ينتظر الكثير من المغنين والمغنيات رمضان الفضيل لإقامة الحفلات في الخيم المنتشرة كالفطر راهناً، خصوصا مع رواج «ثقافة الأركيلة». يعمد بعض أهل الفن الى إطلاق أغنيات دينية كجزء من التنويع للحصول على جمهور عريض كما فعلت السورية أصالة عندما قدّمت في مصر أغنية دينية قائمة على الابتهالات، في المقابل يبدو اهتمام المغني البريطاني سامي يوسف مقتصراً على الأغاني الدينية التي تلقى رواجًا عالميًا، وتعرض تلك الأغنيات كثيرا على محطة «ميلودي» التي تهتم بالمغنية دانا وأخواتها، ما يعتبره بعض المراقبين «سريالياً».

Ad

تخفف محطات فضائية عدة، مثل «ميلودي»، من عرض الأغنيات الراقصة خلال رمضان، وتقدم بعض الأناشيد الدينية، وقد أدى النجاح الكبير الذى حققه يوسف في أدائه الأغنيات الدينية بأسلوب خاص إلى ظاهرة جديدة، هي «استنساخ يوسف»، إذ اتجه معظم المغنين فى الفترة الأخيرة إلى طرح أغنيات دينية في ألبوماتهم، بل وفضّل كثيرون منهم تصويرها في فيديو كليب. من المغنين الذين ظلوا فترة طويلة بعيداً عن الساحة الفنية، خالد علي الذى ظهر فجأة بـ أغنية دينية جديدة هي «الصلوات»، وقد يكون علي فكر فى اختيار ذلك الطريق بحثاً عن النجاح والتألّق الذي لم يجده في أغنياته السابقة التي امتازت بنوع من الخفة.

بعيدًا عن ثقافة الصورة والموضة، ثمة تراث شعبي رمضاني يتلقّفه فنانون كثيرون مثل أحمد قعبور في أغنية «علو البيارق»، أو عبد الكريم الشعار في أناشيده الصوفية، وثمة مغنيات محجبات يطلقن أناشيد، لكنها لا تحظى باهتمام الجمهور، خصوصًا أن الفن بات مرتبطًا بالكليبات، على أن الأغنية الرمضانية الشعبية سايرت بعض تلك المظاهر، فارتبطت مثلاً بفانوس رمضان الذي تحوّل من وظيفته الأصلية في الإضاءة ليلاً إلى وظيفة أخرى ترفيهية في مختلف العصور، لا سيما في العصر الفاطمي وما بعده، إذ راح الأطفال يطوفون الشوارع والأزقّة حاملين الفوانيس، يطالبون بالهدايا من أنواع الحلوى التي ابتدعها الفاطميون، كذلك رافقوا، بفوانيسهم، المسحراتي ليلاً، حتى أصبح الفانوس مرتبطاً بشهر رمضان وألعاب الأطفال وأغانيهم الشهيرة.‏ من أشهر أغاني الأطفال الشعبية أغنية «وحوي»، وفيها يردد أحدهم مقطعا ويرد عليه الأطفال «إياحا»... وما من معنى حقيقي لتلك الكلمة وقد تعني إياها أي هي ذاتها.

تمتاز الكويت بالفنون الشعبية المختلفة، وبالأغنيات الدينية التي تنحصر في مناسبات معينة مثل: ختم القرآن الكريم، فن المالد الخاص لمناسبة المولد النبوي وشهر رمضان الفضيل وهو عبارة عن موشحات دينية في مدح الرسول (صلعم) ومن رواده الملا اسماعيل جمعة. يعتبر القادري من أبرز أشكال الغناء الديني، يعود إلى الشيخ عبد القادر الكيلاني وطرقه الصوفية المنتشرة في عالمنا الإسلامي.

هل للأغاني الدينية الرمضانية استمرارية؟ هل لها جمهور، وماذا يسمى مؤديها، منشداً أم مغنياً؟ وما هي مواصفات من يقدمها؟

بعد بروز ظاهرة المنشد سامي يوسف الذي اشتهر بأغنية «معلم» عن سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) والفيديو كليب المعبّر عن مضمون العمل، اتجه مغنون كثر نحو تقديم الأغنيات الدينية الرمضانية.

بندر عبيد

يؤكد عميد المعهد العالي للفنون الموسيقية د. بندر عبيد أن الأغنيات الدينية الرمضانية هي خاصة بشهر رمضان فحسب، لأن تصنيفها يأتي تحت بند أغنيات المناسبات، مثل المولد النبوي أو صيام شهر رمضان، أو الأعياد أو الإسراء والمعراج، أما الأغنية الدينية العامة فهي مستمرة وتقدَّم قبل كل آذان.

يضيف عبيد أن للأغنيات الدينية جمهورها وكتّابها وملحنيها ومؤديها، لكنْ ليس لها سوق في المبيعات بسبب انحسار انتاجها في القنوات الرسمية الكويتية، أي الإذاعة او التلفزيون.

لا يُشترط إطلاق لقب «المنشد» على المؤدي ، في رأي عبيد، باستثناء المغنين الشعبيين الذين كانوا يعملون في المجال قديماً، «لأن الأغنية أصبحت في متناول الجميع، وأصبح من الممكن أن يقدمها أي مغني أو مغنية».

يوضح عبيد أن ثمة مواصفات خاصة يجب توافرها في أضلع الأغنية الثلاث (الكاتب والملحن والمؤدي)، «يفترض أن يراعي كاتبها شعور مخاطبة الخالق والدعاء للمسلمين وأسماء الله الحسنى، فيقتطف نوعاً من تلك المواضيع ويخاطب فيها المجتمع كنوع من الثقافة الدينية، وأن يتمتع المغني بصوت جميل ويؤديها بوقار ليس كما يؤدي الأغنيات «النقازية»، وأن يراعي ملحنها المقامات الموسيقية التي تعطي اللون او الروح الدينية، لأن ثمة مقامات خاصة لتلك الأغنيات».

يأسف د. عبيد كون الأغنية تندرج اليوم في خانة التجارة البحتة، «من الطبيعي ألا يلتفت المنتجون إلى الأعمال الدينية لأنها لا تدر عليهم الأرباح، فهي أغنيات مناسبات وهم يريدون أن يستمر العمل او الألبوم معهم طوال الموسم، فالتقصير من المنتجين وليس من الفنانين. أما وزارة الإعلام فهي لم تقصر، لأن المد (الانتاج) الخارجي عليها كبير، لكثرة القنوات الفضائية والأغنيات والمغنين والملحنين والشعراء، وأقول هنا جزاها الله خيراً فهي ما زالت واقفة».

محمد المسباح

يؤكد المغني محمد المسباح أن الأغنيات الراهنة لا تمت إلى الموروث الديني الكويتي بصلة، «هي بعيدة كل البعد عن تراثنا، وقلة من الملحنين تجيد تلحينها أمثال يوسف المهنا وغنام الديكان ود. عبد الله الرميثان وخالد الزايد، هؤلاء استطاعوا تطويرها وهي تحمل صفات الأغنية الدينية الكويتية».

يعلّق المسباح على المطروح راهنا بقوله: «إنها سكة جديدة أطلقت في الآونة الأخيرة بأسلوب كنائسي، وهي بعيدة عن الموروث الديني الكويتي، واستطاعت أن تكوّن لها قاعدة جماهيرية ترفض سماع الآلات الموسيقية، فظهرت بهذا الأسلوب الذي يعتمد على أصوات بشرية تؤدي دورهذه الآلات، كذلك تحتوي على كلمات عفيفة يحبها الناس بعيداً عن الغزليات».

يرفض المسباح إطلاق لقب «المنشد» على من يقدم تلك الأعمال، لأن الإنشاد هو أسلوب جماعي دائماً، أما ما يقال عنه مجازاً «منشد» فهو لا يختلف عن المغني بشيء، مشيرا إلى أن ألحان الأغنيات العاطفية تحوّلت إلى أغنيات دينية، ونظراً إلى رفض الناس تسمية من يلتزم بذلك الخط مغنّيًا أو مطربًا، أطلقوا عليه لقب «منشد».

يقول المسباح عن سامي يوسف أن لديه خطًا مختلفًا ويرفض الأغنيات العاطفية الموسيقية، وثمة من يرفض خطه، وهكذا فئة ترفض فئة «كل واحد وفتواه»، مشيراً إلى أنه قدّم مجموعة من الأغنيات الدينية الكويتية مع الملحن الكبير يوسف المهنا من بينها: «القادري الرفاعي»، «القادري البحري»، وغيرهما.

كذلك يعزو أسباب توقف تسجيل مثل تلك الأعمال إلى آلية العمل مع وزارة الإعلام، التي اعتبرها مفقودة، «حينما تكلفك ولا تدري أين ستسجل العمل خصوصاً أن استوديو الموسيقى في الإذاعة لا يعمل»!

عبد الله الرميثان

حول مدى استمرارية الأغنيات الدينية يقول الملحن د.عبدالله الرميثان، وكيل المعهد العالي للفنون الموسيقية وحائز على جائزة التفرد والإبداع من اتحاد المبدعين العرب عام 2004، عن عمله الغنائي الديني «الله نور»، من ألحانه وكلمات يعقوب السبيعي وأداء فرقة تلفزيون «الكويت»: «من المؤكد أن لها استمرارية، يذكِّر الإنشاد الديني بالعبادات كجرس انذار، واتجه في الآونة الأخيرة إلى موجة الإنشاد الديني الذي يخلو من الآلات الموسيقية مع الإبقاء على الإيقاعات الخفيفة، والدليل على نجاحه الإقبال الجماهيري الكبير».

حول ارتباط اسم مؤدي الأغنيات الدينية بالمنشد وبروزه في الفترة الأخيرة، يقول الرميثان: «كان خطأ شائعاً، لأن الإنشاد لا يقتصر على الغناء الديني وحسب، قد يكون حماسياً أو عاطفياً أو وطنياً أو قد يغني الحب النابع من المناشدة والحماسة»، معتبرًا أن باستطاعة أي مغن جيد يمتلك خامة صوت حسنة ويعي جيداً طريقة الغناء السليم ويفهم في الإيقاعات والمقامات، أداء الأغنيات الرمضانية، متسائلاً «كيف يسجلون أغنياتهم من ضمن توزيع اوركسترالي أو سمفوني من دون دراية وعلم؟ استمعت الى ألحان تنبع من مقطوعات من الغناء الكنائسي، وثمة مقطوعات هارمونية ومصاحبات لحنية ثلاثية ورباعية. أطالب بالدقّة والتمعّن في مفردات الأغنية وتفاصيلها سواء في اللحن أو في الكلمة».

أحمد الشرقاوي

يلاحظ الشاعر الغنائي أحمد الشرقاوي أن الأعمال الدينية الراهنة تندرج ضمن ظهور الأناشيد الدينية، التي غطت على الأغنيات الدينية، خصوصاً الرمضانية، اذ تنتج الأناشيد على شرائط أو «سي دي» أو في البرامج الدينية من دون مناسبة، ولا يقتصر الأمر على رمضان فحسب، «ثمة اهتمام كبير بالأناشيد الدينية منذ ثلاث سنوات، إلا أنها راجت بوضوح العام الفائت، ولها أصواتها المعروفة، مثل سامي يوسف، وجمهورها وتقام حفلات جماهيرية لها».

يضيف الشرقاوي: «كانت الأناشيد تؤدى بشكلها الغنائي فحسب سابقا، ونلاحظ اليوم توجّه المنشدين والعاملين في صناعة الأنشودة إلى استخدام الموسيقى غير الوترية لعدم وجود صدى لدى المستمعين بالأداء، ولجؤوا إلى الاستوديوهات وطوّعوا التقنيات الحديثة في استخدام الهمهمات والآهات على شكل موسيقى مثل الكمان».

حققت الأناشيد النجاح والانتشار في الإذاعات والبرامج والقنوات الفضائية وسحبت البساط من الأغنية الدينية. في هذا المجال يؤكد الشرقاوي أن «من لا يمتلك صوتاً لا يصلح لتقديمها، لأن التوزيع الموسيقي لا يرافقه عدا الفترة الأخيرة. لم يقتنع الفنانون النجوم الكبار بهذه الأغنية، وهو التفسير الوحيد لعدم غنائهم هذا النوع ومن ثم انحسار الحماسة. كانت وزارة الإعلام سابقًا تكلف الفنانين وضع أغانٍ دينية لمناسبة شهر رمضان على غرار ما كانت تفعل في المناسبات الوطنية، لكن في هذه الأيام توقّف هذا التكليف».

فهد الناصر

يعارض الملحن الشاب فهد الناصر إطلاق مسمى أغنية دينية بقوله: «لا يوجد شيء اسمه أغنية دينية بل أنشودة أو توشيح إسلامي، والاثنان يتكلمان في حب الله والإسلام والدين والرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين والقصص الدينية والمواعظ، وما يميزها وجود الروحانية، لذلك تحتاج إلى صوت شجي طربي ومتمكِّن، ولا يستطيع أي فنان أداءها، ونحن نحبها، قد لا تستمر وليس لها جمهور، لكن جميل في شهر رمضان أن ترفّه عن نفسك بهذه الأنشودة وتقدمها».

يضيف الناصر: «نساهم في تقديم الأناشيد من دون أن نتقاضى أجراً سواء على الكلمات أو اللحن أو التوزيع الموسيقي أو الصوت. تحتاج هذه الأعمال إلى صوت مقتدر لديه القدرة على الانتقال النغمي السليم جداً، دراية بالمقامات، وإمعان كبير في مخارج الحروف والتشكيل في اللغة العربية»، مؤكدا أن الأناشيد ناجحة فعلاً في فترة الشهر الكريم، وتنجح أكثر وفق طريقة طرح الفكرة، قد لا يصل أي توشيح أو أنشودة عادية إلى الناس، «إذا قدمتها بطريقة مدروسة ستنجح، وهذا النوع له ناسه خصوصاً في رمضان».

يعتبر الناصر أن سامي يوسف ناجح، لأنه وضع خطة لانطلاقته، «يشعرك بأن ما يقدمه ليس أنشودة إنما أغنية، فقرّب الجمهور من نغم الأنشودة أو التوشيح وحفَّزه على سماعها، واستقطب جمهور الأغنية وأوصل إليه الكلام الشجي والروحانيات في تمجيد الله سبحانه وتعالى والأسماء الحسنى ومدح النبي. بدأ يوسف لوناً جديداً ناجحاً، على الرغم من بساطة أدائه لكنه عميق، ويقرن دائماً الكليبات التي يصورها بالأنشودة ويوضحها في التصوير، فهو صاحب رسالة، استطاع الوصول إلى جمهور الشباب والمراهقين».