نظام تعليمي معاق يعلم 25 ألفاً من ذوي الاحتياجات الخاصة... هذا أبسط وصف لسياسة تعليم المعاقين في الكويت، فلا توجد سياسة تعليمية واضحة، ولا أساتذة متخصصون، وبدلاً من أن يكون التعليم سبباً في جعل البيئة صالحة لتقبّل المعاقين ومساعدتهم على تخطي إعاقتهم، فإنه أصبح سبباً في شعورهم بالعزلة داخل مجتمعهم.
ليس المعاقون عاجزين عن خدمة وتنمية مجتمعهم، لكن المجتمع هو الذي عجز عن استيعابهم، ولم يستطع تقبلهم والاستفادة منهم، كما فشل في التعرف على مواهبهم وقدراتهم، كي يمكن تنميتها وتدريبها، بحيث يتكيّفون مع مجتمعهم رغم معاناتهم، وربما يتفوقون على غيرهم من الأسوياء اذا فُتح الباب أمامهم. واذا كان عدد المعاقين في الكويت يزيد على 25 ألفا، فإن الدولة مازالت لا تقدر أهميتهم، بل لا تساعدهم عبر تشريع القوانين وتقديم يد العون لهم لتجعلهم يتخطون اعاقاتهم.على الرغم من أن المادة 13 من الدستور تنص على أن «التعليم ركن أساسي لتقدّم المجتمع، تكفله الدولة وترعاه»، الا أن المعاقين سُلب منهم هذا الحق، فلا دعم تعليميا لهم بعد سن الـ21، وحتى الذين يتعلمون، فانهم يعانون من عدم وجود أساتذة متخصصين، وعدم وجود سياسة واضحة لتعليمهم، وأصبح تعليم المعاقين عملية تجارية، علما أن هناك العديد من الاعاقات التي لا تحتاج الى الالتحاق بمدارس خاصة، ولا توجد أدنى مشكلة في التحاقهم بالمدارس الحكومية، كما فعلت العديد من الدول العربية والأجنبية، فلماذا لا تسلك وزارة التربية طريق دمج تلك الاعاقات مع الطلبة الأسوياء، واعطائهم حق التعليم والاستفادة من هذه الطاقة البشرية، ومن ثم تهيئة المجتمع على تقبلهم؟فلسفة إنسانيةيُعتبر الدمج من المفاهيم أو الأساليب الحديثة في تقديم الخدمات لذوي الاحتياجات الخاصة، ويعبر عن فلسفة انسانية وتربوية يتبناها المجتمع بكل مؤسساته وأفراده، كونها تعكس أهداف التربية والتعليم بشكل عام، ورعاية وتقديم الخدمات لذوي الإعاقة بشكل خاص. والدمج هو باختصار، إلحاق الاطفال المعاقين داخل فصول عادية، كي يتابعوا تعليمهم في نفس ظروف الاسوياء، وما يستوجب ذلك من اعداد للمعاق وظروفه التعليمية والمعلم المسؤول عنه، وايجاد فصول للمعاقين داخل المدارس العادية، لها مدربوها المتخصصون ووسائلها المناسبة.وتوجد مدرستان فقط تعترف بهما وزارة التربية وتقبلهما في التعليم الجامعي، هما مدرستا «الرجاء» و«النور»، نظرا لأنهما تمنحان شهادة تعليم أكاديمية تعادل الشهادة الثانوية، أما أصحاب الاعاقات المزدوجة الذين يلتحقون بالتعليم التأهيلي، فلا تقبلهم وزارة التربية في التعليم الجامعي، ويتوقف الدعم التعليمي لهم عند سن الـ 21، وفقا لرئيس مكتب العلاقات العامة والخارجية في المجلس الأعلى لشؤون المعاقين فواز الحصبان، وأكدته رئيسة جمعية أولياء أمور المعاقين رحاب بورسلي. أهداف الدمجمن أهداف الدمج كما حددته دراسة أعدتها اللجنة التطوعية لمتابعة قضايا المعاقين، «التكامل الاجتماعي والتعليمي للاطفال المعاقين وغير المعاقين في الصفوف العادية، ولجزء من اليوم الدراسي على الأقل، لتحقيق مبدأ المساواة في الاسلام، وبالتالي منحهم حقهم في التعليم الذي كفله الدستور، كما أنه يساعد في زيادة فرص التقبل الاجتماعي لدى طلبة المدارس وأفراد المجتمع، وإيصال خدمات التربية الخاصة الى المناطق المختلفة، خاصة المناطق النائية، وعدم عزل الطلبة المعاقين عن مجتمعهم وبيئتهم الطبيعية، كي يصبح الطفل جزءا من منظومة اجتماعية لها حقوق وعليها واجبات».واستشهدت الدراسة بالعديد من تجارب دول خليجية في تطبيق الدمج، بسبب احساس كثير من المعاقين بالعزلة داخل مجتمعهم»، ودعت الى «ايجاد استراتيجية واضحة لأسلوب الدمج التعليمي للمعاقين، يسير عليها المديرون اللاحقون بعيدا عن الاتجاهات الفردية».وفيما يتعلق بالفئات المشمولة بالدمج، أشارت الدراسة إلى «اعاقات قابلة للاختلاط والدمج التعليمي في فصول مشتركه ومنها الاعاقة الحركية، والاعاقة البصرية، وهناك اعاقات قابلة للدمج في المدرسة من خلال فصول خاصة، منها الاعاقة الذهنية البسيطة ومتلازمة الداون والصم.حملة ترشيدوبينت الدراسة أن بعض ذوي الاحتياجات الخاصة «يفضل وجودهم في مدارس التربية الخاصة، لصعوبة دمجهم في المرحلة الحالية، منهم السلوك التوحّدي والاعاقة الحركية في اليدين، والشلل الدماغي، والصم المكفوفين»، وأوصت بضرورة «تنظيم حملات توعوية على مستوى الدولة للتعريف بأهمية الدمج للمعاقين، وتنفيذ مشروع وطني لتهيئة البيئة الكويتية لاستقبال وتقبّل الطلبة المعاقين في البيئة الدراسية مع الأسوياء، على أن تكون هذه الحملة شبيهة بحملة ترشيد، لجهة الزخم الاعلامي».أما عن الوضع التعليمي لضعاف السمع، الذين يعانون من مشكلة بسيطة بالسمع، طبقا لما أورده مصدر مسؤول في المجلس الأعلى لشؤون المعاقين في دراسة قام بنشرها على أحد المنتديات المعنية بالفئات الخاصة، وعرضها في احدى جلسات مجلس الأمة، أكد فيها على «قدرة هذه الفئة على التعلم مع الأصحاء، اذا ما تم توفير احتياجاتهما من معين سمعي، وفصول خاصة بنفس المدرسة، إلا أن المدارس الحكومية لا تعترف بذلك وتقوم بتحويلهم الى مدرسة الصم للمعاقين سمعيا، ليعيشوا سويا المأساة مع الصم، ويتخرجوا من المدرسة بشهادة ثاني متوسط».بالنسبة لمدرسة «الرجاء» للإعاقات الحركية، وهم طلبة أسوياء ابتلاهم الله إما بفقد عضو في الجهاز الحركي، أو تشوه، أو شلل دماغي، قال المصدر «مورس عليهم العزل والتمييز بتخصيص مدرسة خاصة، جعلتهم غرباء في المجتمع، ولو قامت وزارة التربية بدمجهم في المراحل الأولى للتعليم الأساسي، لاعتاد المجتمع عليهم وتقبلهم وتفهم حاجاتهم».المجلس الأعلىوأوضح المصدر أن «المجلس الأعلى لشؤون المعاقين يقوم بدعم الطلبة المعاقين الذين لا يتوافر لهم قبول في التعليم العام، والأمانة العامة للتربية الخاصة، وإدارة معاهد التربية الخاصة، من سن ثلاث سنوات حتى واحد وعشرين سنة، وتتراوح الرسوم التعليمية بين 2500 و7000 دينار في مدارس أهلية تجارية».وأضاف المصدر «خلال السنوات الست الماضية، صرف المجلس الأعلى لشؤون المعاقين نحو 30 مليون دينار رسوما تعليمية للطلبة المعاقين في التعليم الخاص، على طلبة لا يتجاوز عددهم 2140 طالبا، لكن المجلس الأعلى انحرف عن مساره، ولم يلتزم باختصاصاته التي حددها القانون، بل سجل ديوان المحاسبة مآخذ شابت عمل المجلس الأعلى لشؤون المعاقين بصرفه الميزانيات الهائلة في تعليم المعاقين 30 مليون دينار، من دون قيامه برسم السياسة العامة للمعاقين، عملا بالمادة 17 من القانون 49/96، بايجاد الحلول والبدائل في تعليم المعاقين في وزارة التربية، وأكد ديوان المحاسبة على ضرورة تفعيل الدور المنوط بالمجلس في رسم تلك السياسة بالتنسيق مع وزارة التربية، لترشيد ما تنفقه الدولة سنويا على بند الرسوم الدراسية للمعاقين بمدارس التعليم الخاص».التعليم متدنٍويقول علي الثويني، أحد المهتمين بشؤون ذوي الاحتياجات الخاصة، إن «وضع تعليم المعاقين في الكويت متدن، ولا يواكب العصر، وكان يمكن تحسين وضعهم التعليمي من خلال دمجهم في العملية التعليمية وفقا لنظام التأهيل، والتطور في ادخال النظام التعليمي للصم»، مشيرا الى أن «فئة الصم ليس لهم تعليم واضح من حيث السلم التعليمي، ناهيك عن ضعف مستوى المدرسين المتخصصين، فالقائمون على تعليمهم ليسوا أساتذة متخصصين، بل هم فقط حاصلون على دورات خاصة، بيد أن مشكلة تعليم المعاقين تكمن في عدم وجود سياسة واضحة لوزارة التربية، وعدم وجود تشريع خاص بتعليم كل فئة، مع السماح بدمجهم مع الطلبة الأسوياء، علاوة على ارتفاع الرسوم الدراسية في المدارس الخاصة، التي لا تتناسب مع الأسر ذات الدخل المتوسط».المجلس والحكومةويقول عدد من فئة الصم التقتهم «الجريدة» في أروقة المجلس الاعلى للمعاقين، إنهم على الرغم من حصولهم على شهادة الثانوية، لم يتعلموا خلال دراستهم القراءة والكتابة، ولجأ بعضهم الى تعلم كيفية القراءة والكتابة بعد انهاء الدراسة الثانوية... وأشاروا الى أن «مجلس الأمة والحكومة انشغلا في قضاياهم السياسية وتناسوا قضايا المعاقين الانسانية».واشتكت والدة طفلين معاقين تسكن في منطقة الجهراء من «خلو المنطقة من مدارس للمعاقين، وعدم وجود مراقبين وممرضات في حافلات مدارس التربية الخاصة، وقالت إن «المعاقين في منطقة الجهراء لا حقوق لهم»، مشيرة الى أنها سبق وأن طالبت أحد أعضاء مجلس الأمة عن منطقة الجهراء لتخفيف المعاناة عن المعاقين ببناء مدرسة خاصة لهم في المنطقة ليحصلوا على حقهم في التعليم، طالما أن المدارس الحكومية لا تقبلهم، فأخبرها النائب بعدم وجود ميزانية! ويطالب المعاقون فيما يخص تحسين وضعهم التعليمي بتوفير اماكن للتدريب الميداني للطلاب البطيئي التعلم فوق 18 سنة، سواء في القطاع الخاص أو الحكومي، كي يتمكن الطالب من التركيز على العمل واتقانه خلال فترة التدريب. وتوفير كليات وجامعات أكاديمية ومهنية تشمل كل المستويات والقدرات المتعلقة بذوي الاحتياجات الخاصة، ومعادلة هذه الشهادة مع درجة التوظيف حسب قانون العمل في الكويت، وتوفير وظيفة تتناسب مع قدرات وكفاءات كل طالب من ذوي الاحتياجات الخاصة، وتقديم الدعم المادي والمعنوي لهم.أبعاد مختلفةوتقول رئيسة مجلس ادارة الجمعية الكويتية لأولياء أمور المعاقين رحاب بورسلي، إن تعليم المعاقين في العالم «قضية ذات أبعاد مختلفة ومتداخلة بشكل عام، ولدولة الكويت وضعها خاص، فالتعليم ركيزة أساسية في نمو المجتمعات الحضارية، واذا وجه لفئة ذات طبيعة مختلفة فلا بد أن يكون متكاملا، يغطي متطلباتها ويحترم خصوصيتها».لكن التعليم العام في الكويت - تضيف بورسلي - «يمر بكثير من التقلبات بسبب عدم تبني سياسة واضحة المعالم وقابلة للتطبيق، وعلى مدى العقود الماضية تغيرت المناهج التعليمية مرات عدة، تخللها كثير من الاخفاقات، الأمر الذي انعكس على مخرجات التعليم، فتارة يتبعون النظام العام، وأخرى يتبعون نظام المقررات، فالعملية التربوية ذات عناصر مختلفة، كلما صلُحت هذه العناصر صلُحت المخرجات النهائية للتعليم».وزادت بورسلي «يجب أن يكون معلمو الفئات الخاصة ذوي تخصصات وخبرات تستطيع النهوض بالمعاقين واحتياجاتهم»، لكنها أشارت الى وجود «ضعف في السياسات التعليمية للمعاقين عموما، تشمل كل المعاقين بمن فيهم الصم والبكم، الذي تعرضوا لظلم شديد في تعليمهم، خاصة أنهم فئة يتمتعون بقدرات عقلية طبيعية، وقادرون على التعليم العام الأكاديمي واستكمال دراستهم الجامعية والعليا، ولدينا أمثلة كثيرة في الكويت من أبنائنا الصم، لكن ما قدم لهم من مناهج لم يكن تعليميا ومناسبا لهم، نتيجة تبني سياسة خطأ في تعليمهم، عبر المنهج التعليمي فقط وليس الأكاديمي».أطراف المجتمعوأوضحت بورسلي أن «تعليم المعاقين يتضمن ثلاثة أنواع، أكاديمي وتأهيلي وتدريجي، الاكاديمي للاعاقات التعليمية صعبة التعلم، ويمنح شهادة معتمدة لاستكمال الدراسة لما بعد التعليم الثانوي، والنوع الثاني هو التعليم التأهيلي، الذي يستفيد منه أصحاب الاعاقات الذهنية ذوو مستوى الذكاء المتوسط والبطيئو التعلم، ويحصل فيه الطالب على شهادة تأهيلية، لكن مشكلتهم تكمن في رفع الدعم عنهم بعد سن الـ 21، وعدم وجود مراكز تستقبلهم، فأين يذهبون؟ والنوع الثالث هو التعليم التدريجي، وهو مخصص للاعاقات الشديدة وغير القادرة على خدمة نفسها». وحمّلت مسؤولية حرمان العديد من المعاقين من التعليم، وتدني المستوى العلمي للنسبة المتعلمه منهم الى «جميع أطراف المجتمع بداية بالأسرة وانتهاء بمجلس الأمة والحكومة».واستغربت من «عدم قبول المعاقين في المدارس الحكومية، خاصة أن المعاق الجسدي قادر على الالتحاق بالمدارس الحكومية، التي يجب أن تكون مؤهلة لاستقباله، وهو ما ينبغي على كل الجهات الحكومية تطبيقه في مرافقها المختلفة. وفي ما يتعلق بالاعاقات الأخرى الحسية والذهنية، فالتوجه العالمي حاليا يدعم تبني سياسات الدمج تعليميا واجتماعيا، وتبني آلية لتطبيقه وفق خطط زمنية مرحلية، كي يكون المجتمع قادرا على استيعاب المعاق وتقبله كفرد يختلف في احتياجاته».ورأت بورسلي أن «وزارة التربية والتعليم تخلّت عن مسؤوليتها وتنازلت عن دورها في دعم تعليم المعاقين لمصلحة المجلس الأعلى للمعاقين، وهو لا يملك الاختصاص التعليمي وليس مؤهلا للقيام بهذا الدور، واهتم بالدعم المادي وحسب، متناسيا دعم الجانب التربوي وتطعيمه بالكفاءات التربوية المتخصصة بالاعاقات المختلفة، رغم وجود لجان لمقابلة مدرسي المعاقين والرقابة على مدارسهم، الا أن مستوى أدائها جاء أقل من التوقعات»، وأرجعت زيادة عدد المدارس الخاصة لتعليم المعاقين في الكويت الى «أهداف تجارية وليست تعليمية، فالرسوم الدراسية للمعاقين تفوق رسوم أعرق الجامعات العالمية، ولو جاءت المخرجات على مستوى عال ٍفي اكتساب المعاق للخبرات، لما وجدنا استنكارا من ارتفاع رسوم تلك المدارس». نواب تغيبوا عن جلسة المعاقين من دون عذرعدم انعقاد جلسة مجلس الأمة في 6 مارس بسبب عدم اكتمال النصاب فيها، التي كان يفترض أن تناقش قضايا ذوي الاحتياجات الخاصة، أثار غضب وحزن ذوي الاحتياجات الخاصة، وتسبب في تأكيد شعورهم بأنهم ليسوا ضمن حسابات بعض نواب مجلس الأمة، ولم تشف ِجروحهم اعتذارات النواب الذين تغيبوا «من دون عذر» عن الجلسة، ما دفع عددا منهم الى الاعتذار، بعد الهجوم اللاذع الذي تعرضوا له من قبل المهتمين بشؤون ذوي الاحتياجات الخاصة في الكويت. وتغيب عن الجلسة مجلس الأمة «من دون عذر» كل من: - حسين مزيد المطيري - خالد سالم العدوة - خلف دميثير العنزي - صالح أحمد العاشور - د. فيصل المسلم - محمد براك المطير - مرزوق فالح الحبيني - مزعل محمد النمران - د. ناصر جاسم الصانع
ألبومات
تعليم المعاقين في الكويت... سلق بيض! الدمج هو الحل الأمثل لتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة
31-03-2008