تفيد الدراسات بأنّ 71% من الناس في العالم يضعون ألم الظهر على رأس قائمة مشاكلهم الصحيّة. السبب واضح، إذ يعاني شخص على اثنين من ألم دائم في الظهر. وهذه المشكلة من أهم أسباب التوقف عن العمل لدى أشخاص تحت سن الخامسة والأربعين... ضغوط جسديّة، وضعيات جسم خاطئة، عمل كثير، توتّر كبير... الأسباب معروفة، لكن من الصعب تفاديها. لمعالجة الألم، نأخذ عادةً مسكّناً ونستشير الأطباء.

يقصد 12 مليون شخص منّا سنويّاً طبيب عظام خاص أو مقوِّم عظام. لكن لا بدّ من التنبّه إلى أنّ العلاجات اليدويّة دخلت في صُلب عاداتنا وأصبحت جزءاً من العناية بالنفس. كيف نستفيد من تلك العلاجات؟ إلى من يجب اللجوء، متى وكيف؟

Ad

هل من مخاطر حولنا؟

هل ألم الظهر وباء؟ يمكن اعتباره كذلك إذا ما نظرنا إلى الأرقام التي أوردها المعهد الوطني للوقاية والثقافة الصحية في فرنسا، إذ يعاني شخص على اثنين من هذه المشكلة. أصبحت آلام الظهر السبب الأول للإصابة بعجز صحيّ تحت سن الخامسة وأربعين، والثاني الذي يدفع الناس إلى استشارة الطبيب.

من بين أكثر الأوجاع شيوعاً، ألم القطن (أوجاع تصيب أسفل الظهر)، وهو يشكّل 80% من الحالات، يليه ألم العنق وألم الظهر الذي يصيب تحديداً منتصف الظهر. غالباً ما تكون الأوجاع جسديّة. ولحسن الحظ، تبقى الأضرار والكسور العظميّة قليلة نسبيّاً.

وضعيّات جسم خاطئة، أحمال ثقيلة، قلّة حركة

من هم الأكثر عرضةً؟ النساء، إذ تعاني 36% منهنّ من أوجاع دائمة في الظهر. وفقاً لأحد الاختصاصيّين في إعادة التأهيل، تتعدّد أسباب ذلك. بما أنّ الجهاز العضليّ في منطقة العنق لدى النساء أضعف مما هو عليه لدى الرجال، تنشأ آلام شديدة في الرأس؛ يؤدي التوتّر النفسي الذي تتعرّض له النساء، الأكثر حسّاسيّة من الرجال، إلى انقباضات وتشنّجات عضليّة؛ تؤدي الهرمونات دوراً في هذا المجال أيضاً مع اقتراب الدورة الشهرية، إذ تشعر امرأة من ثلاثة بألم في أسفل الظهر؛ كذلك يؤثّر الحمل على المرأة لأنّ وزن الطفل يصبح ثقيلاً على منطقة أسفل الظهر ابتداءً من الشهر السادس.

يطرح بعض المهن أيضاً مخاطر عدّة في هذا المجال: العاملون في المستشفيات، في قطاع النقل، في مجال البناء والأشغال العامّة، كونهم يتعرّضون لجهد جسديّ، بالإضافة إلى العاملين في قطاع الخدمات لأنهم قليلو الحركة. ينتج ألم الظهر، في تسع حالات على عشر، من جهود ميكانيكيّة كحمل الأشياء الثقيلة، والتواجد في وضعيّة سيّئة أثناء الجلوس وراء المكتب أو في السيارة. يفسّر الخبراء أنّ ألم الظهر، في عدد قليل من الحالات، قد يكشف عن مرض حقيقيّ كالالتهابات، داء المفاصل، أو أيّ نوع من الأورام.

أدوية مسكِّنة للوجع

أول ما يفكّر به المرضى هو استشارة طبيبهم الخاص. وفقاً للأطباء، يُشفى ألم الظهر تلقائياً خلال أسابيع في الحالات العاديّة. لكنّ المرضى عموماً يقصدون الطبيب بعد يومين أو ثلاثة من شعورهم بالألم. لكن إذا كان الألم فظيعاً ولا يُحتمل، لا حاجة إلى الانتظار. بعد إجراء تحاليل مُطَوَّلة عن أسباب الألم والقيام بفحص عياديّ، يقرّر الطبيب إذا كان ضروريّاً إجراء صور أشعّة أو أنّ الأمر يقتصر على ألم عابر. وعند الحاجة، يصف مسكّناً لتخفيف الألم ومهّدّئات لإرخاء العضلات.

إذا لم يكن ألم الظهر شديداً، يُفترض أن يعود كلّ شيء إلى وضعه الطبيعيّ خلال أسبوع. في غضون ذلك، لا داعٍ لمُلازمة السرير! يوصي الاختصاصيّون اليوم بالمحافظة على النشاط والحركة بقدر ما يسمح الألم بذلك، وباستعادة النشاطات اليوميّة المُعتادة، المهنيّة منها والترفيهيّة.

لكن بالنسبة إلى 5 - 10% من المرضى، لا تنفع هذه العلاجات: لا تتوقّف الأوجاع وتبدو استعادة النشاط أمراً مستحيلاً. إذا استمرّ الألم أكثر من أربعة أو ستّة أسابيع، ما يمنعهم من العودة إلى العمل، وإذا لم يتجاوب المريض مع العلاج وازدادت حالته سوءاً، لا بدّ من التفكير بالخضوع للجراحة.

شهادات

خالد، 34 عاماً، عامل في مخزن: «جرّبتُ كلّ شيء!»

«لم أعد أفعل شيئاً! منذ حادث السير الذي تعرّضت له، منذ 12 عاماً، تناولت أقراصاً كثيرة. سئمتُ من ذلك! جرّبتُ كلّ شيء، التدليك، تجبير العظام، لكني لم أقصد مراكز غير مرخّصة! بما أنّي أعمل في مجال توزيع الحمولات، أمضي يومي في نقل الصناديق، وأشعر بألم دائم في ظهري. ثني الركبتين أصعب ممّا يبدو!».

غنوة، 64 عاماً، متقاعدة: «أمارس السباحة بانتظام».

«أمارس التمارين الرياضيّة التي تعلّمتها في معهد خاص بالعناية بالظهر في مركز العلاج بالماء. أذهب للسباحة دائماً وأحرص على فعل ذلك على ظهري. أنتبه إلى وضعيّات جسمي وأرتدي مشدّاً حين أعمل أمام الحاسوب أو حين أسافر في القطار لساعات طويلة. في حال شعرتُ بالألم، أقصد مقوّم العظام لأحصل على التدليك.»

سعود، 57 عاماً، طبيب صحّة عامّة: «أنتبه إلى ما أرتديه».

«من الأمور الفاعلة لمكافحة ألم الظهر، وضع ضمادات ساخنة على مكان الوجع من دون أن أحرق نفسي! كنتُ أفعل ذلك إلى أن فسّر لي أحد الاختصاصيين في وضعيّات الجسم أنّ الألم قد ينجم عن اختلالات صغيرة. نصحني بنزع ساعتي، ففعلت. ومن حينها، أشعر بتحسّن كبير. أنتبه إلى ما أرتديه، لذلك أحمل معي دوماً حقيبة ظهر.»

فاطمة، 50 عاماً، مسؤولة في قسم العلاقات العامّة: «أقصد مقوّم العظام مرّة سنوياً».

«أقصد مقوّم العظام مرّة سنويّاً، لأنّ ألم ظهري يشتدّ حين أجهد نفسي بالعمل. أخصّص دائماً جلسة لتجبير العظام أو للتدليك. يلزمني قليل من الوقت لأشعر بتحسّن، من ثمانية إلى عشرة أيّام. لكن بعد ذلك، أستعيد نشاطي وأشعر بتحسّن طوال أيام السنة».

رأي الخبراء

«على الطفل ألا يحمل ما يفوق 10% من وزنه».

آلام الظهر شائعة عند الأطفال بقدر ما هي شائعة عند البالغين: فهم يُصابون باختلالات في الغضروف ما بين الفقرات ويشعرون بتشنّجات عضليّة، فيرتعشون من الألم.

ما سبب ذلك؟ الأحمال الثقيلة على ظهورهم والمدّة الطويلة التي يمضونها وهم جالسون، تحديداً إذا جلسوا في وضعيّة سيّئة. على الطفل ألا يحمل ما يفوق 10% من وزنه. لكنّ وزن حقائب المدرسة تفوق هذا القدر في غالبية الأحيان.

يضطرّ الطفل إلى الانحناء أو تقويس ظهره ليتكيّف مع ما يحمله. كذلك، يمضي ساعات طويلة وهو جالس في المدرسة أو أمام الحاسوب أو التلفاز في المنزل. تمنع هذه الوضعيّة الجامدة استقامة الظهر وتؤدي إلى ارتخاء العضلات. ما هي الخطوات التي يمكن أن يعتمدها الأهل لتفادي مشاكل مماثلة؟ يجب إيلاء اهتمام كبير إلى التمارين الجسديّة. تساهم التمارين الرياضيّة المنتظمة في شدّ عضلات الظهر وفي إدراك حاجات الجسم. أخيراً، توفير مكتب مُصمّم مع مقعد يُعدَّل في الطول، حسب الحاجة، وطاولة مُنْحَنية، يساعد الطفل في المحافظة على وضعيّة سليمة. كذلك تتيح زيارة عائلية سنويّة إلى المدلّك تعلّم طريقة الجلوس الصحيحة.

وقائع

• 60% من العمّال يشتكون من ألم الظهر.

سبب ظهور هذه الأوجاع الرئيس، هندسة المكاتب السيّئة في مراكز العمل. الجلوس طوال اليوم من دون حركة أمام الحاسوب، على مقاعد غير مريحة، أو مكتب على علوّ غير مناسب، مع رأس مرفوع نحو الشاشة، كلّها وضعيّات تؤدي إلى ألم في الظهر. كذلك يؤدّي حمل الأوزان الثقيلة، لا سيّما إذا كانت الطريقة المعتمدة سيّئة، إلى آلام في الظهر، لأنّ الوزن الثقيل يضغط على منتصف الغضروف ما بين الفقرات. تستنزف هذه الحركات المكرّرة مكوّنات العمود الفقريّ على مرّ السنين. لا ننسَ أنّ التوتّر النفسي يؤدي إلى تشنّجات عضليّة قد تتجمّع في أسفل الظهر وتسبّب أوجاعاً.

• هل سبب شائع للتوقّف عن العمل؟

نعم، يشكّل ألم الظهر راهناً السبب الأوّل للتوقف عن العمل ولحوادث العمل، والسبب الثالث للأمراض المهنيّة. تتجاوز هذه المشكلة حدود بلادنا، إذ يعاني أكثر من ربع العاملين في شتّى البلدان من ألم في الظهر.

• ماذا عن العلاج؟

الوقاية أمر جوهريّ في المؤسسات، نظراً إلى أثرها على الصعيدين الإنساني والاقتصادي. لذلك، تُعتبر هندسة مكاتب العمل أمراً أساسياً. يجب تقليل أعمال نقل البضائع يدوياً إلى أدنى حدّ، اللجوء إلى الآلات للحدّ من الجهود الجسديّة واختصار المسافات التي يجب قطعها لنقل الحمولات، إعداد جلسات دوريّة خاصّة للوقاية من المخاطر في المؤسسات، وتقديم النصائح إلى العمّال الذين يقومون بجهود جسديّة. أخيراً، يجب التشديد على أهميّة إدارة التوتّر النفسي: تقلّ أوجاع الظهر حين يتلقّى العمّال دعماً اجتماعياً في العمل.

العلاج بالحركة، فاعليّة مُثبتة!

ثبتت فاعليّة هذا العلاج للتخلّص من ألم الظهر. إليكم جولة شاملة تعرّفكم على مختلف جوانبه.

يعرف الجميع أنّ التدليك وإعادة التأهيل من التقنيات التي تعالج حالات معيّنة أو أنها مؤلمة جداً. لكن تبقى الطريقة التقليديّة ناقصة. حين تشعرون بألم في الظهر، يعتني المدلّك- المعالِج بالحركة بظهركم. هذا هو المبدأ الأساسيّ. منذ انتشار هذه الطريقة، تطوّرت تقنيّات مختلفة وبات المعالجون بالحركة يتعاملون مع الفرد وألم ظهره بطريقة شاملة.

• الطريقة التقليديّة

- تعريفها: يخفّف هذا العلاج الفيزيائي من أعراض الألم بفضل التدليك وتحريك العضلات.

- طريقة تطبيقها: يساهم العلاج بالحركة، مع ما يرافقه من تمارين طبيّة، وتمارين لشدّ العضلات، وحركات التمطّط والتليين والمرونة، في إعادة شدّ عضلات الظهر وفي تعليمكم كيفيّة المحافظة عليه.

- يُقال عنها: مهنة شبه طبّية.

- من اخترعها؟ أشخاص حائزون على إجازة عليا في التدليك والعلاج بالحركة.

- من تنفع؟ الجميع، بعد استشارة أهل الاختصاص أو بوصفة طبيّة. تُعتمد لمعالجة ألم الظهر، ألم القَطَن، تشنّجات العنق، تشنّجات أسفل الظهر، ألم عرق النسا. تمنع جلسات العلاج بالحركة الإصابة بالتشنّج أثناء القيام بجهد.

- مثاليّة لمعالجة: ألم القَطَن المزمن. الاستعانة بمدلّك ومعالج بالحركة أمر أساسيّ كي لا تنتكس الحالة ولا يصبح ألم الظهر مزمناً.

- فعاليّتها: أقرّت الهيئة العليا للصحة بفاعليّتها في علاج هذه المشاكل.

• طريقة «ميزيير»

- تعريفها: تتعارض هذه الطريقة التي أنشأتها فرانسواز ميزيير عام 1947، مع المبدأ التقليديّ لشدّ العضلات. وفقاً لأحد المعالجين بالحركة، لا تكمن المشكلة في ضعف العضلات بل في تشنّجها الشديد. يشكّل الجهاز العضليّ في الظهر سلسلة من غلافات الأنسجة العضليّة الخلفيّة، يتألّف كلّ عضل فيها من حلقة. حين تتقلّص هذه السلسلة العضليّة، تشوّه الهيكل العظميّ وتسبّب أوجاعاً شديدة. لا بدّ إذاً من تليين العضلات المتشنّجة، المتصلّبة والقصيرة، لتطويلها وجعلها مرنة. إنها تقنية شاملة تعتمد مبدأ «التعويض»: تتمركز المشكلة في منطقة معيّنة من الجسم لكنها تؤثّر على منطقة أخرى بعيدة عن الأولى بعض الشيء.

- طريقة تطبيقها: ترتكز الجلسات على وضعيّات التمطّط أو تقنيات التدليك، وتساهم في التعرّف على حاجات الجسم وممارسة تمارين للتنفّس. تتمثّل آخر مرحلة، حين نشعر بالألم، بانقطاع التنفّس. تدوم كلّ مرحلة ثلاثة أرباع الساعة، علماً أنّ التمارين تبدأ بعد فحص دقيق للحالة.

- يُقال عنها: تدرّب مستمرّ في مجال العلاج بالحركة.

- من اخترعها؟ معالجون بالحركة بعد أن خضعوا لتدريب خاص امتدّ على خمس دورات، طوال عامين.

- من تنفع؟ الجميع إلا الأطفال لأنهم لا يتعاونون مع المعالج كما يجب، وطالما لا يعاني الفرد من أيّ إصابة، أو صدمة، أو مرض سرطاني، أو التهابات. يجب أن يتحلّى الفرد بالقدرة على احتمال عمليّة طويلة الأمد: 20 جلسة على الأقلّ.

- مثاليّة لمعالجة: ألم الظهر الناجم عن الضغط العصبيّ والتشنّجات.

- فاعليّتها: ما من دراسات علميّة في هذا المجال بل ثمة أطروحتان طبّيتان. يشهد لها نجاح العلاج لدى مرضى لم يستفيدوا من أيّ علاج آخر.

- رأي الخبراء فيها: إنها طريقة مثيرة للاهتمام في علاج بعض أنواع آلام الظهر، وبعض أشكال الالتهاب الليفي وأوجاع العمود الفقريّ، حيث تتأثّر المناطق العضويّة بالضغوط المرتبطة بالتوتر النفسي. في مجال تدليك العمود الفقريّ، نوجّه المرضى إلى زملائنا من المعالجين اليدويّين، لكننا لا نعمل إلا مع الأطباء أو المعالجين بالحركة. نحن من يفرض على المرضى الطرف الذي يجب استشارته. لا تغيّر القوانين الجديدة التي تسمح لغير الأطبّاء بممارسة العلاج شيئاً في ممارساتنا وصلاحيّاتنا.