ما الهدف من التلاعب في التاريخ بهذه الصورة؟ ولمصلحة من؟ ولماذا كان حرص الجهة المنتجة لمسلسل «الملك فاروق» وإصرارها على تقديم المسلسل عن ملك مصر، ولم تقدم عن غيره من ملوك العرب مثل الملك عبدالعزيز الذي هو أسطورة بحق ويستحق مسلسلاً وأكثر؟ أم إن الإجابة تتعلق بشدة الريح واتجاهها. هل يمكن تزييف التاريخ؟ سؤال ستكون إجابته بالطبع: لا... لا يمكن تزييف التاريخ، فالتزييف يعني إحداث تغيير ولو بدرجة ضئيلة غير ملحوظة، والتاريخ ماض ولا يمكن تغيير الماضي أبدا... فقد يكون ممكناً تغيير الحاضر أو العمل على تغيير المستقبل، أما الماضي (التاريخ) فلا يمكن تغييره (تزييفه)، ولكن يمكن التلاعب به أو معه ويكون التلاعب بإبراز حدث ما وإخفاء آخر أو الحديث عن واقعة من دون ذكر مسبباتها أو الحكم على رأي قيل أو فعل تم بعناصر الحاضر، وفي ضوء ما يحدث الآن وليس في الظروف المتاحة وقتها... كل ذلك يسمى تلاعباً، وعلى سبيل المثال -وعلى المستوى الفردي- لو ذكرنا أن أباً ضرب ابنه ولم نذكر خطأ الابن قبل ضربه فسيحكم الجميع بقسوة الأب، أما إذا ذكرنا خطأ الابن فسيختلف الحكم، وفي الجانب الفلسفي فإن «إيقاد شمعة عملٌ عظيمٌ إن تم في الظلام، ولا قيمة له إن كان في وضح النهار». هذا باختصار توضيحٌ لمفهوم التلاعب. وعودة إلى محور المقال وهو التلاعب في التاريخ، فما دفعني إلى الكتابة هو -وعذراً- حفلات الطبل والرقص والتصفيق التي واكبت -واستمرت بعد- عرض مسلسل الملك فاروق وهتاف دراويش المسلسل بلغة «أرخميدسية»: «وجدتها... وجدتها». ما هذا يا سادة؟ ما هذا الهراء والعبث؟ من الممكن بل يجب القول إن المسلسل فنياً أجاد فيه الممثلون، ولم يبخل عليه المنتجون وبرع المخرج في تقديم ما طُلِب منه... و«بس»، أما الحديث بأن هذا المسلسل هو تاريخ مصر من خلال حاكمها، فلا وألف لا... فإن كنت تتحدث عما كان يدور في القصر الملكي وبين الحاشية والباشوات في مجتمعهم المخملي فأنت حر في ذلك، أما أن تقول إن هذه هي مصر وهذا هو تاريخ مصر في فترة من الفترات من دون أن تتعرض لما كان يعانيه ويكابده الملايين من أبناء مصر في القرى والنجوع من فقرٍ وجهلٍ ومرض في الفترة نفسها، فهذا هو التلاعب المرفوض وغير المقبول إطلاقاً... من الممكن أن يدّعي البعض أن هذا ما كتبته المؤلفة، وهي مصرية ومن الممكن أن ينخدع البعض بذلك لولا أن المؤلفة نفسها كفتنا عناء التوضيح والاستدلال حين أنكرت بأسلوب دبلوماسي ودرامي وتبرأت من التلاعب في التاريخ وألقت بمسؤولية ذلك على الجهة المنتجة حين أعلنت أن المسلسل كُتب في جزءين فيهما الكثير من الأحداث، ولكن الجهة المنتجة (لغرض في نفس يعقوب) دمجته في جزء واحد مختزلة الكثير من الأحداث المهمة والخطيرة التي تعصف بكل ما قدمه المسلسل ابتداءً من مزايا وفضائل هلل لها البعض وتسابقوا في الهتاف لها، وأنها (المؤلفة) ستقوم بطبع الجزءين معاً وتقديمهما إلى القراء لمعرفة الفرق بين ما كتبت وما عُرض على الشاشة. إن فساد الملك ومجونه ليسا محل نقاش أو خلاف سواء أثناء حكمه أو بعد تنازله القسري، وما أنتجه العصر الملكي من فساد وخراب في أنحاء مصر المحروسة لا مجال لإنكاره، كما أن ما أظهره المسلسل من وطنية زائفة لهذا الملك لا تعفيه مثلاً من مسؤولية توزيع آلاف الأفدنة من الأراضي الزراعية على خاصته من الباشوات ورجال القصر، تبعاً لما يقدمونه إليه من خدمات خاصة لا علاقة لها بمصر، فأرض مصر كلها ملك لعظمته ورهنٌ بفخامته يعبث بها كما يشاء، وكذلك بيع الألقاب مثلاً، وما أدراك ما قيمة اللقب في ذلك الوقت، ولو كان لقب أفندي، ومنحها للقادرين على دفع الآلاف بينما المصريون لا يجدون قوت يومهم. كم كنت أتمنى أن يبرز المسلسل المشاريع العملاقة التي قدمها فخامته والنهضة الصناعية الكبرى التي قادها جلالته من أجل شعبه والثورة الاجتماعية التي جعلها عظمته هدفاً من أجل رعاياه!! وكم كنت أتمنى أن يذكر المسلسل كل هذا ولا يكتفي بهتاف الأطفال الفقراء لجلالته بعد توزيع «الملاليم» للهتاف بحياته الباقية!! وفي النهاية سؤال مشروع: ما الهدف من التلاعب في التاريخ بهذه الصورة؟ ولمصلحة من؟ ولماذا كان حرص الجهة المنتجة وإصرارها على تقديم مسلسل عن ملك مصر ولم تقدم عن غيره من ملوك العرب مثل الملك عبدالعزيز الذي هو أسطورة بحق ويستحق مسلسلاً وأكثر؟ أم إن الإجابة تتعلق بشدة الريح واتجاهها. يا سادة إن التاريخ ليس دمية في يد الصغار يلهون بها ثم ينصرفون إلى غيرها وليس موضة تستمر فترة تبعاً للأهواء والميول ثم تختفي... إنه حياة شعب وقيم أمة لا يمكن اللعب معه أو التلاعب فيه.
مقالات
اللعب مع التاريخ
09-11-2007