حملت لنا الأنباء خبراً ساراً عندما أعلن رئيس فريق التحقيقات في الشرطة الاسكتلندية عن استعادة لوحة (العذراء والمغزل) إحدى أشهر لوحات الفنان الايطالي الشهير ليوناردو دافنشي.

Ad

لم تسلم دولة من حوادث السطو والسرقة وأصبح الفن العالمي في خطر من نيويورك الى موسكو، ومن تركيا حتى أحدث المتاحف في امستردام واستراليا. تشير بعض الاحصائيات التي نشرتها مجلة باري ماتش أن في فرنسا يتم سرقة أكثر من 250 ألف عمل فني سنوياً، وفي انكلترا 230 الفاً وتعتبر ايطاليا ثالث أكبر دولة تتعرض إلى السرقات الفنية. عموما يقدر حجم ما يسرق سنوياً في أوروبا بـ 600 ألف عمل فني. اذا علمنا أن متوسط قيمة العمل الواحد على أقل تقدير هو 10 آلاف دولار، معنى ذلك أن اجمالي القيمة السنوية للأعمال المسروقة يصل الى حوالي 6 مليارات دولار.

عرفت هذه السرقات على نطاق واسع منذ بداية الستينات من القرن الماضي. ساعد على هذا الأمر اتساع سوق الفن والولع الشديد باقتناء اللوحات الفنية لكبار الفنانين في العالم والاقبال المتزايد الذي تحظى به قاعات العرض الكبرى وصالات المزادات الرائجة ببيع الأعمال الفنية بأسعار تفوق التوقعات دائماً.

يجمع خبراء الأعمال الفنية ورجال مكافحة الاتجار بالتحف واللوحات الفنية، على ضرورة تشديد الرقابة من جانب السلطات في جميع أنحاء العالم على جرائم سرقة الاعمال الفنية واختفائها ومساءلة أي فرد يبيع عملاً فنياً وتشديد الاجراءات الجمركية في نقاط الحدود.

اختفاء «العذراء والمغزل»

تعود قصة اختفاء اللوحة إلى عام 2003 حين زعم بعض اللصوص أنهم من السيّاح وتمكنوا بهذه الحيلة من الدخول الى قصر «دراما تزيج» الذي يعود تاريخه إلى مئتي عام وتملكه عائلة الدوق بوكلوتش الذي توفي الشهر الماضي عن 83 عاماً وكان يحتفظ باللوحة ضمن مقتنياته الفنية.

عثرت الشرطة الاسكتلندية على اللوحة التي يقدر ثمنها بثلاثين مليون جنيه استرليني خلال مداهمة مقر يضم أربعة رجال كانوا يتفاوضون في شأن بيع اللوحة.

يذكر أن مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي FBI وضع اللوحة ضمن قائمة أهم عشر لوحات مسروقة وعرضت شركات التأمين مكافأة تصل إلى مليون دولار إلى من يساعد في العثور على اللوحة.

لويس الثاني عشر

يعتقد ان ليوناردو دافنشي رسم لوحة (العذراء والمغزل) في الأعوام العشرة الأولى من القرن السادس عشر بناء على طلب من وزير خارجية فرنسا في عهد الملك لويس الثاني عشر الذي كانت تربطه به علاقة وطيدة. فقد سافر دافنشي مع الفنان الشهير مايكل انجلو الى فرنسا ليدلي برأيه في بناء القاعة الوطنية الفرنسية وكان في ذلك الوقت يعمل على لوحته (العشاء الأخير).

لما عاد من فرنسا استأنف عمله في اللوحة الذي استغرق من عام 1495 حتى عام 1498 نظرا إلى حجمها الكبير وطريقة تنفيذها بخامة الأفرسك، وكانت مركزة في القاعة الرئيسية لرهبان الدومنيك في دير القديسة ماريا ديل جراتسيا في مدينة ميلانو.

ومن عجائب القدر، أنه في عام 1943 وفي أثناء الحرب العالمية الثانية تعرض هذا الدير الى القصف من الطائرات الحربية مما أدى إلى تدمير الدير بالكامل ما عدا الحائط الذي رسم دافنشي عليه لوحته العشاء الأخير، فوصف الأمر آنذاك بأنه معجزة عظيمة، وربما كان السبب في استلهام رواية «دافنشي كود» الشهيرة التي انتجت في فيلم سينمائي ضخم.

وتصور اللوحة العائدة (العذراء والمغزل) السيدة مريم العذراء جالسة والسيد المسيح طفل في حضنها وهو يحمل مغزلا على هيئة صليب وفي الخلف بحر هادئ وتلال.

نلاحظ في الصورة الأضواء القوية على جانب واحد من الاشخاص، يتغير تدريجياً الى ضوء متوسط القوة ومنه الى الظل على الجانب الآخر فيها، اتبع هذه الطريقة معظم الرسامين الذين ينتمون الى عصر النهضة الاوروبية في القرن 16 الميلادي. بلغت النهضة الفنية أوج ازدهارها وقد أسهم في ذلك عدد كبير من المثقفين ومن عباقرة الرسم الايطاليين وظهرت تأثيرات هذه النهضة في مدن شمال إيطاليا وفي وسطها وفي فلورنسا حيث أنشئت اول اكاديمية عام 1541م وفتحت عائلة ماتشي مكتبتها أمام القراء والجمهور واستقدمت كبار الفنانين على رأسهم النحات العظيم مايكل انجلو، كذلك شملت النهضة روما والبندقية وفيرارا وغيرها من المدن الايطالية..

متحف اللوفر

تتضمن لوحة العذراء والمغزل التي رسمها ليوناردو والموجودة في متحف اللوفر نفس الملاحظة وهي أن الكتف اليسار للسيدة العذراء متلاش وفق ما تتطلبه الالتفافة، مع ان الرسم (الأسكتش) المرسوم للوحة والموجود في أكاديمية الفنون الملكية في لندن يحوي معالجة جوهرية تبرز رسما على جانب عظيم من الروعة.

تقارن هذه اللوحة برائعة دافنشي الأخرى (الموناليزا) القابعة في متحف اللوفر خلف حائط زجاجي، وحولها سياج أمني كبير. تبرز قيمة الموناليزا في تاريخ الفن في كونها النموذج الجيد لتمجيد الانسانية واضفاء الطابع الانساني على الموضوعات وعلى اللوحات الدينية.