إن وجود حدثٍ متنام يشكّل الخيط الأوضح في بناء أي عمل روائي، غير أن الوضع يسير خلاف ذلك في رواية الكاتبة عالية ممدوح «التشهي» الصادرة عن «دار الآداب» بطبعتها الأولى 2007. فخلال فصول ومشاهد كثيرة من الرواية يكاد الحدث يغيب لتحضر اللغة. لغة صادمة بجرأتها وقدرتها على كشف أسرار الكثير من اللحظات الحياتية الخاصة. لذا فإن عالية ممدوح تبدو مشتغلة ومنشغلة باللغة أكثر من اشتغالها وانشغالها بالحدث الروائي، بما يجعل من «التشهي» رواية لغة باقتدار. خاصة أن عالية ظلت طوال الرواية تحفر في غور الأشياء

Ad

لتقول بصوت عالٍ وصريح ما تعودنا على الخجل من سماعه. إن «التشهي» تقدم أبطالها، رجالاً ونساء، بحياة من دم ولحم لكنهم أبطال معلقون بحبال من اللغة. أبطال نراهم كأوضح ما يكون، لكن من دون أن نستطيع الإمساك بهم لأنهم مختفون أبداً خلف ستار اللغة الساحر.

«التشهي» تحكي خيالات وهذيانات مترجم عراقي «سرمد» يعيش في لندن ويعاني اختفاء عضوه الذكري، وهو في محاولة علاج نفسه يقصد صديقاً له «يوسف» يعيش في باريس ويعمل دكتوراً في علم النفس. يأخذه صديقه إلى أحد المصحات لتلقي العلاج، لكن سرمد يثور بعد أسابيع من العلاج ويحطم كل ما تصل إليه يداه، ثم يدخل في غيبوبة هي أقرب إلى الموت.

إن رواية « التشهي» إذ تقدم بجرأة كبيرة عالم الرجل وعلاقته بالجنس والمرأة في خط أول، فإنها تقدم عالم ضياع وبؤس العراقي في خط ثان. كأن الكاتبة استخدمت الخط الأول جسراً تعبر من خلاله إلى الثاني، نافثةً نار قلبها المتقدة والحارقة حيال دمار وطنها وتشتت أهلها. قد تكون الكاتبة بدأت روايتها وفي نيتها الكتابة عن موضوع الجنس، لكن هاجس الفجيعة ما لبث أن تسرب إلى الرواية وأخذها إلى تخوم أخرى، لتغدو الرواية تعرية فاضحة لدواخل الرجل/الإنسان العراقي من جهة، واعترافاً مريراً بما يجري من دمار لنفسية العراقيين رجالاً ونساء داخل وخارج العراق من جهة ثانية.

إن الكتابات النسائية بعامة تتناول عالم المرأة، لكن « التشهي» غاصت بجرأة فاضحة في عالم الرجل متناولة أدق أسراره، حافلة بنماذج بشرية كثيرة سعت المؤلفة إلى فضح ممارساتها وكشف زيف حياتها وإدانتها، وقد جاء ذلك متضمناً بث الكاتبة لأجزاء من سيرتها الذاتية ومواقفها تجاه اللغة والوطن والغربة، بوصفها تعيش خارج وطنها منذ ما يزيد على ربع القرن.

إن رواية «التشهي» وفي مستوى جلي من مستويات قراءتها تفضح علاقة الرجل بذكورته، لكنها وفي مستوى آخر تقدم صراخاً ملتاعاً على لسان العراقيين حيال ضياع بلدهم وأنفسهم. وها هو يوسف يقول عن سرمد : « شعرت بأنه يكتب لنفسه، يشتكي بصوت كالعواء مردداً : «فقدت بلدي إلى الأبد من دون أن أكسب بلداً آخر» (ص 144). وفي مكان آخر يقول : «إنّ لدى العراقي غدداً قادرة على تخصيب الهلاك والخراب» (ص 236).