خاض المخرج إبراهيم بوطيبان تجربة جديدة بعيداً عن مسرح العبث، من خلال نص للكاتب المبدع السوري الراحل سعدالله ونّوس بعنوان «لعبة الدبابيس» لمصلحة مسرح مراكز الشباب، وأقيم العرض داخل المعهد العالي للفنون المسرحية أمام حائط المبنى الأمامي.
في البداية يجب الوقوف عند كاتب النص فهو أحد أبرز الكتّاب المسرحيين ورجالات الثقافة في سورية والعالم العربي، ولد ونّوس في قرية حصين البحر التابعة لمحافظة طرطوس عام 1941، ونحن الآن نعيش الذكرى العاشرة لرحيله. يقسم مسرحه إلى أربع مراحل كما حددها الناقد اللبناني بول شاؤول وهي:-1 مرحلة البدايات، وتمثلت في كتاباته المسرحية القصيرة التي كتبت ما بين 1962 و1965 وهي «مأساة بائع الدبس الفقير»، «الرسول المجهول في مأتم أنتيجونا»، و«جثة على الرصيف»، و«الجراد» و«المقهى الزجاجي»، و«لعبة الدبابيس»، و«فصد الدم».-2 في هذه المرحلة الحاسمة كأنما انتقل ونوس من الكلمة الاحتجاجية الأدبية الى الكلمة الفعل، ومن أعماله فيها «حفلة سمر من أجل 5 حزيران».-3 مرحلة يصفّي بها ونوس أدواته المسرحية في اتجاه اللعبة البريشتية الخالصة، مثل «الملك هو الملك»، و«رأس المملوك جابر».-4 في هذه المرحلة تجاوز فيها ونّوس كثيراً من البناء الملحمي وخرج الى لغة أكثر تراجيدية وشراسة وداخلية، من دون أن يتخلى عن المادة التراثية مثل «الطقوس والإشارات».وبما أن نص «لعبة الدبابيس» ينتمي إلى المرحلة الأولى فهو في بدايات مشوار ونّوس وهي مرحلة لم يكتب فيها نصاً للعرض المسرحي، وانما للقراءة فقط، وهذا ما اعترف به ونّوس بنفسه حينما قال «كنت أكتب مسرحيات للقراءة، وليس في ذهني أي تصور لخشبة المسرح».كما قال الناقد السوري د. نديم معلا في كتاب «الأدب المسرحي في سورية» «استغراق في الذهنية» بمعنى التوجه الى القارئ أكثر من توجهه الى المتفرج. فاللغة مغرقة في الشعرية التي لا تسجل الفعل بقدر ما تصفه وكأن جمالية الكلمة هي الهدف لا توظيفها الدرامي، حيث نقرأ مونولوجات طويلة سردية. ولعل ذلك جعل كتابته «أقرب الى الرواية»، فجنحت نحو السرد «وتعزز الجانب الخطابي في الشخصيات...».يدور النص حول حب الأنا والذات، والغرور الذي يصيب الإنسان بالانتفاخ، ومن ثم لا يرى إلا نفسه في العالم الخيالي والوهمي الذي عاش فيه، والثرثرات والهذيان الذي لا يوصل إلى شيء.اذاً نأتي إلى عملية انتقاء النص لنقدمه على خشبة المسرح أو الفضاء المسرحي البديل، فهي مرحلة مهمة حيث إن النص هو العمود الرئيس في أي عمل مسرحي، واذا أخفق الاختيار، ضاعت عناصر العرض الأخرى، خصوصا أن نص ونّوس موغل في السردية والخطابية!أما العرض الذي قدمه بوطيبان فهو ذو ايقاع مسرحي بطيء، أصابنا بالملل في أوقات كثيرة من مدة العرض، لولا دخول شخصية «برهوم» مع اللاعبين في تشكيل حركي رائع وهو أفضل ما في العمل.ومن صمم هذا التشكيل هو دعيج الهزيم الذي يبشر بمستقبل واعد في مجال الشغل الحركي.على صعيد التمثيل، فالممثل يوسف البغلي هو الأكثر تميزاً بحضوره الادائي والايمائي اللافتين، أما الفيلي فقد وقع حبيس «المونو تون» فكان على وتيرة واحدة من دون تلوين في الأداء لشخصية «شدود»، الحالات الانفعالية لم تبرز في نبرات صوته.ونقول في النهاية إن مفهوم الفضاء المسرحي البديل غاب عن العرض فهو لم يختلف عن العلبة الإيطالية حتى في طريقة صف كراسي الجمهور.فريق «لعبة الدبابيس» تأليف: سعد الله ونوس، تمثيل: محمد الفيلي، يوسف البغلي، ياسر ملا علي، وضحة السني، تصميم الديكور والازياء: بدر المهنا، مختارات موسيقية: عبد الله بويابس وابراهيم بوطيبان، فني الصوت: خالد بويابس، تصميم الاستعراض وحركات استعراضية: دعيج الهزيم، تصميم التعبير الحركي اعداد وإخراج: ابراهيم بوطيبان.
توابل - مسك و عنبر
لعبة الدبابيس نص يصلح للقراءة فقط! إيقاع مسرحي بطيء يدفع إلى الملل
29-10-2007