المعارك القانونية والاجتماعية التي تخوضها شريحة كبيرة من المطلقات، للحصول على نفقة أبنائهن، لا يقرها الحكم الشرعي، سواء في المذهب السني أو الجعفري، وتحايل الأزواج على القانون عبر تقديمهم وثائق مزورة، هو الوقود لتلك المعارك التي تثقل كاهل المطلقات نفسياً ومادياً.

Ad

يخال للكثير من المطلقات اللواتي عانين الامرين في الحصول على نفقة أبنائهن، ان الحكم الشرعي هو الذي يقف عائقاً أمام الحصول على حقوقهن في هذه القضية، وهو الذي يدعو الى صرف النفقة منحازاً للرجال، لكن بعد تقصي الحقائق تبين أن المذهبين السني والجعفري يحددان نفقة الأبناء فور نطق حكم الطلاق بين الوالدين، والتلاعب والمماطلة عادة ما يكونان من قبل الازواج الذين يتحايلون على القانون بتقديمهم وثائق مزورة، تفيد بأنهم مثقلون بالأقساط والديون ولا يستطيعون دفع نفقة أبنائهم بصورة دائمة، كما انه يحق لهن المطالبة بالنفقة لهن ولأبنائهن حتى دون وقوع الطلاق.

الظلم ظلمات يوم القيامة

أستاذ علم الشريعة في جامعة الكويت الدكتور يوسف الشراح، قال إن «نفقة الابن تجب على الأب، ويتم تقديرها وفقا للوضع المالي والاجتماعي للأب والابن. ونفقة الأولاد القُصّر واجبة على أبيهم، سواء أكان النكاح قائماً بين الأب وأمهم، أم كانا منفصلين»، وأكد أن «لا خلاف بين الفقهاء على نفقة الأولاد، كما نص قانون الأحوال الشخصية الكويتي في المادة 202، وجاء في المادة 205 أن النفقة تستحق من تاريخ رفع الدعوى أو التراضي عليها، وتعتبر ديناً في ذمة من وجبت عليه، لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء.

وأضاف الشراح أن «الإسلام أمر بإعطاء كل ذي حق حقه، وأمر كل مسؤول برعاية رعيته، فكان الواجب بمجرد الترافع بين الزوجين للانفصال أن تطالب الأم بنفقة الأولاد، ولو مبدئياً، إلى حين الفصل النهائي في قضية الانفصال وقضية النفقة. ولا ينتظر القاضي من الزوجة أن تترافع بعد الانفصال مطالبة بنفقة الأولاد لتعلق حقوق الأولاد بنفقتهم من أبيهم، التي لا يجوز تأخيرها لمجرد تأخر أمهم في المطالبة، وليتق الآباء ربهم، فالمتضرر بتأخر النفقة هم الأبناء، فلا يوقع الآباء ظلماً على أبنائهم، وإلا فالظلم ظلمات يوم القيامة».

النفقتان الوقتية والمؤجلة

استاذة القانون الدولي في جامعة الكويت د. بدرية العوضي، قالت إن «نفقة الابناء نوعان، الاولى هي النفقة الوقتية، التي يحق للزوجة المتضررة أن تطالب بها اثناء القيام بإجراءات الطلاق والتي تستغرق وقتاً طويلاً. وبعد وقوع الطلاق يحق للزوجة المطالبة بتعديلها بناءً على الوضع المالي للزوج، وهي قابلة للزيادة او النقصان بناءً على الوضع المذكور. أما الثانية فهي النفقة المؤجلة، ومن خلال الاحداث الواقعية، عادة ما تؤجل المرأة المطالبة بنفقة الأولاد إلى حين الانتهاء من إجراءات الطلاق. ثم تقرر تبعاً للحالة بعد الطلاق، الرغبة في المطالبة بالنفقة من عدمها، حيث إن الكثير من الزوجات يضحين بالنفقة مقابل الحصول على الطلاق في ظروف استحالة الاستمرار بالحياة الزوجية».

ولفتت الدكتورة العوضي الى حق للمرأة المطالبة بنفقة الزواج حتى دون المطالبة بالطلاق، في حال عدم التزام الزوج بالإنفاق عليها، وتبدأ هذه المطالبة حسب المذهب الشيعي من تاريخ رفع الدعوى، في حين انها تقرر بعد سنتين من تاريخ الزواج في المذهب السني، وأوضحت انه «في حالة الخلع، من المفروض ان لا تُرجع الزوجة للزوج أكثر من المبلغ أو القيمة التي استلمتها قبل الزواج، إلا أن هناك رجالا ذوي نفوس ضعيفة يطلبون من زوجاتهم أكثر مما قدموه لهن، وتكون النتيجة أن أغلب الزوجات يوافقن أو يتنازلن عن حقوقهن وحقوق أطفالهن، ويقبل القاضي بهذه التسوية في حال اتفاق الطرفين»، واعتبرته «خطأ، لأن القانون يجب أن يحمي الزوجة من تعسف زوجها، واستخدام حقه بالطلاق ومساومة الزوجة على حقوقها. ويجب أن لا تدفع الزوجة في حال الطلاق الا ما قدمه لها زوجها، كما لا يحق للزوج إجبارها على التنازل عن حقوقها أو حقوق أطفالها في حال الضغط عليها لحصولها على الطلاق». لذا ارتأت العوضي بضرورة تغيير القانون لحماية المرأة في تلك الحالات.

بت نفقة الأبناء سريعاً

المحامية ميسون العقاب، أوضحت أن «قضية الطلاق تختلف عن قضية النفقة، نظراً لأن الاولى تتعلق بكل متطلبات الزوجة من نفقة وعدة وغيرها، في حين ان النفقة تتعلق بالمحضون أيّ الطفل، وفي قضايا الاحوال الشخصية، غالباً ما ترفع القضيتان معاً لاتصالهما ببعضهما البعض ضماناً لحق الاطفال، كما يقوم القاضي بالبت سريعاً بموضوع النفقة، في حين أن قضية الطلاق يتم النظر بها دون استعجال»، لافتة الى أنه من الاخطاء الشائعة، اعتقاد الكثير من النساء أن قضايا النفقة لا ينظر بأمرها إلا بعد الطلاق، حتى إنه خلال العطلة القضائية، يتم تأجيل العديد من القضايا ومنها الطلاق، في حين أن قضايا النفقة يبت أمرها سريعاً».

حكم الشرع وتهرب الأزواج

عدد من السيدات المطلقات روين لـ الجريدة الظروف التي أحاطت بحكم النفقة لأولادهن.

أم عبد الله

قالت إن القاضي في المحكمة الجعفرية حكم بالنفقة لابنها «فور النطق بالطلاق،» مشيرة الى ان «إجراءات الحصول على النفقة لم تتعد الثلاثة أشهر»، لأنها أوكلت امرها لوالدها الذي تابع القضية عن طريق أحد المحامين، لذا تم استقطاع مقدار النفقة، من راتب الزوج وتحويلها الى حسابها المصرفي.

أم فارس

قالت أن المحكمة السنية حكمت لها بنفقة ولدها «لحظة نطق القاضي بحكم الطلاق»، لكنها لم تحصل عليها إلا «بعد عام من صدور حكم الطلاق»، وأضافت أن تأخر صدور الحكم بالنفقة يعود إلى أن طليقها «كان يزود المحكمة عن طريق محاميه بمعلومات مغرضة ووثائق مزورة، تفيد بأنه اشترى سيارة وبيتاً جديدين بالاقساط، ولا يستطيع دفع النفقة لأنه مثقل بالديون، والحقيقة عكس ذلك تماماً، فضلاً عن أنه ميسور الحال، وللأسف الشديد فإن المحكمة كانت تأخذ بأقوال محاميه». وعما اذا حاولت المطالبة بزيادة النفقة أفادت أن طليقها تزوج وانجب طفلاً من زوجته الثانية، لذلك فقد صرفت النظر عن هذا الموضوع.

أم سارة

تسلمت نفقة ابنتيها بعد صدور حكم الطلاق «مباشرة»، موضحة ان الطلاق تم بالاتفاق مع زوجها الذي «أبدى تجاوباً كبيراً حيال قضية الانفاق على ابنتيه»، واضافت أم سارة أن طليقها «من الطبقة المتوسطة وليست لديه أي ممتلكات أو أرصدة عالية في البنوك، ومع ذلك لم يتأخر لحظة عن تقديم النفقة، لافتة إلى أن تصرفه هذا «نابع من حبه الشديد لابنتيه»، مؤكدة أن القانون «في مصلحة المرأة، لكن التلاعب يأتي عادة من قبل بعض الازواج الذين يقدمون للمحكمة وثائق مزورة تفيد بأنهم مثقلون بالاقساط والديون».

أم دانة

رأت بأن «القانون يحمي الرجال» في موضوع نفقة الاولاد، ويتعامل مع المرأة «كأنها تريد استنزاف الرجل» في هذه القضية. وقالت إنها عانت «الأمرّين» قبل صدور الحكم بإعطائها النفقة بسبب «تهرب الزوج من وعوده» من دفعها، ولم تفلح الجهود إلا بعد سنة وعدة شهور من صدور حكم الطلاق.

الشراح: الإسلام أباح للزوجة أن تأخذ المال خلسة من زوجها

اعتبر الدكتور يوسف الشراح أن من حق الزوجة أن «تأخذ خفية من زوجها»، وفقا للحديث النبوي الذي أشار إليه، عندما سألت زوجة أبي سفيان رضي الله عنهما النبيَّ عن شُحِّ زوجها وبخله فقال لها «خذي من ماله بالمعروف، ما يكفيك ويكفي بَنِيكِ» (رواه البخاري ومسلم )، فأجاز للمرأة أن تأخذ خفية من مال زوجها إن لم يعطها ما يكفيها، ولكن تأخذ بمقدار الكفاية لأمثالها وأمثال الأبناء.