تغصّ ليالي رمضان برهجة خاصة في هذا الشهر الفضيل، تتجسد بمظاهر عدة وعادات رمضانية، أبرزها الزينة بالفوانيس والأضواء وفرق الإنشاد الفلكلورية، التى تجتاح الشوارع، والمسحراتي والخيم الرمضانية، وهي عوامل تضفي على الليل مذاق السهر وتشدّ الناس الى أجواء السمر والمرح حتى ساعات متأخرة من الليل. يرى البعض أن هذه المظاهر أفقدت الإيقاع الحياتي لشهر رمضان الكثير من مضامينه وروحانيته وغلَّبت عليه الطابع الاستهلاكي البحت، إذ إنه أصبح موسماً خاصاً ينتظره نجوم الغناء لإحياء حفلاتهم في الخيم الرمضانية التي لاقت رواجاً وانتشاراً واسعاً في العالم العربي في الأعوام الأخيرة، فتشتد المنافسة في ما بينهم كلما زاد الطلب عليهم، وعليه ترتفع أجورهم حتى تصل الى الضعف أحياناً.
أثارت هذه العادات الغريبة عن الشهر الفضيل ردود فعل شاجبة لدى المراجع الدينية التي ثارت على إقران إسم هذه الخيم التي تشكل مضيعة لوقت التعبد، بإسم الشهر الفضيل وإطلاق عليها تسمية «الخيم الرمضانية». رصدنا هذه الظاهرة في الكويت ولبنان ومصر لنستطلع الآراء المختلفة بين مؤيدين ومعارضين وموقف رجال الدين منها.ثمة تيارات وكتل إسلامية ترفض إقامة الخيم الرمضانية المخصصة للحفلات الغنائية، معتبرين ما يدور فيها ينتهك حرمة شهر رمضان الفضيل، ولا يتواءم مع تعاليم الدين الإسلامي وعادات المجتمع، بينما تتقبلها تيارات أخرى، ولا تجد فيها ما يتعارض والضوابط الاجتماعية المتوارثة، مفضلين عدم حرمان أفراد المجتمع من الاستمتاع بالموسيقى واللهو البريء المسموح به.«الجريدة» سلطت الضوء على الموضوع مستطلعة رأي نواب مجلس الأمة في قرار حظر الخيم، الصادر في 14/2/1999 ومحاورة الأستاذ في كلية الشريعة د. ناصر الشمري حول الموضوع ذاته. تحدث د. ناصر الشمري عن المخالفات الشرعية التي ترتكب في الخيم الرمضانية، مبدياً أسفه لما يقوم به البعض من استغلال شهر رمضان للتكسب المادي، مشيرًا إلى الجشع والطمع اللذين يدفعان بعض الجهات والأفراد باتجاه جني الأرباح بغض النظر عن الطريقة المتبعة. كذلك اعتبر أن تلك الفئة تسعى الى تحقيق الربح المادي متجاهلة تعاليم الدين الحنيف ومبادئ الشريعة السمحاء، وأن طغيان الأمور الدنيوية يدفع باتجاه إهمال العبادات والتقرب الى الخالق جلّ وعلا.لفت د. الشمري الى أن ثمة شركات ومؤسسات تنشط خلال شهر رمضان رغبة في مضاعفة أرباحها سواء خلال انتاج تلفزيوني أو حفلات غنائية أو برامج للتسلية والترفيه، مستغربا انتهاك شهر رمضان والترويج للمنكرات في أوقات العبادة، معتقدًا أن ثمة أهدافاً أخرى أشد خطراً من التكسب المادي، فأوضح أن الهدف البعيد لتلك الظاهرة الدخيلة يتمثل في تشويه قيم المجتمع واختراق تعاليم الدين الإسلامي رغبة في إنشاء جدار وهمي يبعد الإنسان عن عباداته وأداء التزاماته الدينية.تحريض على المعصيةحول دور الإعلام في الترويج للخيم الرمضانية، استغرب د. الشمري «من الفضائيات وأجهزة الإعلام التي تعد العدة لشهر رمضان منذ فترة طويلة، لكن ليس رغبة في التوعية والنصح إنما للتحريض على معصية الخالق وترسيخ مفاهيم دخيلة على المجتمع الإسلامي تهدف الى اشغال الناس عن عباداتهم وعدم التبصر في الحكمة من شهر رمضان، فيرتبط في ذهن المسلم أن رمضان شهر الحفلات الغنائية والمسلسلات والأغاني وليس شهر العبادة والطاعة والتخلي عن الشهوات وتجنّب الملذات.كذلك حذر من مغبة التساهل مع تلك الأمور الدخيلة التي تسعى إلى ترسيخ مفاهيم جديدة، متحسرا على تخصيص البعض شهر رمضان للسهر ومتابعة المسلسلات والابتعاد عن العادات الدينية وأداء الفروض، مؤكدًا في هذا المجال: «طغت على رمضان في الفترة الأخيرة الأمور الدنيوية بدلا عن العادات والفروض، موضحا أن من يفوت تلك الليالي المباركة من دون إعادة النظر في شأن حساباته وترتيب أموره لن يجد متسعا من الوقت للتخلص من الشوائب التي لحقت به بسبب إهماله وتقاعسه عن أداء الفروض. لن تتعطل عجلة حياة الإنسان في رمضان كما يروّج البعض والدليل على ذلك أن ثمة حروباً خاضها المسلمون خلال هذا الشهر ولم يتأثروا بذلك إنما أدوا واجبهم الديني إلى جانب أمور حياتهم الخاصة والعامة».طالب د. الشمري المؤسسات الدينية والاجتماعية والإعلامية بتفعيل دورهم التوعوي والإرشادي في رمضان لئلا ينزلق المسلم في هوة سحيقة من المعاصي والفحشاء، مشيدا بدور النائب وليد الطبطبائي في التصدي للظواهر الدخيلة ومنها منع إقامة الخيم الرمضانية وما يدور فيها من تجاوزات وحفلات غنائية لا تتواءم مع حرمة الشهر. كذلك أشار الى أن الخيم المسموح بها خلال الشهر الفضيل هي التي تحرض المسلمين على العبادة وتساهم في توعيتهم بأمور دينهم، وتدعوهم الى أداء العبادات والتقرب الى الخالق، معتبرا كل ما يُشغل المسلمين عن أداء واجباتهم الدينية يعتبر انتهاكاً صريحاً لأسس الشريعة الإسلامية.أولويّات الكتلة الإسلاميّةفي السياق ذاته، تسعى الكتلة الإسلامية في مجلس الأمة الكويتي الى إرساء أولويات تحافظ على عادات وقيم المجتمع الكويتي وتنبذ الظواهر الدخيلة التي لا تنسجم مع خصوصيته، وترفض استشراء الظواهر السلوكية الدخيلة عليه ومحاولات اضاعة هويته وتغريبه، داعية الى متابعة المناهج الدراسية، والعمل على أسلمة القوانين والتصدي لأي خروقات تهدف الى انتهاك ضوابط المجتمع كالحفلات الغنائية والخيم الرمضانية المخالفة لقانون الحفلات المنسجم مع الضوابط الشرعية وفق الفتوى الصادرة عن الفتوى والتشريع، وقد وافق مجلس الأمة على اقتراح مقدم من 27 نائبا يدعو الحكومة الي وقف الحفلات الغنائية التي تقام في بعض الخيام الرمضانية في الفنادق والمطاعم والأماكن العامة مراعاة لحرمة شهر رمضان الفضيل.قال مقدمو الاقتراح إنه لوحظ انتشار ما يسمى بالخيم الرمضانية فى الفنادق والمطاعم والأماكن العامة يُقام من خلالها حفلات غنائية وتتضمن رقصا من الجنسين، مما يعد انتهاكا صارخا لحرمة شهر رمضان المبارك ومخالفة واضحة لأحكام الشريعة الإسلامية وإساءة الى مشاعر أفراد المجتمع الكويتي.كذلك أسف النواب خلال الاقتراح لتلك الممارسات المخالفة للشريعة الإسلامية والقيم الاجتماعية أن يتم التجاوز في بعض الخيم على أملاك الدولة وتقام على مرأى ومسمع من الحكومة من دون أن تحرّك ساكنا، في حين أنه سبق مناقشة هذا الموضوع في فترة سابقة، وعلى أثره أصدرت الحكومة قرارا وزاريا يمنع إقامة الحفلات الغنائية او الاستعراضية المخالفة للشريعة الإسلامية والعادات والقيم الأصيلة للمجتمع الكويتي، وطالب بعض النواب في مجلس الأمة باستجواب وزير الإعلام محمد أبو الحسن على خلفية السماح لفريق ستار أكاديمي بتنظيم حفلة غنائية في الكويت تتضمن بعض التجاوزات من وجهة نظر مقدمي الاستجواب الذي تضمن أكثر من بند عن إقامة الحفلات الغنائية في رمضان، وعلى إثر هذه المطالبات والأحداث صدر قرار بمنع ترخيص الخيم الرمضانية.النواب المعارضونمن أبرز النواب الذين ما فتئوا من المطالبة بمنع الحفلات الغنائية والخيم الرمضانية المخالفة لمبادئ الشريعة الإسلامية والقيم الأصيلة لأفراد المجتمع الكويتي، النواب: وليد الطبطبائي، فيصل المسلم، عادل الصرعاوي وغيرهم.قرار حظر الخيمصدر قرار يحظّر منح التراخيص للحفلات الغنائية وجاء بعد الاطلاع على مواد الدستور، الثانية، الثامنة، التاسعة، والرابعة عشرة والثلاثين.على الفتوى رقم 13ع/99 الصادرة في 14/2/1999 عن إدارة الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية واستذكاراً للتقاليد والأعراف الكويتية الأصيلة وعادات المجتمع وتوجهاته وميوله واستعراضاً للضوابط المنظمة للحفلات الغنائية العامة.1. لا يجوز إقامة الحفلات الغنائية العامة إلا للجهات المرخص لها بذلك، والمسجلة رسمياً في وزارة الإعلام، وذلك بعد الحصول على الترخيص اللازم من الجهات الأمنية المختصة في وزارة الداخلية بعد استكمالها الإجراءات كافة وتقديمها المستندات كلها.2. يجب التقيد في الحفلات الفنية العامة بقواعد النظام العام والآداب العامة، وعدم الخروج عن القيم الاجتماعية السائدة داخل المجتمع الكويتي، ومنها عدم إظهار الجسم البشري عارياً أو أن تكشف الملابس التي ترتديها النساء عن تفاصيل جسمانية تتنافى مع المألوف في المجتمع.3. يمنع الرقص بجميع صوره وأشكاله منعاً باتاً للجنسين، سواء من المشاركين في الحفلة أو من جمهور الحضور، كذلك يحظر استخدام أي عبارات أو إشارات بذيئة أو خارجة عن الذوق العام.4. لا يجوز منح أي ترخيص لإقامة حفلات غنائية أو موسيقية بالخيام الموقتة أو ما يعرف بالخيام الرمضانية، ويجب أن يكون مكان إقامة الحفلة عبارة عن مبنى إنشائي ومستوفياً لشروط الترخيص التي تقررها الجهات الرسمية الأخرى ذات العلاقة، ويجب، قبل الترخيص بإقامة حفلة فنية عامة، أن تُقرّر صلاحية المكان لإقامتها من خلال لجان تشكل لهذا الغرض بعد قيامها بمعاينة المكان والتأكد من استيفائه للشروط المقررة.5. يشترط في مكان إقامة الحفلة الفصل بين الشباب والعوائل وعدم الاختلاط بينهم.6. يراعى أن يكون منح التراخيص خلال شهر رمضان الفضيل مقصوراً على العزف المنفرد أو التخت الشرقي الذي يشارك فيه ثلاثة فنانين كحد أقصى، وكذلك الابتهالات والتواشيح الدينية، على ألا يتجاوز موعد انتهاء هذه الحفلات الساعة الواحدة صباحاً خلال الأيام العشرة الأواخر من رمضان لما لها من طبيعة خاصة.7. لا يجوز الإعلان عن إقامة الحفلات الفنية في الأماكن العامة في أي وسيلة إعلامية إلا بعد الحصول على الترخيص اللازم من وزارة الإعلام، مع الالتزام بوضع رقمه على جانب الإعلان.8. تخضع الموافقة النهائية على منح الترخيص أو رفضه أو سحبه للسلطة التقديرية للوزارة وفقاً لما تراه محققاً للمصلحة العامة.9. لا يجوز السماح للمؤسسات الفنية أو للفنانين داخل الكويت أو خارجها ممن يروجون لمفاهيم تعتبر مخالفة لقيم الدين والمجتمع وللتقاليد والأسس الموضوعة للرقابة، بإقامة أية حفلات عامة، كذلك يجوز حرمانهم لفترة معينة، حسب حجم المخالفة، من إقامتها.10. في حال وقوع مخالفات غير جسيمة في حفلة فنية عامة مرخص بإقامتها، يكون للوزارة السلطة التقديرية في تطبيق العقوبة المناسبة لحجم المخالفة، والتي من بينها وقف الحفلة أو سحب الترخيص أو حرمان الشركة من إقامة حفلات جديدة.
تحقيقات ودراسات - تحقيقات توابل
الخيم الرمضانيَّة هل تحوَّلت الى ملاهٍ ليليَّة؟
10-09-2008