قد تكون ألفاظ الزمان مزدوجة على التقابل مثل الضحى والعَشِيْ، الليل والنهار، الأمس والغد، وقد تكون مفردة مثل القرن والساعة والفجر، ومنها الحين. وقد ورد لفظ «حين» أربعا وثلاثين مرة بثلاثة معانٍ: الأول الحياة المؤقتة وليست الدائمة التي نهايتها الموت، وهي حياة الأرض وليست حياة السماء «وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ»، والمتعة فيها أيضا مؤقتة «وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ»، ودفء الدنيا وزينتها متاع إلى حين «وَمِنْ أصْوَافِهَا وَأوْبَارِهَا وَأشْعَارِهَا أثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ». وهي فتنة في الدنيا «وَإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إلَى حِينٍ»، وهو ما حدث لقوم ثمود «وَفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ».

Ad

وقد يعني اللفظ ثانيا فترة من الزمان ووقتا محددا سلباً أم إيجابا، فالوقت محل للفعل، والفعل حسن أم قبيح، ونتيجته ثواب أو عقاب، فالقرآن ينزل في الزمان «وَإنْ تَسْألُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ»، والأرض تنبت بالزرع خضراء للآكلين كل حين «تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّهَا»، وفي الأرض جمال حين الراحة فيها وحين التجوال «وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ»، ووقت الظهيرة يضع الإنسان ملابسه من الحر إلى حين وأثناء النوم «مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ»، وذكر الله في المساء وفي الصباح، حين يمسي الإنسان وحين يصبح، «فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ»، والإنسان يستيقظ ويقوم في الوقت حينا من الزمان «وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ»، وفي هذه الحالة يكون على صلة بالله «وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ».

والحين أيضا ثالثا هو وقت للفعل السلبي، هو وقت البأس والضراء «وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأسِ»، وهو وقت التغطية بالثياب ظانين الستر والتخفي «ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ»، والحين هو وقت الغفلة والنسيان «وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أهْلِهَا»، وهو وقت العذاب «أوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ»، وهو وقت العدم قبل الخلق وبعد الموت «هَلْ أتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً»، وهو وقت الموت والوصية «شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ»، والنفس تموت حين يأتي الأجل «اللهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا».

وفقدان الإنسان حريته ودخوله إلى السجن إلى حين، فلا يوجد سجن أبديٌّ مدى الحياة «ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ»، وقد يكون المسجون مظلوما والسجّان ظالما، والجنون أيضا مؤقت والاتهام به إلى حين «إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ»، والغفلة أيضا إلى حين، إذ لا توجد غفلة دائمة، فكل غفلة تتبعها يقظة «فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ»، والإعراض والتولي إلى حين، فلا يوجد إعراض إلى الأبد لأن كل شيء يتحول ويتغير «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ، وَأبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ»، بعدها تبدأ اليقظة ويكون الإبصار.

والعذاب في الآخرة إدراك في الزمان ووعي بالفعل في الزمان «لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ»، وهو إدراك متأخر وقت الجزاء، فالوعي له لحظته ووقته «وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً». وإن لم يتيقن الإنسان بذلك في اللحظة الراهنة فإنه يعلم النبأ بعد حين «وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ».

وقد أتى لفظ «حين» مرة واحدة في صيغة «حينئذ» أي هذا الحين عندما يحين الحين للتأكيد على صفة الوقوع، فالحين ليس مجرد فترة زمنية مؤقتة في زمان مجرد كزمان ساعة اليد بل هو زمن واقع ولحظة راهنة.

ولا يظهر اللفظ في اللغة التداولية لأنه لفظ عربي فصيح لا يتحول إلى لفظ عامي لقصره، فهو مجرد حرفين ساكنين بينهما حرف علة، واستبدل بألفاظ وظروف زمان أخرى مثل «لما» أو «عند» أو أسماء مثل «شويّة» أي بعض الشيء، فترة من الوقت، وعادة ما تكون لطلب الانتظار وتأخير الفعل، وفي الأغاني الشعبية «عندما يأتي المساء»، وليس «حينما يأتي المساء».

و«الحين» اسم من فعل «حان» «يحين» أي أتى الوقت وحل الزمن، وهو ما يندر الإحساس به في الوعي العربي، فالزمن لا يحين، والفعل ينتظر، وبالرغم من الأذان للصلاة للإعلان عن حلول الوقت وبالرغم من أن الصلاة في أول الوقت أفضل من الصلاة في آخره إلا أن الفعل يمكن أن يؤدَّى على التراخي وليس على الفور، قضاء لا أداء. وهناك أمثلة عامية لترحيل الحين إلى وقت آخر مثل «هيه الدنيا طارت»، «ربنا خلق الدنيا في ستة أيام»، «هو إنت ابن سبعة»، «على مهلك شوية»، «سوق على مهلك سوق، بكره الدنيا تروق»، فالكل واقف في ساحة الانتظار.

* كاتب ومفكر مصري