يستعملها المحترفون لتجنب إرهاق السفر بسبب فارق التوقيت بين بلد وآخر والتلاميذ ليتمكنوا من اجتياز امتحاناتهم والجنود ليبقوا متيقظين. تمثل العقاقير التي تحفز وتنشط الدماغ الاكتشاف الطبي الأحدث، وهي شرعية تماماً.
هل تعاني خمولاً في فترة بعد الظهر حتى ان كوباً ضخماً من قهوة اسبرسو لا يؤثر فيك ولو شعرة؟ هل إرهاق السفر بسبب فارق التوقيت بين بلد وآخر يمثل أحد أسوأ كوابيسك، أو هل يبدو لك أنك لن تستطيع مراجعة الأوراق المكدسة أمامك لتتمكن من اجتياز الامتحان؟ أو لعلك ضقت ذرعاً بالتثاؤب وأنت تخرج من الملهى في الساعة التاسعة والنصف مساءً؟ سواء جعلتك الحياة العصرية تكافح للبقاء أو تركتك مرهقاً تماماً، يمكن للحل أن يكون بسيطاً بقدر بساطة ابتلاع حبة دواء.جميعنا يعلم أن اللجوء إلى العقاقير المنشطة لتحسين الأداء الرياضي ليس بالأمر الجديد - ومن المتوقع أن يمثل تناول المنشطات موضوعاً شائكاً هذا الصيف خلال الألعاب الأولمبية التي ستقام في بكين - لكن ماذا عن المنشطات التي ليس لها أي تأثير في ما يتعلق بتحفيز العضلات ذات الرأسين أو العضلات الالية أو عضلات المعدة، والتي تستهدف عوضاً عن ذلك أقوى «عضلة» ألا وهي الدماغ؟ تذكرنا فكرة أن العقاقير تستطيع تنشيط الذاكرة أو مساعدة العمال المتعبين والمرهقين في الاستمرار في العمل على مدى 24 ساعة متتالية، بالعالم الخيالي حيث شروط العيش المتردية الذي تحدث عنه ألدوس هوكسلي عام 1932 في روايته الخيالية «Brave New World» التي تعتمد الانسانية فيها على عقار «سعادة» تصفه لها الحكومة واسمه «سوما». غير أن بعض العلماء يحذرون من أن جيلاً من المفكرين المُحَفزين بشكل غير طبيعي، عن طريق محفزات صناعية، سيصبح عما قريب واقعاً علمياً ملموساً، إذ أن عدداً متزايداً من الأشخاص، بدءاً من سماسرة البورصة والجنود إلى الطلاب والعاملين الذين يضعون السلع على الرفوف في المتاجر على سبيل المثال، يبحثون عن شيء أكثر فاعلية من الكافيين لتحسين أدائهم.وصفاتوتوصف العقاقير التي يتناولونها بأنها عقاقير تؤثر في القدرات المعرفية أو الأداء المعرفي أو عقاقير تنشط الدماغ. لكنك لن تجد أي رف مخصص لهذه العقاقير في الصيدلية التي في منطقتك. عوضاً عن ذلك، يتناول الأشخاص الأصحاء عقاقير، يصفها لهم الطبيب، مخصصة لمعالجة مشاكل كاضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، أو نوبات النوم العميقة والقصيرة أو حتى الألزهايمر. ويُذكر أن العقارين الأكثر شيوعاً هما عقار ريتالين Ritalin وعقار مودافينيل Modafinil. ويمكن للأول الذي يصفه الأطباء لمن يعانون من اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة إذ أنه يساعد في تهدئتهم، والذي يلقبه البعض بـ«مهدئ الأطفال»، أن يعزز القدرة على التركيز والتيقظ لدى الأشخاص الأصحاء. أما الثاني فهو مخصص لمقاومة نوبات النوم العميقة والقصيرة، لكنه يستطيع أيضاً أن يبعد شبح النعاس لدى أولئك الذين لم تُشخّص إصابتهم بأي اضطراب في النوم. وفي هذا السياق تشير الجمعية الطبية البريطانية إلى أن استعمال هذا النوع من العقاقير يتزايد بسرعة. ويعود السبب في ذلك إلى أن الأشخاص الأصحاء الذين يتناولون العقاقير يخدعون الأطباء لكي يعطوهم وصفة طبية، أو يشترون العقاقير من صيدليات غير مرخصة عبر شبكة الانترنت. وغالباً ما يكون مقر هذه الصيدليات في الخارج.حتى الآن ما زال حجم هذه المشكلة الفعلي مجهولاً في المملكة المتحدة، لكن الدراسات التي تُجرى في الولايات المتحدة تشير إلى أن استعمال العقاقير التي تحفز الدماغ أمر شائع جداً. وفي هذا السياق، تبين من خلال استطلاع أجري عام 2005 على أكثر من 10 آلاف طالب في الجامعات الأميركية أن أربعة إلى سبعة في المئة منهم قد جربوا العقاقير التي تُستعمل لمعالجة اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة لمرة واحدة على الأقل، وذلك ليتمكنوا من السهر طوال الليل للتحضير للامتحانات. وفي بعض المعاهد، قال أكثر من واحد من أصل أربعة طلاب إنه جرّب عينة من هذه العقاقير.ملاحظاتكذلك تشير ملاحظات غير مُدَعَّمَة إلى أن ثلاثة من أصل أربعة عازفي موسيقى كلاسيكية في الولايات المتحدة يتناولون مثبطات بيتا كعقار انديرال Inderal الذي يسد مستقبلات الادرينالين في الدماغ، وذلك لمساعدتهم في السيطرة على بعض المشاكل الصحية كارتفاع ضغط الدم، أو الخوف من الصعود على خشبة المسرح لدى العازفين الذين يعانون من التوتر.وفي السياق نفسه، يوضح فيليب هارفي من جامعة ايموري في أتلانتا أن أداءه قد تغير بعد استعمال عقار مودافينيل، الذي يتناوله لمقاومة إرهاق السفر بسبب فارق التوقيت بين بلد وآخر. وعلى عكس الوضع في المملكة المتحدة، يستطيع الأطباء الأميركيون أن يصفوا عقاقير طبية للأشخاص الذين يعملون بدوام ليلي أو الذين تراودهم نوبات النوم العميقة والقصيرة على حين غرة. ويتابع هارفي: «غالباً ما أسافر إلى أوروبا لألقي محاضرات، وقد اعتدت على السفر قبل يوم من الموعد المحدد، وذلك لأمنح نفسي بعض الوقت للتكيُّف مع فارق التوقيت، لكن بفضل هذا العقار بات بإمكاني الآن أن ألقي محاضرة في اليوم الذي أصل فيه بالذات والشعور وكأنني حصلت على ليلة نوم عادية».ويعتبر أنه ما من أسباب تدفعه إلى تناول العقار لعدد أكبر من المرات، وليس من الصعب فهم السبب. فعام 2003، وجد العلماء في جامعة كامبريدج أن جرعة واحدة منه ساعدت الطلاب الذكور الأصحاء في الجامعة على تحسين أدائهم في اختبارات التخطيط العقلي، وحل الأحاجي بدقة أكبر وتذكر سلسلة أطول من الأرقام. هذا إلى أن العقار قد اختُبر على القوات الأميركية والبريطانية، وتبين أنه ساعد الجنود في البقاء متنبهين ومتيقظين خلال العمليات العسكرية الليلية. ويشير العلماء إلى أن هذا العقار يسمح لمن يتناوله بالبقاء متنبهاً بشكل كامل على مدى 48 ساعة متواصلة، مع بعض الآثار الجانبية، وأكثرها شيوعاً هو الصداع الخفيف. إثباتولعل الأمر الملاحظ بشكل كبير في ما يتعلق بعقار مودافينيل هو أن الأشخاص الذين يستعملونه لا يشعرون بأنهم بحاجة إلى أن يناموا لتعويض ساعات النوم التي ظلوا فيها متيقظين؛ بالتالي فإن ثماني ساعات من النوم بعد انتهاء تأثير هذا العقار تكفيهم ليعوضوا عن الليلة السابقة التي أمضوها من دون نوم. فضلاً عن ذلك، دفعت هذه النتائج المؤثرة بعض العلماء إلى توقع الوصول إلى عالم لا يحتاج فيه الناس إلا إلى القليل من النوم أو حتى لا يحتاجون أبداً إلى ذلك؛ وحيث ستسمح لهم العقاقير بممارسة أعمالهم لمدة 22 ساعة يومياً. بالتالي لا عجب في أن شركات الأدوية تتسابق في سبيل تطوير أولى أنواع عقاقير تنشيط الدماغ المسوّقة في العالم. وإذا ما تمكنت من ذلك، أو عندما ستتمكن من ذلك، ستجعل من إطلاق عقار فياغرا الذي يساعد في معالجة العجز الجنسي يبدو أشبه بالحدث الذي طال انتظاره وحين استحال حقيقة واقعة، خيّب آمال الأشخاص الذين كانوا متحمسين لحدوثه.سواء حصلنا أم لم نحصل على أجوبة عن هذه الأسئلة، يبدو أن منبهات الدماغ عازمة على تحدي الكافيين باعتبارها العقار المنشط الأكثر رواجاً في المكاتب والمدارس ومناطق الحرب حول العالم. وفي العام الماضي صرحت «فورسايت»، وهي مجموعة بحث حكومية بأن العقاقير كمودافينيل يمكنها أن تصبح «شائعة كما القهوة» في خلال عقد أو عقدين. وهذا ما سيبهج المحترفين الذين يعملون بكد ومنهم فيليب هارفي، والذين يودون تحسين توازن حياتهم المهنية. لكن الكلمات التي تفوهت بها ساهاكيان في البداية كانت تحذيرية «قد يقول البعض إن العقاقير التي تنشط الدماغ جيدة لأنها تسمح لنا بالعودة إلى المنزل في وقت مبكر لأننا ننجز عملنا في خلال وقت أقل، لكن البعض الآخر يقلق من أننا نتجه نحو مجتمع يستنفد، إلى أقصى حد، قدرة الانسان على الاحتمال ألا وهي 24 ساعة يومياً».تحذيرباربرا ساهاكيان، وهي طبيبة نفسية في جامعة كامبريدج، أجرت دراسات حول العقاقير التي تحفز القدرات المعرفية والأداء المعرفي، فتقول «كما نعرف جميعنا، يمكن لذلك أن يغيّر المجتمع. من المرجح أن يكون السعي إلى تحفيز قدرات الدماغ حثيثاً كما السعي إلى تحسين الجمال أو الوظائف الجنسية أو بالأحرى يمكن القول إنه سيكون حثيثاً أكثر من ذلك».غير أنها تحذر من أنه ليس بالضرورة أن يمثل ذلك أمراً جيداً، وتتابع «أشعر بالقلق حيال الافتقار إلى القوانين والتشريعات عندما يشتري الناس هذه العقاقير عبر شبكة الانترنت، وبذلك لا يمكنهم أن يكونوا واثقين تماماً من جودة العقاقير التي يحصلون عليها، أو مما إذا كان بإمكانهم تناولها. والأمر الأكثر خطورة هو أنه علينا أن نتساءل كيف يمكن لذلك أن يؤثر في المجتمع. نحن نسيطر على استعمال المنشطات في مجال الرياضة، لكن هل سنقوم بذلك أيضاً بالنسبة إلى الطلاب الذين يتناولون العقاقير التي تحفز الدماغ قبل موعد الامتحانات على سبيل المثال؟ وإذا ما عمد بعض الطلاب أو العاملين إلى تناول هذه العقاقير، هل سيشعر الآخرون بأنهم يخضعون للضغوط وأن عليهم هم أيضاً أن يتناولوا هذه العقاقير ليتمكنوا من مواكبة زملائهم؟». وتضيف ساهاكيان «علينا أيضاً أن نتساءل ما الذي نقوله عن أنفسنا من خلال ذلك، أي لمَ نسعى دائماً إلى الطريقة الأسرع للاحاطة بالمشكلة؟ ولمَ نسعى غالباً إلى الحصول على الأجوبة من خلال العقاقير عوضاً عن محاولة اللجوء إلى العلاجات النفسية، أو حتى أن نخصّص بعض الوقت للنوم وحسب؟».
توابل - Fitness
عقار أشبه بالفياغرا لتنشيط دماغك
18-04-2008