صدر عن «المنظمة العربية للترجمة» كتاب «في الثورة» للفيلسوفة الأميركية من أصل ألماني حنة أرندت، هذا الكتاب الذي قدِّم اقتراح موضوعه في ندوة «الولايات المتحدة والروح الثورية» التي عقدت في جامعة برنستون في ربيع عام 1959.
ملاحظات حنة ارندت المتميزة بدقتها ونفاذها والقائمة على معرفة عميقة بالماضي، تعدّ إسهاما مهماً في الفلسفة السياسية وفي فهم العالم الحديث، وفي استشراف القرن الواحد والعشرين. في كتاب «في الثورة» تحليل ممتاز للظاهرة السياسية الحديثة نسبياً، وفيه تنظر ارندت في المبادئ التي تشكل أساس الثورات جميعها، بدءاً من الأمثلة الأولى في أميركا وفرنسا، مروراً بكيفية تطوّر نظرية الثورة وممارستها، وصولاً الى توقعات التغيير في العلاقة بين الحرب والثورة، وما ينتج من هذا التغيير على صعيد العلاقات الدولية. فالحروب والثورات حددت اليوم ملامح القرن العشرين كما لو أن الأحداث لم تفعل سوى الإسراع بتحقيق نبوءة لينين المبكرة. كذلك تميزت هذه الحروب والثورات عن عقائد القرن التاسع عشر كالقومية والأممية والرأسمالية والاشتراكية والشيوعية، وعلى رغم أن كثراً ما زالوا يركنون إليها باعتبارها مسببات مبررة إلا أنها فقدت الصلة بالوقائع الرئيسة لعالمنا وما زالت الحرب والثورة تشكلان القضيتين السياسيتين المركزيتين. لقد ظلتا باقيتين بعد انقضاء مبرراتهما العقدية كلها. تعتبر أرندت أن الثورة الأميركية هي الوحيدة التي نجحت في ما فشلت فيه الثورات الكبرى الأخرى (الفرنسية والسوفياتية) من حيث تحقيق الاستمرارية وعدم الوقوع في فخ الدكتاتورية والصراع الدموي. وقد عللت أرندت ذلك النجاح بالدور المحوري للمؤسسات الديمقراطية، وعلى رأسها المحكمة العليا التي أدت دور نقطة الارتكاز بالنسبة الى النظام الأميركي.تعد أرندت أحد أعلام الفكر النقدي العالمي، لأن تأثير نتاجها الفكري وتميّز حضورها يجسدان أهم خصائص القرن العشرين. {كل محاولة لإرضاء الأنظمة التوتاليتارية (الشمولية) تشبه في الواقع شخصاً يطعم تمساحاً جائعاً آملاً أن يكون هو نفسه آخر من يفترسه هذا التمساح»، لا تعبر هذه المقولة الشهيرة لأرندت (1906ـ 1975)، عن ماهية وجوهر فلسفتها وطبيعة عملها السياسي المعادي لكل أشكال الأنظمة التوتاليتارية فحسب، بل إن محطات سيرتها الذاتية تعتبر بحد ذاتها تجسيداً لأهم أحداث هذا القرن الدموي وخصائصه. واقتباساً لتحليل المؤرخ الشهير إرنست جيلنر فإن «حياة هذه الناقدة اللاذعة تجسد أيضاً جملة الحياة الفكرية والسياسية في قرون أوروبية عدة».ولدت أرندت في 15 أكتوبر/ تشرين الأول 1906 في مدينة هانوفر، تخصصت الفلسفة في جامعة مدينة ماربورغ، وخلال الدراسة ارتبطت بعلاقة غرامية مع مارتن هايديغر أُطلق عليها إسم «علاقة حب القرن العشرين». لكن الطالبة الموهوبة اضطرت إلى ترك ماربورغ، لأن هايدغر، الذي اعتبرته «ملكاً خاصا في مملكة التفكير»، كان متزوجاً في محيط كاثوليكي محافظ، لتكمل دراستها عند الفيلسوف كارل ياسبرز في جامعة هايدلبرغ، التي قدمت فيها أطروحة الدكتوراه عام 1928.صدمةجاءت صدمة وصول النازيين إلى الحكم في ألمانيا عام 1933 لتشكل نقطة تحوّل مركزية في حياة أرندت دفعتها إلى الابتعاد عن الفلسفة بمفهومها النظري البحت والتوجه إلى العمل السياسي بشكل عملي. في مقابلة أجريت معها عام 1972، أشارت أرندت إلى السؤال الرئيس، الذي هيمن على تفكيرها آنذاك قائلة: «قمت بترديد جملة واحدة وهي: عندما يُهاجم الإنسان كمواطن يهودي، فإنه يجب عليه الدفاع عن نفسه كمواطن يهودي، ليس كألماني أو كمواطن أخر. وعملياً يعني هذا: ماذا أستطيع أن أفعل في هذه اللحظة؟».عام 1933 اعتقل النازيون أرندت، ثم أطلقوا سراحها في ما بعد. نجحت في الهروب من براثن النازية إلى باريس ثم إلى نيويورك، التي بدأت فيها عملها السياسي الحقيقي، حيث عملت صحفية، ومراجعة لغوية ومحاضرة جامعية. لكن المكانة المرموقة، التي تبوأتها أرندت في حقل العلوم السياسية، تعود في المقام الأول إلى كتابها الموسوعي «أسس التوتاليتارية» الذي ترجم جزء منه الى العربية عن دار الساقي. في هذا المرجع الكلاسيكي، وضعت أرندت أكثر شكلين بروزاً للأنظمة التوتاليتارية، النازية الألمانية والستالينية الروسية، تحت المجهر، كذلك شددت على أن «هذه الإيديولوجيات تشكل انبثاقاً لظاهرة جديدة جذرياً تجبر الباحثين كلهم على القيام بمراجعة كاملة لأدوات التحليل العلمي المعهودة، علاوة على أنها انعطافة نكوصية لم يشهدها تاريخ الفكر الأوروبي قبل ذلك». على هذا النحو، توضح أرندت أن «الأصالة المرعبة للشمولية لا تنشأ عن أن فكرة جديدة جاءت إلى العالم، وإنما على شرخ جديد سحق كل مقولاتنا السياسية وكل مقاييسنا الخاصة بالحكم الأخلاقي. فجبروت الحدث تفوّق هنا على المفهوم». وعلى رغم فاشية الجوهر الإيديولوجي للنازية والستالينية، إلا أن السمة الشمولية تظهر جلياً في هدف هذه الأنظمة، الذي لا يقتصر على الاستيلاء على السلطة فحسب، بل يمتد لـ{يشمل» المجتمع كله ويجسد التماثل الكامل بين الحزب الحاكم والدولة.
توابل - ثقافات
في الثورة لـ أرندت... السياسيّة الحديثة تحت مجهر النقد
12-11-2008