لا تزال الحداثة تستقطب أقلامًا تستسهل النصّ الأدبي الذي يسمّيه صاحبه غالباً قصيدة، وأحيانًا يتنازل عن تسميته تاركًا للآخرين تصنيفه فإما يرونه شعرًا وإمّا يأخذونه إلى ضفة النثر، وثمّة أناس يدعونه كتابة وهذه التسمية ملتبسة لأنّ النصّ الفنيّ لا يمكن أن يكون خارج إطار الشّعر أو النثر.

جديد ميشال نوفل «صندوق الحكواتي» يترك لقارئه جهد التسمية، غير أنّ توزيع السواد على البياض فيه يجعله، على الأقلّ من حيث الشكل، ينتمي إلى الشّعر الحديث، على رغم أنّ التعريف بمؤلّف الكتاب لم يحتوِ لقب شاعر واقتصر على لقبين: صحافيّ وكاتب.

Ad

ملتزم نوفل بالقضايا المحقّة والعادلة ويكتب بحرقة المناضلين الذين يفرّغون ساحة همّهم للمعاني النبيلة، حاشدين لها ما في صدورهم من عزم وما في أقلامهم من قدرة على البوح. وصندوق الحكواتي الذي يحمله نوفل على كتفه هو حديقة مفردات اختارها بعناية وحمّلها رهان عمر أصاب مرّة وأصيب مرّات.

اللافت أن الغموض إحدى سمات الكتاب ما يجعل بساط التأويل واسعًا، فنوفل مولع بالاقتضاب، وبالرمزيّة المعلقة في مواضع كثيرة، وكأنّه يقول ما يريد قوله لنفسه قبل الآخرين، أو للآخرين الذين يعرفون المفاتيح التي يتركها لهم في عبارة أو أخرى. ففي أولى محطّات الكتاب «أن ترى ما لا يُرى» يجد القارئ بوصلة متواضعة تحدّد له بعضًا من اتجاه الإبحار، فالذين «حفروا النّفق / وتحصّنوا بالشهادة لتجاوز الحدود» انقطعوا عن الذين أتوا بعدهم ليكملوا الرحلة الصعبة، والرؤية تعثّرت بالضباب، وأمست «محاكاة الموتى» وامتهان التحنيط عمل رجال خسروا نعمة الكلام.

بصعوبة كبيرة يحاول متلقّي نصّ نوفل فكّ رموزه، فمن هو الرجل الصامت في «ربّما عشت طويلاً؟ هذا الرَّجل الذي برحيله: «لم يعد شيء يعزّي في المدينة» الرّجل المحوّل نهاراتنا الآتية نهارات إجهاد، والماء في حوض الحمّام بعده: «يعاود وصل شريط الحياة». وفي نصّ «صندوق الحكواتي» فرحٌ يطفو على حزن عنيد وزحمة أسماء ترتدي ثياب الرمز السميكة: «لن نزور اليوم البورصة / وجبل الأولمب / اليوناني الطويل / يقتحم حديثنا كالشؤم / لا يعرف شيئاً عن بودروم وهيرودوت / ويبحث عن متاع قديم/ يباع في أثينا.

مساحات عاطفيّة

المبالغة والإسراف في تحميل الرموز الإسميّة دلالات مبهمة يُعيقان انسياب المعنى من مفردة إلى أخرى، ويُصادران المساحات المخصّصة للعاطفة التي هي أحد أسباب النصّ الأدبيّ. حتّى الخيال فهو يُرْبَك أمام مفكّرة الأسماء المرمّزة. فبين البورصة والأولمب وبودروم وهيرودوت وأثينا مسافات شاسعة لا يمكن تغطيتها بشبكة دلالات بسيطة أو ممكنة. لكنّ نوفل يريح قارئه بين نصّ وآخر، ففي «رالف الأوّل» ينتهي الكلام بتعبير موفّق عن مأساة الإنسان وألمه مع الحقيقة التي يصل حينًا إلى بابها ويتهيّب طرقه: «نأتيك يا بحر ولا نصل / نصل إليك ولا نرى / نرى في مرآتك ولا نُبحر». وفي «لم أعد أرى المدينة» وضوح يدعو القارئ لينتمي إلى النصّ، ويكسر سور الغربة بينهما، فالموضوع هو بيروت التي تختفي تحت وطء الأسنان المتوحّشة وهي تزيل ملامحها القديمة: «إنّهم ينبشون القبور / إنّهم يدفنون بيروت». وفي بعض النصوص، كما في «حياة عاديّة» يحلو لنوفل السَّجع، أو التقفية بعيدًا من الوزن: «ليس من عاديّات الحياة العاديّة / أن ندفن سرًّا في بئر عاديّة»... ولعل في ذلك رغبة لدى نوفل أو حنينًا إلى الوزن والقافية. فلماذا لا يعتمدها إن كان يروق له ذلك، وإلا فلماذا يستمرّ في كتابه معتمدًا الكتابة المتحرّرة كلّيًا من الأوزان والقوافي؟! وشأن نوفل في هذه المسألة شأن كثيرين من أهل الحداثة الذين يجدون أنفسهم من حيث يدرون أو لا يدرون مسّجعين ومقفّين ومحاولين إلى أبعد حدّ الاقتراب من الجملة الموزونة والمقفّاة.

في «أن تعودوا إلينا» يعود نوفل إلى فتح ملفّ النضال وهذه المرّة يذكر فلسطين تصريحًا لا ترميزًا. المخاطبة هي بصيغة الجمع: «قد يشاء يوم استثنائيّ... أن تعودوا إلينا»، لكن من هم المخاطَبون؟ على الأرجح هم الذين ضلّوا سبيل النضال والمقاومة وصاروا ضحيّة بابل اللغات. وأيّة لغات يقصدها نوفل؟ فهل الفارسيّة واحدة منها؟ وهلّ العربيّة موحّدة الصفّ في النضال أم هي عربية متعدّدة؟ وكأن نوفل بتكثيفه الرمزي يهرب من الإحراج السياسيّ، فيطلق سهام الرمز إلى أكثر من صدر وفي اتجاهات كثيرة، لكنّ الآخر لا يستطيع الوصول الى الكاتب المختبئ وراء تلّة من الرموز.

الرقم 3

يركّز نوفل على الرقم «ثلاثة»، لا سيّما في «أسرار». يقول: «أنتم الثلاثة / رابعكم البحر / أنتم الثالوث / مركبكم واحد». فمن يكون هؤلاء الثلاثة؟ ولعلّ خير ما يقال في ظلال الطلسمة ما قاله نوفل في النصّ نفسه: «تختلط الاحتمالات بالتأويل / يتصيّدها رئيس العرّافين / ويتعالى موّال التنجيم».

وعن مجيء المسيح في «انتظرناه حولاً» يتألم نوفل إذ يرى «... آثار أقدام لنبيّ دجّال». فالآتون واعدون بخير الدنيا والحقّ والعدل وهم بعيدون عن حقيقة المسيح وفي ناصرة اليوم «للزمن الجديد جحافل / تحاصر بوّابة السّماء»، والعذراء أمّ حزينة تعلن أن أتباع النبيّ الدّجال اغتالوا وعد الآخرة وأقفلوا باب المغارة في وجه الخلاص الآتي.

يواصل الكاتب في «نصل للبحّار الغريب» إعلان ألمه لغياب الأنبياء الحقيقيين، القادة الذين يؤتمنون على السفينة وأهلها: «رأيت الطوفان ينحسر عن أبواب المدينة / وقد غادرها الأنبياء مع الحلاج». يشعر قارئ «صندوق الحكواتي» أنّ النضال واسطة عقد معظم نصوص الكتاب، وأقول «يشعر» لأن الكلام، وفي أكثر من موضع، لا يسمح بالقبض على زبد المعنى الواضح جدًّا بالنسبة إلى المؤلّف والمغلق كثيرًا بالنسبة إلى المتلقّي.

في نصّ «جبل لقمر صنّين» يلجأ نوفل إلى قاموس فيه شيء من المباشرة: أعلام، فيتنام، الصين، المقاومة... وكأنّ الجبل تلاشى وبقي القمر فصار من الواجب السعي الى رصف جبل: «آه جبل صنّين / كم ضيعنا البوصلة / كم حرتنا الصخور والضباب / على درب المقصلة». يظهر هذا الكلام مأزق الثورة والنضال، فالمقاومون الأوائل انقطعوا عن اللاحقين، وأمست المقاومة ضربًا من حراثة الضباب، والدم لا يزال يهرق هنا وهناك، غير أنّ الشهادة لم تعد تفتح أبواب الأوطان السلبية، والشكّ يلتهم عباءات الأنبياء الدّجالين الزاعمين أنّهم الفلاحون الأوّلون في حقول الحرّيّة.

يشبه ميشال نوفل نفسه كثيرًا في «صندوق الحكواتي»، فهو يسكن نصوصه كلّها، ويمدّ يده من كلّ منها ملوّحًا بمنديل الألم، راثيًا النضال، داعيًا إليه بعيدًا من بشاعات أنبيائه الدجّالين.