشيراً بذلك إلى عملية تسبّب الاحترار في انبعاثات تولّد بدورها مزيداً من الحرارة، في ظل دورة خارجة عن السيطرة.

ما تقوم به والتر ضروري، وفقاً لرومانوفسكي وغيره، لأن الاحترار العالمي يعتمد جزئياً على معدل كمية ثاني أكسيد الكربون المنبعثة، في مقابل كمية الميثان الذي يحتوي على الكربون والهيدروجين. يتفكك الميثان بسرعة أكبر على رغم أنه غاز دفيئة أكثر خطورة من ثاني أكسيد الكربون. لكن حين تتم تلك العملية، يتأكسد في جزيئة ثاني أكسيد الكربون التي قد تدوم أكثر من قرن في الغلاف الجوي.

بحيرات ومستنقعات

تشرح والتر خلال وجودها على البحيرة: حين تتعفّن المواد العضوية (نباتات وحيوانات ميّتة)، تطلق ثاني أكسيد الكربون. لذا يُتوقَّع أن يُطلق معظم المادة العضوية في الأراضي دائمة التجمّد الذائبة هذا الغاز.

لكن مع ذوبان الجليد داخل الأراضي هذه، تنفتح ثقب بالوعية صغيرة في الأرض وتمتلئ بالمياه، ثم ينضم أحدها إلى الآخر لتشكّل ملايين المستنقعات والبحيرات. فتنزلق المادة العضوية من السواحل المتآكلة إلى قاع البحيرات، حيث تتراكم الجراثيم. ولأن قاع البحيرات خال من الأوكسيجين، تولّد الجراثيم الميثان فضلاً عن ثاني أكسيد الكربون.

«يزداد حجم هذه البحيرات بنحو متر سنوياً في بعض الأماكن»، بحسب والتر التي تستخرج ثلجاً شبه ذائب من حفرة عمقها 15 متراً تقريباً في الجليد، وتدخل فيها جهازاً بلاستيكياً شبيهاً بالمظلّة ومزوّداً بقارورة لجمع الغاز وطوبة معلّقة لإمساكه بشكل مستقيم.

خلال رحلتها إلى شبه جزيرة سيوارد، سارت والتر صعوداً لمسافة تقارب 13 كيلومتراً يومياً من بحيرة إلى أخرى عبر كومات الثلج. فازرقّ وركها نتيجةً لسقوطها مرةً خلال سيرها على الجليد. تقول بابتسامة: «دراسة الميثان عمل شاق».

عند كل مدخنة، تضع والتر علماً أحمر صغيراً كي يتمكّن زملاؤها من إيجاد الفقاعات. لورانس بلاغ، عالم في الفيزياء الأرضية في جامعة دالهاوسي في هاليفاكس، وغيدو غروس، عالم جيولوجيا ألماني وبنجامين جونز، باحث في مركز U.S. Geological Survey، كلهم يساعدونها على جرف الجليد في ممرات مسطّحة، ويدوّنون ملاحظات حول حجم كل مجموعة فقاعات، ويسجّلون الموقع بواسطة أجهزة نظام تحديد المواقع العالمي ويقيسون عمق البحيرات.

في خيمة ضيّقة مخصّصة للأعمال المطبخية، نجد معلبّات من زبدة الفستق وشوكولا نوتيلا وسط خرائط بيانية لأقمار صناعية وكتاب بعنوان Applied Linear Statistical Models. تتدلّى قبّعات وقفّازات متجمّدة من أحد حبال الغسيل. في إحدى الزوايا، يقوم جونز بإعداد الهمبرغر فيما تعمل والتر على تحديد زجاجات الميثان بواسطة قلم وتدخل البيانات في حاسوبها.

تغيير المناخ

على مدى العامين المقبلين، سيتنقّل الباحثون المموَّلون من «مؤسسة العلوم الوطنية» في الولايات المتحدة و{وكالة الفضاء الأميركية» (النازا)، بين سيبيريا وألاسكا. سيعمدون إلى حفر ثقوب في أراضٍ دائمة التجمّد، وتحديد مواقع المداخل، وتحليل البيانات لإنتاج نموذج حول كيفية تأثير غاز الميثان المنبعث من بحيرات القطب الشمالي على المناخ في الأرض.

في مكان آخر، ينظر العلماء بعين القلق إلى غيوم فقاعات الميثان التي تعكّر مياه الجرف القاري السيبيري. يصعب قياس الانبعاثات الصادرة من أراضٍ دائمة التجمّد الواقعة تحت سطح المياه، مقارنةً بتلك المنبعثة من البحيرات.

في الوقت عينه، يجادل الباحثون بشأن احتمال ظهور مداخن من هيدرات الميثان، وهي تشكّلات جليدية تحت الجروف القارية وقاع المحيط، وتحت الأراضي الدائمة التجمّد.

يشدّد والش، من المركز الدولي للبحوث حول القطب الشمالي، على «درجة الشك الكبيرة» بشأن مدى مساهمة انبعاثات الميثان في تغيير المناخ: «ستنبعث كميات هائلة من الميثان على الأرجح. لكنْ ثمة خطر أيضاً من إنذارات توجَّه من دون ضرورة».

بالنسبة إلى كثير من سكّان ألاسكا، ليس ذوبان الأراضي دائمة التجمّد بالخبر الجديد. فالمنازل بصدد الانهيار في أنحاء الولاية كافة، والأشجار تتداعى. يقدّر الباحثون تكلفة تصليح مدارس وطرقات وجسور متضررة بستة مليارات دولار على مدى العقدين المقبلين.

بعيداً عن التشريعات والتجمّعات الديبلوماسية حيث يجري النقاش بشأن سياسة المناخ، تركّز والتر وزملاؤها على ما يسمونه «الحقيقة الأرضية». خارج إطار ذلك العمل الشاق لجمع المعلومات، تضطلع الباحثة بمهمة التعريف بما يجري. في بداية رحلتها الميدانية قادت مجموعةً من التلامذة، من السكّان الأصليين في ألاسكا، إلى الخارج لحفر ثقوب في جليد يغطي أحد الأنهار المجاورة وإشعال غاز الميثان.

وأخبرتهم عن أشخاص يعيشون في مدن بعيدة، يقودون سيارات ويعملون في قطاعات تؤدي إلى انبعاث ثاني أكسيد الكربون، وعن كيفية تسبّب ذلك باحترار بدأت مظاهره تتضح في القطب الشمالي، وعن سبب ذوبان الجليد على رغم عدد الناس الضئيل في ألاسكا.