يلخص البعض الازمة المالية العالمية بأنها نقص السيولة والبدء في الدخول في كساد وركود عالمي... وعليه، فهناك رأي فني محلي وعالمي يقول إن دول الخليج -ومن بينها الكويت- ليست في بؤرة الازمة، بل هي على اطرافها... وبالتالي، يجب ان نكون اقل المتضررين منها حيث لا نزال نتمتع بقدر من السيولة نتيجة الى العوائد البترولية رغم انخفاض اسعار البترول، وسنكون ايضا من اول المستفيدين من انتهائها وبدء النمو العالمي، حيث سيتزايد الطلب على النفط وترتفع اسعاره ومعه مداخيلنا، ولذلك فهنالك رأي يقول اننا نحن من ضخمنا وقع هذه الازمة على اقتصادنا ومجتمعنا واصبناهما بهلع نتيجة عدم وجود رؤية حقيقية وفعالة لدى الدولة لإدارة الأزمة.

Ad

وفي الوقت نفسه، لا يمكن تصور ان تعيش الكويت -والخليج بعامة- في معزل عن تداعيات الأزمة المالية الدولية، فالنظام المالي العالمي هو شبكة من القنوات المتصل بعضها ببعض، تمر من خلالها الاموال ذهابا وايابا، وما يحدث في سوق كسوق الولايات المتحدة واوروبا لابد له من تأثير في معظم اقتصادات العالم بدرجة او بأخرى.

أضف الى ذلك، ان اسعار البترول - الذي يكاد يكون مصدر دخلنا القومي الوحيد- تهاوت الآن الى حوالي نصف اسعار يونيو الماضي... جزء كبير -اذن- من دخلنا القومي تبخر في الاشهر الأربعة الماضية، ويعلم الله وحده الى اي مستوى ستتدنى اسعار النفط اذا استمر الاقتصاد العالمي في الانكماش ومعه الطلب على الطاقة، هذا فضلا عن ان المصدر الثاني للدخل -وهو استثمارات الدولة- يتعرض بالفعل للتأثر بسبب ان معظم هذه الاستثمارات موجود في اسواق الدول الصناعية التي تتعرض الآن للانكماش.

والآن، رغم اننا لسنا في نطاق الازمة المالية العالمية فإنها نتيجة الى عدم اتخاذ اجراءات وسياسات فاعلة ادت الى بعض الظواهر والآثار السلبية على المتعاملين، تمثلت في بدء ظهور تفليسات على مستوى الأفراد المتعاملين في البورصة، وبدأت بعض الشركات -ولاسيما التي يتركز نشاطها على التداول في سوق الاوراق المالية- تعاني انهيار الاسعار، ومن الممكن ان يصل هذا التأثير الى السوق العقاري وغيره من الاسواق ان لم يتم تدارك الأمر. وهذا كله حدث ليس لأننا في نطاق الأزمة المالية العالمية -كما اسلفنا- ولكن لأنه لم تكن هناك ادارة تستطيع مراقبة الاسواق والتعامل مع الازمة منذ البداية.

الأدوار المفقودة

من الواضح - إذن - انه نتيجة لفقدان هذه الرؤية فإن الاطراف المعنية المختلفة -السلطة التنفيذية، والسلطة التشريعية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني- جميعها لا تمتلك رؤية واولويات حول ادارة هذه الازمة وكيفية لعب ادوار فعالة في تخفيف آثارها، وبالتالي، فإن الهلع لدى المستثمرين والمواطنين هو حقيقي نتيجة الى هذه الادوار المفقودة.

فهناك ادوار كثيرة مفقودة لدى السلطة التنفيذية، من ابرزها:

• عدم وجود رؤية متكاملة وحقيقية وفعالة لدى الدولة لادارة الأزمة، وإن كانت موجودة بالفعل فلماذا لم تعلن؟

• استمرار ضعف التحركات الفعالة لدى المؤسسات الرسمية المالية - عدا بنك الكويت المركزي - للتعامل مع هذه الازمة وتداعياتها.

• عدم جدوى اسلوب المسكنات الذي يعتمد فقط على ضخ الدولة للاموال في السوق -كما حدث أخيراً- فذلك لا يتعامل حقيقة مع تأثيرات الأزمة ولا يعالج ازمة مستقبلنا.

• ضبابية الصورة عن الاوضاع المحلية بسبب ضعف نظام المعلومات، فأجهزة المعلومات عندنا لدى كل منها أرقام مختلفة لنفس الظواهر عن غيرها من الاجهزة، فكيف لمن نظره ضعيف ان يرى الطريق؟

• عدم وجود رؤية واستراتيجية تنموية تتعامل مع مستقبل الكويت، واستمرار الدولة في صياغة ميزانيات للانفاق، وليست ميزانيات ذات اهداف تنموية. أما عن أدوار السلطة التشريعية، فمن أبرز المفقود منها ما يلي:

• الضغط على السلطة التنفيذية لوضع رؤية حقيقية لادارة الأزمة ومعالجة استراتيجية التنمية.

• التوقف عن المزايدات والتحركات التي أدت الى شلل جناحي السلطة في البلاد، والتي لا تهدف إلا إلى تحقيق اهداف سياسية ومصالح جزئية على حساب الصالح العام.

• ايقاف تشريعات الانفاق المالي غير التنموي.

والقطاع الخاص ايضا لديه دور مفقود، فقد نشأ هذا القطاع في معظمه مرتبطا بمستوى انفاق الدولة، وهذه الثقافة تجعل مؤسسات القطاع الخاص هشة أمام أي ازمة، وغير قادرة على المساهمة في ايجاد حلول لما ينجم عن مثل هذه الأزمات.

حتى مؤسسات المجتمع المدني المهنية - ومن بينها غرفة تجارة وصناعة الكويت - لديها دور مفقود، فالكثير منها له علاقة باقتصاد البلاد... ولكننا لم نسمع منها أي شيء ذي علاقة حقيقية بما يجري في اقتصادنا، وما يتعلق برؤية ادارة الازمة وما يتعلق باستراتيجية التنمية، حيث جاء تحرك هذه المؤسسات ضعيفا ولم يؤد الى طرح مضامين تساهم في بيان حقيقة علاقتنا بالأزمة العالمية ووضع معالجات لتأثيراتها المحلية.

 

ما العمل؟

على السلطة التنفيذية ان تتخذ مجموعة من التحركات، ومن أبرزها:

• وضع رؤية حقيقية وفعالة لادارة الأزمة واعلانها ومناقشتها مع جميع الاطراف للوصول الى اجماع حولها، بحيث تتضمن التخفيف من آثارها علينا، واستكشاف الفرص الاستثمارية التي تتيحها حالة الركود في الأسواق العالمية، مع دعم هذه الرؤية بقرارات سياسية وتنفيذية قوية.

• طرح رؤية واستراتيجية اقتصادية وتنموية تتعامل مع مستقبل الكويت، ولهذا عدد من المتطلبات الاساسية، نوجزها في ما يلي:

• تعزيز دور سوق تداول الأوراق المالية، وتطوير أساليب ادارة استثمارات الدولة، ودعم قطاع المال والاستثمار مع تنشيط عملية الخصخصة وتوسيع دور القطاع الخاص في الحياة الاقتصادية، واعادة هيكلة قطاعات الخدمات.

• وضع سياسات وآليات لحماية الطبقات الوسطى والفقيرة خلال الأزمات المماثلة.

• محاربة الفساد وتأكيد الشفافية، ومنع استغلال اصحاب المصالح الضيقة لظروف الأزمة وتداعياتها.

 

وختاماً

فالأجهزة المعنية - بدون أي تشنج - يجب أن تبدأ بدراسة الأزمة العالمية، وإسقاطاتها علينا بشكل علمي، كما يجب ألا تكون تحركاتها مجرد ردود أفعال آنية ومؤقتة ينتهي مفعولها مع تحول شريط سوق الأوراق المالية من الأحمر الى الأخضر... بل يجب أن تسعى هذه الاجهزة الى إيجاد سياسات وآليات في القطاع المالي والاستثماري، تحقق الاستقرار ضمن خطة متكاملة لمعالجة تداعيات الأزمة وتفعيل حركة التنمية الاقتصادية بالاعتماد على آليات السوق ومؤسساته، مع تطوير قدرات المؤسسات المالية الرقابية الرسمية على ان تكون سياساتها منبثقة عن تصور موحد ومشترك، لا كما هو الواقع الآن الذي يبدو فيه عدم الانسجام بين سياسات وقرارات هذه المؤسسات الرقابية... وخصوصا بين بنك الكويت المركزي ووزارة التجارة ووزارة المالية وإدارة سوق الكويت للأوراق المالية.

والكويت - كونها من بين مجموعة مجلس التعاون لدول الخليج العربية ذات الواقع والثقافة السياسية والاقتصادية المتجانستين نسبيّاً- يجب ان تدعو الى تحرك خليجي مشترك للتعامل مع هذه الأزمة ومعالجة تأثيراتها.

أيضا، من الضروري ان نهتم بالجانبين النفسي والمعرفي لدى الرأي العام والمواطنين لتعريفهم بالحجم الحقيقي لتأثير الأزمة العالمية علينا وحقيقة واقعنا المحلي، والعمل على منع أي استغلال لتداعيات هذه الأزمة من قبل بعض أصحاب المصالح الضيّقة على حساب المصلحة الاقتصادية العامة.

نعود ونقول، انه من الواضح أننا لسنا في بؤرة الأزمة العالمية، وبالتالي، يجب علينا عدم خلق أزمات غير حقيقية نحن في غنى عنها وليس لها جذور حقيقية في واقعنا، بل انها ناجمة عن أزمة اصبحت تاريخية وتتمثل في ضعف الادارة العامة للدولة وخصوصاً في القطاع المالي وعدم وجود الادارة والقرارات التي تعرف كيف تتعامل مع هذه القضايا.