قد يتراءى للبعض أن البدانة هي مجرّد تشويه للشكل الخارجي إلا أنها في الحقيقة خطر يهدّد صحة الإنسان وينثر مخاطره على المصابين بها فيسّبب لهم أمراضًا فتّاكة. في هذا السياق وللتشديد على أهمية الوقاية من هذا الخطر المتفاقم، نظّمت جمعية سانوفي_أفنتيس في بيروت لقاءً للإعلاميين، وكان لـ»الجريدة» خلاله حديث خاص مع المحاضر البروفيسور سليم جنبرت (رئيس قسم الغدد الصماء والسكري والدهنيات في مستشفى أوتيل ديو في بيروت) للوقوف على مخاطر البدانة والسبب الكامن وراء انتشارها الواسع:

Ad

ما هي البدانة وكيف تُقاس؟

البدانة وزن زائد ناتج عن كمية مفرطة من السمنة في النسيج الشحمي في الجسم والشحوم المتراكمة حول الأعضاء. وتُحدَّد البدانة من خلال حساب مؤشر كتلة الجسم (Body Mass Index – BMI) بالمعادلة التالية:

مؤشر كتلة الجسم =

وزن الجسم (كلغ) مقسوم على

الطول2 (بالمتر)

اذا تراوح هذا المؤشر بين 26 و30 يعتبر الشخص في حالة وزن زائد ويعتبر في حالة بدانة اذا تراوح بين 31 و40 أمّا اذا تعدّى الـ 40 فنتحدّث حينها عن البدانة الخطيرة التي تستدعي أحياناً عملية جراحية تكمن في تقليص حجم المعدة. 

ما سبب انتشار هذه الظاهرة في العالم؟

تنتشر البدانة بشكل وبائي في أيامنا والسبب الرئيس هو عدم توافق جيناتنا مع البيئة الحديثة. فنتحدر من سلسلة جينية ورثناها عن أجدادنا، اعتادت على تخزين المأكولات الأساسية لكنها لم تعتد بعد على مواكبة البيئة الغنيّة بالمأكولات الدسمة وتخزينها بشكل سليم.

ما الفرق بين جينات أجدادنا وجيناتنا؟

عمد أجدادنا منذ آلاف السنين الى الصيد وقطف الثمار للحصول على الطعام فاستطاعوا الصمود بصحة جيدة نظرًا إلى قدرة جيناتهم على تخزين الطاقة وحفظها بشكل أفضل في الأنسجة الشحمية. وقد ورثنا عنهم هذه الجينات، لكن التطور الاقتصادي وحصول بعض المجتمعات الفقيرة على الثروات طرحا مشكلة خلل التوازن بين جيناتنا المبرمجة لفترات العوز ومحيطنا الذي بات يسهّل الحصول على الغذاء الغنيّ بالوحدات الحرارية، من هنا يمكن القول أن الجينات هي نفسها لكن البيئة في تطوّر مستمرّ. ونلاحظ أن جينات أجدادنا احتاجت الى آلاف السنين للتأقلم مع البيئة التي انتقلت من حضارة الصيد الى الزراعة وتربية المواشي بينما شرع التطور الحاصل منذ ما يقارب التسعين عام الى اليوم الأبواب أمام التكنولوجيا وتوافر المأكولات الدسمة ولم يترك المجال لجيناتنا للتأقلم معها، وربّما يلزمنا مئات السنين بعد لنعتاد جينيّاً على مواكبة البيئة الراهنة.

هل تشكّل البدانة خطرًا يهدّد صحّة الانسان بشكل مباشر؟

تشير الدراسات الى أن الأشخاص الذين تخطّى مؤشر كتلة الجسم لديهم الـ30 لا سيما هؤلاء الذين يعانون من تراكم الدهون حول محيط الخصر هم عرضة أكثر من غيرهم للأمراض القلبية – الشريانية كالذبحة القلبية والفالج وداء السكري والكوليسترول وغيرها من التعقيدات الصحية.

من هي الشعوب الأكثر عرضة لهذه المخاطر؟

لم تعد البدانة محصورة في منطقة أو بلد بل انتشرت في كل أنحاء العالم، إلاّ أن نسبة المخاطر قد تختلف من بلد الى آخر نظرًا إلى تطوّر البيئة المفاجئ فيه. الى ذلك توصّلت دراسات الى أن سكان الخليج العربي والهند هم أكثر عرضة للإصابة بداء السكري المرتبط ارتباطًا وثيقًا بعامل البدانة لأن جيناتهم التي اعتادت على تخزين نسب مقبولة من المأكولات تحوّلت خلال عشرات السنين الى استقبال نسب وافرة من المأكولات الدهنية على أثر غنى هذه البلدان المفاجىء فلم تقوَ على استيعاب هذه الكميّات الكبيرة وتصريفها بسهولة ما أدّى الى البدانة.

ماذا عن بدانة الأولاد وما أسبابها؟

أثّر تغيير نمط العيش سلبًا على حركة الأولاد ونشاطهم. فبعد أن كانوا يركضون ويلعبون في الماضي باتوا اليوم يجلسون لساعات طوال أمام شاشات التلفزيون والكمبيوتر والإنترنت والألعاب الالكترونية التي تنسيهم الوقت وتتركهم خمولين. كما ان كثرة الطعام وانتشار المطاعم التي تقدّم الوجبات السريعة fast foodالغنية بالوحدات الحرارية والدهون من شأنها ان تؤدّي الى بدانة الأولاد. قد لا تشكل هذه الأخيرة خطرًا مباشرًا على صحّتهم، لكن لا بد أن تظهر المضاعفات على المدى البعيد.

ما السبل الصحيحة لتفادي البدانة؟

تقع المسؤولية على عاتق الأهل، إذ عليهم توجيه أولادهم نحو المأكولات الصحية والمغذّية وحثّهم على اللهو في الباحة والركض والحركة وابعادهم قدر المستطاع عن الألعاب الالكترونية.

ماذا عن بدانة المراهقين؟

على من يعاني من المراهقين وزنًا زائدًا العمل على تخفيفه قدر المستطاع من خلال الرياضة واتباع نظام غذائي سليم قبل أن تتفاقم المشكلة وتتحوّل الى بدانة يصعب آنئذ معالجتها بسهولة. فالبدانة لى المراهقين تؤدي الى مضاعفات على المدى البعيد ومن المهمّ في هذا المجال رصد جينات العائلة فإن كانت قابلة للمخاطر لا بدّ حينها من الوقاية وتجنّب الدخول في مرحلة البدانة التي تمهّد الطريق أمام أمراض تشكل خطرًا على الصحة.

هل من المستحبّ اللجوء الى حبوب منع القابليّة؟

تؤدي هذه الحبوب مفعولها بايقاف القابلية إلى الطعام خلال فترة تناولها وينتهي مفعولها فور التوقف عن تناولها، لكن القابلية تعود مجددًا. عدا ذلك يسبب تناول هذه الحبوب لفترة طويلة مضاعفات غير مستحبّة لذلك من الأفضل عدم اللجوء اليها.

ثمة أجسام لا تحرق الدهون، بالتالي يزداد وزنها حتى لو لم تستهلك كميّات كبيرة من الطعام، ما السبب في ذلك؟

السبب هو خلل جيني في الأمعاء أو الخلايا الدهنية أو الدماغ من شأنه أن يؤدّي الى زيادة في الوزن. على سبيل المثال، ثمة خلايا دهنية تخزينية تفرز بروتين الـ»ليبتين» (leptine) بعد تناول الطعام الذي يبعث بدوره رسالة الى الدماغ لإنذاره بالتوقف عن الأكل، لكن بعض الأجسام تفتقد الى مستقبلات الـ»لبتين» فلا تقوم هذه الأخيرة بوظيفتها ولا يصل بالتالي الطلب الى الدماغ بالتوقف عن تناول الطعام ما يؤدي الى استهلاك المأكولات بكثرة.