هناك مجلدات يمكن أن تحكي عن أيام الزمن الجميل، اخترت منها ما يرتبط بترحيل الوافد في مخالفة مرور، وما يمكن أن تتسع له هذه الزاوية.

Ad

سامي المنيس وأيام الزمن الجميل:

في الفصل التشريعي الأول لمجلس الأمة، وفي جلسته المعقودة بتاريخ 26 يونيو سنة 1963، وأثناء مناقشة الخدمات الصحية في المستوصفات، تطرق أحد الأعضاء إلى تفرقة الأطباء الوافدين، بين «أبو بنطلون» و«أبو دشداشه»، وأن الطبيب يراعي الأول، فيدخل أولاً.

وهنا انبرى له النائب، طيب الذكر، رحمة الله عليه، سامي المنيس، ليعترض على هذا التصوير بين «أبو بنطلون» و«أبو دشداشه» قائلاً إنه يجب على الأعضاء مراعاة الألفاظ والأشياء حتى لا تترسب عندنا وتكون أشياءً خطيرة في المستقبل. ولكن الرياح لم تأت بما تشتهي سفينة الربان البرلماني الماهر سامي المنيس، طيب الله ثراه، فقد أخذت تترسب التفرقة، بين كويتي وغير كويتي، إلى أن اتجه التفكير إلى ترحيل المقيم الذي يرتكب مخالفة سير، هي تخطي الإشارة الحمراء، في حدود علمي حتى الآن، ولا أعلم إن كانت هناك مخالفات أخرى، سوف تطبق فيها هذه العقوبة.

رجال من مدرسة الزمن الجميل:

ولكن لايزال لمدرسة الزمن الجميل أشياع وأتباع تصدى منهم لهذه التفرقة في العقوبة كتاب وبرلمانيون سابقون، فقد تصدى لهذا القرار، ساخراً كعادته، الكاتب الكبير محمد مساعد الصالح في عموده اليومي في صحيفة القبس «الله بالخير»، فنشر رسالة من أحد القراء، يقول فيها إن تجاوز القانون هو حق للمواطن فقط، ويقترح القارئ، تبعاً لذلك، إبعاد المقيم الذي لا يتخطى الإشارة الحمراء، لأنه سمع بالقانون ولم يخالفه، كما يقترح إبعاده كذلك، إذا ضبط متلبساً بالجلوس بجوار قائد السيارة الكويتي، الذي يتخطى الإشارة الحمراء، وذلك بتهمة التحريض. كما تصدى لهذه التفرقة أيضاً د.عبدالمحسن يوسف جمال في عموده «رأي وموقف» في صحيفة «القبس»، في عددها الصادر يوم 7/5، مقرراً أنه قرار يحتاج إلى مراجعة، ويتمنى لو أن وزارة الداخلية لم تكن قد تراجعت عنه أن تفكر جدياً في ذلك، ويطالب بأن يحاسب المواطن قبل أن يحاسب المقيم بقرارات متسرعة.

الإبعاد حق للدولة ولكن:

من الأصول المسلمة أن إبعاد الدولة للأجنبي هو حق لها تمارسه بحكم ما لها من سيادة على أراضيها، متى كان الإبعاد قائماً على أسباب جدية تقتضيه للمحافظة على كيانها وأمنها في الداخل والخارج.

لذلك لا يجوز أن تعتصم الإدارة، بأن حقها في الإبعاد هو حق مقرر لها، ولو لم يرتكب الشخص جريمة ما، ذلك أن هذا القول وإن كان صحيحاً في ذاته، إلا أن السلطة التنفيذية تورده في غير مورده وتحله في غير محله، إذا لجأت إليه في مخالفات السير، إذ يجب أن يكون هذا الشخص الذي يتقرر إبعاده خطراً على الأمن العام، أو يترتب على وجوده في البلاد تهديد لمصالحها، لا أن يكون مرتكباً لمخالفة سير، تجعل استخدام هذه السلطة فيها خارج إطار القواعد الموضوعية الصحيحة لاستخدامها، وبما يناقض أهم أهداف الدولة التي نصت عليها المادة (8) من الدستور وهو كفالة الطمأنينة، التي تعتبر هدفاً للعقوبة، عندما يكون المجتمع أكثر أمناً وأماناً واطمئناناً، لإقصاء الجناة عنه، بما سوف يرتبه توقيع هذه العقوبة على المقيمين أو التلويح بتوقيعها في مخالفات السير، من إشاعة القلق وعدم الاستقرار وعدم الطمأنينة في نفوس ما يزيد على مليون مقيم، بما يؤثر في تنمية المجتمع التي هي غاية الدولة من استقدام العمالة الوافدة.

العقوبة لا تشرع إلا بقانون:

وبالنظر إلى وطأة القيود التي تفرضها القوانين الجزائية على الحرية الشخصية، حرص الدستور على أن يولي الاتهام الجنائي عناية خاصة، ليحول دون إساءة استخدام العقوبة تشويهاً لأهدافها، بما يخل بالتوازن بين حق الفرد في الحرية من جهة، وحق الجماعة في الدفاع عن مصالحها الأساسية من جهة أخرى، فنصت المادة 32 من الدستور على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون، وأساس ذلك أن النصوص القانونية وحدها بعموميتها وانتفاء شخصيتها، هي التي تكفل تحقيق المنظور الاجتماعي للعقاب العادل المنصف، الذي يتساوى فيه الجميع، ولا يتفاضلون أو يتمايزون، من خلال نظام للامتيازات الأجنبية، سوف ينشأ لحاملي بعض الجنسيات الذين لا يمكن أن تطبق عليهم عقوبة ترحيل المقيم، في ظل إطلاقات سلطة الإدارة في الإبعاد، وضغوط سفارات هذه الدول التي لا يرد لها طلب في أغلب الأحوال.

ومن الجدير بالذكر أن مجلس الأمة قد رفض في الفصل التشريعي السابع إقرار مرسوم بقانون، كان قد أضاف مادة جديدة إلى قانون الإجراءات والمحكامات الجزائية، تعطي وزير الداخلية سلطة إبعاد الأجنبي وأسرته أو توقيفه في حالة صدور حكم جزائي بإيداعه مصحات ومؤسسات الرعاية الاجتماعية، وذلك لمساسه وافتئاته على ولاية القضاء.

العقوبة يوقعها قاض:

إن افتراض البراءة في الإنسان، يؤسس على الفطرة التي جبل عليها، فقد ولد حراً مبرأً من الخطيئة أو المعصية، ويظل أصل البراءة ملازماً له على امتداد عمره في ما يأتيه من أفعال، ولا ينقض افتراض البراءة في الإنسان إلا حكم قضائي يصدره قاض، اختصه الدستور وحده بذلك في ما تنص عليه المادة 34 من الدستور من أن «المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع».

ومن ثم تكون العقوبة التي يوقعها القاضي هي عدل الجريمة، ولا يجوز للسلطة التنفيذية القائمة على تنفيذ العقوبة، أن تضيف إليها عقوبة أخرى، هي عقوبة الإبعاد عن البلاد.

شرعية التجريم والعقاب:

إلا أن ما يسترعي النظر في هذه العقوبة، حتى لو تضمنها تعديل لقانون المرور، أنها سوف تخل بمبدأ شرعية التجريم والعقاب، الذي يقوم على أساس ضوابط صارمة ومقاييس أكثر صرامة، تعبيراً عن إيمان بحقوق الإنسان وحرياته التي لا يجوز التضحية بها في غير ضرورة تمليها مصلحة اجتماعية لها وزنها واعتبارها في القيم التي تؤمن بها الجماعة، وبذلك تصبح وظيفة هذه القوانين تحديد مختلف مظاهر السلوك التي لا يجوز التسامح فيها في ضوء هذه القيم، وألا تفرض عقوبة ليس لها صلة بالفعل الذي أتاه الفرد والمؤثم جزائياً، بما يهدر حقوق الإنسان التي كفلها الدستور، ومنها حقه في العمل.

تناسب العقوبة مع الجريمة ومعقوليتها:

ومن المقرر أيضاً في شرعية التجريم والعقاب، أن يكون تحديد عقوبة كل جريمة دون تفريط أو غلو، فلا يجوز أن تقل العقوبة في مداها عما يكون لازماً لحمل الفرد على أن ينتهج طريقاً سوياً، ولا أن يكون تقريرها إرواء لعطش في انتهاك حقوق الإنسان التي كفلها الدستور، ومنها حقه في العمل، وبذلك يغدو الجزاء الجنائي مخالفاً للدستور إذا اختل التعادل بصورة ظاهرة بين مداه وطبيعة الجريمة التي تعلق بها.

ومصداقاً لذلك ما استقر عليه القضاء الدستوري من أن شرعية العقوبة أن تكون متناسبة مع الأفعال التي أثمها القانون، أو حظرها أو قيد مباشرتها، وأن الأصل في العقوبة هو معقوليتها، فلا يكون التدخل بها إلا بقدر لزومها، نأياً بها عن أن تكون إيلاماً غير مبرر يؤكد قسوتها في غير ضرورة (المحكمة الدستورية العليا في مصر 3/6/2000 ق 145 لسنة 18ق).