لو شذّبنا من خطاب السيد حسن نصرالله اللغة التعبوية التي فرضتها مناسبة «يوم المقاومة والتحرير» وضربنا صفحاً عن الإشادات المبالغ فيها بالجنرال البرتقالي والمرفقة بهجمة تقليدية على مسيحيي «14 آذار»، لخرجنا بنتيجة إيجابية قوامها ثلاثة عناصر على الأقل: أولها، التراجع عن خطأ تمجيد «7 أيار». وثانيها، تسريع رد التحية إلى يد وليد جنبلاط الممدودة منذ أشهر طوال. وثالثها، الشعور بضرورة لجم مسلسل الاعتداء السياسي على الرئيس سليمان عبر الإشادة «الموضعية» بدعوته إلى عقد المجلس الأعلى للدفاع.

Ad

وإذ لم تظهر تلك الإيجابيات قبل تقرير «دير شبيغل»، فإن إعلانها على لسان السيد نصرالله في توقيت انتخابي غير مناسب لحليفه الجنرال الذي يبني حملته الانتخابية الشعواء على التجريح بتيار المستقبل وجنبلاط وكتلة الرئيس المفترضة على السواء، دليل إلى إدراك «حزب الله» لخطورة هذا التقرير وشعوره بضرورة إعادة تركيب مظلة أمان واسعة تقيه من الاستهداف وتحول دون فتنة سُنيّة– شيعية لا تنفع معها، إن وقعت، أكثرية برلمانية يتوق إليها أحمدي نجاد أو مقاعد إضافية يجنيها «جنرال الصراخ» المغرّد تحت «يافطة» محاربة الفساد وقطع نسل العائلات.

تبعث طريقة تعامل كل القوى السياسية مع تقرير «دير شبيغل» بصيصاً من ضوء في هذا المشهد المُكفهرّ الذي ترسمه الانتخابات وتلوّثه الخطابات الفالتة من أي عقال. لكن الحذر إزاء التقرير، والتحذير من أن يتحول «بوسطة عين الرمانة» جديدة (التي دشّنت حروب لبنان)، والانفتاح المفاجئ للسيد نصرالله، لا تكفي لنزع نهائي للفتيل وللتأسيس لتسوية ملحّة تحصن لبنان إزاء أي تقرير آخر يتجاوز قدرة التركيبة الهشة على الاحتمال.

ليس بريئاً توقيت التقرير. ولن يكون بريئاً في أي وقت من الأوقات، وربما من «محاسن الصدف» وقوعه قبيل الانتخابات التي قُطعت تعهدات محلية وإقليمية في شأن إجرائها بسلام، فأطفئ في مهده وتمَّ احتواؤه بالتهيب أو الصمت أو التشكيك أو الرفض. وإذا كانت الحكمة السياسية اقتضت اليوم عدم استخدامه في السجال الانتخابي، فإن ذلك لا يعني عدم إخراجه من الأدراج إن استمر خطاب التخوين ووصل التنازع الداخلي إلى حد يستلزم وسائل استنفار. وهو أمر يرتِّب على «حزب الله» وحلفائه وعلى خصومه في آن معاً مسؤولية الانتقال من التهدئة النسبية التي بدأها السيد نصرالله إلى التسوية الحقيقية الكاملة كون أي استغلال لهذا النوع من التقارير يضع لبنان في مهب مجموعة من «البوسطات».

تبدو الانتخابات مسألة تفصيلية إذا قيست بالانعكاسات الممكنة لتقارير مشابهة، ويظهر كلام أحمدي نجاد عن تغيير وجه المنطقة إن ربحت «8 آذار» مثيراً للشفقة على حالنا وحاله في آن. فهذا القدر من المخاطر لا يقاس بمقاعد وأكثريات وأقليات بل يتطلب وحدة وطنية كاملة لا يمكن تحققها إلا بتقديم التنازلات المتبادلة وقطع دابر التدخلات الخارجية والتوافق على المصلحة العليا لدولة لبنان. وتقع على «حزب الله» المسؤولية الأولى في الدفع نحو تسوية تلغي احتمالات وضع لبنان على شفير الحروب كلما اتُخذ قرار سياسي أو نُشر تقرير أو اختلف شابان من مذهبين مختلفين. فالحزب لا يستطيع الإفراط في امتلاك القوة دون إثارة الخوف لدى الآخرين، ولا الاعتزاز بكمية سلاحه والسير بمشروع دولته دون توتير سائر اللبنانيين، ولا الذهاب إلى الحد الأقصى من طموحاته المحلية وتحالفاته الإقليمية من غير ان يعرِّض السلم الأهلي، ولا تحمُّل تهمة قتل زعيم سُني بحجم الرئيس الحريري. وإذا سلّمنا بمنطقه القائل بتعرضه للاستهداف وتشويه الصورة بدءاً من تكبير حجم «خلية مصر» وصولاً إلى فبركة تقرير «دير شبيغل» لتلصق به تهمة «الاغتيال الكبير»، فإن هذا المنطق نفسه هو الذي يجب أن يحضّه على نقلة نوعية في التعامل مع الوضع اللبناني تكون بمنزلة «عملية استباقية» تحصِّن الوحدة اللبنانية إزاء أي تطورات في المحكمة بغض النظر عن مضمون الاتهام وتعيد إليه صورته التي رسمها في «يوم التحرير».

يستطيع السيد نصرالله استكمال إيجابيات الخطاب بهذه النقلة التي لن تتحقق إلا بتبريد الخطاب السياسي وتنقيته من التخوين الاستفزازي في ما تبقى من أيام فاصلة عن الانتخابات، ثم تسهيل حكومة وحدة وطنية تضم الجميع ويكون لرئيس الجمهورية دور وازن فيها بوصفه مرجعاً للحسم وليس «حَكَم خط» بين متبارين.

إنها خطوات ضرورية تتناسب مع خطورة ما قاله نصرالله في «خطاب التحرير»، ومن النوع «الاستباقي» الصحيح الذي يصب في مصلحة الوفاق الحقيقي، بل إنها مهمة عاجلة للتحصين، لأن تقرير «دير شبيغل» يمكن فعلاً أن يكون «رأس جبل الجليد» للغم أُعد للانفجار بالجميع.