يعود التمويل الثقافي باستمرار الى واجهة الجدال في بيروت والقاهرة وتتنوع الاتهامات بتنوع التشكلات الثقافية. اتهم احد مواقع الانترنت الباحث العراقي فالح عبد الجبار بالعمالة والتآمر لأنه افتتح مركز ابحاث في بيروت. وكان اتهم قبله المفكر المصري سعد الدين ابراهيم بالحصول على مصادر تمويل أجنبية من الاتحاد الأوروبي لمشاريع تهدف إلى توعية المواطنين على الديمقراطية من دون إذن السلطات المصرية وجرت محاكمته على ذلك. وفي مصر ايضاً ثمة جمعيات تزعم بانها تتصدى لما تسميه «الغزوة الثقافية الأميركية» على أيدي جهات التمويل المشبوهة وفي مقدمها مؤسسة فورد وما تصطنعه من نماذج مثل فرقة «الطنبورة وغيرها» التي أتاحت للمدعين احتلال مكانة المبدعين، وفرضت المسخ الدخيل على ذلك الفن الأصيل»... اتهامات كهذه كثيرة تشبه «الجعجعة بلا طحين».

Ad

التمويل الأجنبي للمشاريع الثقافية ليس بالأمر المستجدّ، بل يمتد الى عقود سابقة وسبق ان عرضنا لهذا الموضوع في اكثر من منبر ولاحظنا أن الحديث عنه اكبر من حجمه. «فخ» المال الثقافي جزء من «الفتوحات الثقافية» التي تتبعها البلدان الكبرى، ففي حقبة «الحرب الباردة» بين الاتحاد السوفياتي (السابق) والولايات المتحدة الاميركية، كان على بعض المؤسسات الرأسمالية ان تمول مشاريع ثقافية عديدة كي تحارب تمدد الايدولوجيا الشيوعية وثقافتها. لعل ابرز صورة عن هذا الصراع نقع عليها في كتاب»الحرب الثقافية الباردة» لفرانسيس ستونور ساوندرز الذي يبين كيف تمكنت الجهود التراكمية للمؤسسات الاميركية من استقطاب السواد الأعظم من المفكرين والكتاب والعلماء والفنانين حتى بات نادراً أن نجد بينهم من يسعنا الادعاء بأنه لم يتعامل مع هذه المؤسسات أو أنه لم يفد من تقديماتها. وبينما كانت الحرب الباردة في أوجها كانت وكالة الاستخبارات الأميركية تكرس موارد واسعة من أجل برنامج سري للدعاية الثقافية في أوروبا الغربية باسم الحرية يرتكز على منظمة الحرية الثقافية التي تولت الجانب الثقافي في الحرب الباردة. تذكر المؤلفة تراجع القليل من المثقفين وانسحابهم من هذه المؤسسات بعد اكتشافهم حليفتها المخابراتية وقيامها بحرب «لامتلاك عقل الإنسان».

بوكر

بين زمن الحرب الباردة والزمن الراهن تبدلت الأمور كثيراً. سقط الاتحاد السوفياتي وتداعى الخطر الشيوعي. في المقابل تنامت الحركات الأصولية البن لادنية وكثرت المؤسسات الاميركية والأوروبية التي تمول المشاريع الثقافية العربية، خاصة في الشرق الأوسط. لم تبق مصادر التمويل الأجنبية لبعض المشاريع الثقافية خفية ولم تعد «شيطانية» بل معلنة مشكلة «باب رزق» للعديد من الناشطين في «الماركتنغ» الثقافي. والحال ان ملصقات الاعلان عن النشاطات الثقافية تزخر بشعارات المؤسسات الغربية (مثل «مؤسسات الاتحاد الاوروبي» و»هاينرش بول» الألمانية و»فورد» الاميركية...) في وقت يندر العثور على شعار وزارة الثقافة اللبنانية. في المقابل تسود في الفترة الراهنة المؤسسات الخليجية التي توزع الجوائز على المثقفين والشعراء والصحافيين في مشهد يظهر انها تشفق عليهم، وهي قائمة في جانب منها على العلاقات اكثر منها على الجوهر الثقافي، فاحد الشعراء السعوديين لا يتردد في توزيع الجوائز على بعض الكتاب فيتلقى مديحا حتى من كبار الشعراء في العالم. في مشهد يجعلنا نقول ان بعض شعراء الحداثة يعيشون بعقلية شعراء البلاط في العصر العباسي منتظرين «اعالة» من اصحاب الجاه. الجديد في مشهد الجوائز جائزة بوكر التي احدثت ارباكا في الوسط الثقافي خاصة انها تمنح للروائيين. ففي عدد «أخبار الأدب» الذي صدر في 24 يونيو- حزيران الماضي كتب الناقد صبري حافظ مقالا ملتهبا. اعتبر فيه أن الاستعانة بالعنصر الأجنبي هي بمثابة دعوة للاستعمار: «(...)والجائزة العالمية للرواية العربية تجيء في هذا السياق. فبعدما أن كانت الثقافة تلعب دورا رئيسيا في تعزيز هويتنا القومية حتى في مرحلة الاستعمار، ها نحن نجلب المستعمر القديم والجديد ليدير لنا أمور ثقافتنا، يبني متاحفنا، ينظم جوائزنا ويضع روايتنا على خريطة العالمية، مقابل أن ندفع ببذخ لخبرائه وأصحاب جوائزه المهيبة». في الوسط الثقافي كان الاستقبال الحافل من المثقفين ملبداً ببعض القلق من التحكيم الذي يرى العديدون أنه آفة الجوائز العربية. ولأن لجان التحكيم سرية حسبما ينص بيان الجائز فتح حافظ النيران على مجلس أمنائها: «أما الادعاء بأن مجلس أمنائها يضم نخبة من أبرز مثقفي العالمين العربي والأنغلوفوني فهو الأمر المضحك حقا. سأترك أمر الجانب العربي للقارئ العربي الذي يعرف مشهدنا الثقافي على حقيقته. فهل يمكن لأي مهتم بمشهد الثقافة الانكليزية أن يعتبر بيتر كلارك ومارغريت اوبانك وياسر سليمان وساشا هافليتشيك ووليام سيجهارت من ابرز مثقفي العالم الأنغلوفوني؟ أيضحكون على أنفسهم أم يسخرون من عقولنا؟» الارجح ان «المعركة» حول جائزة بوكر العربية وقيمتها المادية ستبدأ بعد منحها في الاسابيع المقبلة.

فساد

نسمع الكثير في النسيج الشارعي عن الموازنات التي ترصد لدعم النشاطات الثقافية في لبنان وفلسطين ومصر. لا شك في ان سلوك المؤسسات الممولة وتصرفاتها لا تتسم بالوضوح والشفافية. فإذا أخذنا مسألة تمويل الترجمة وتحديدا قضية الدعم الغربي لترجمة الكتب العربية نجد بحسب العديد من اصحاب دور النشر ان هذا الدعم في جانب منه مشروط بنشر نوع محدد من الآداب والتركيز على موضوعات معينة كحقوق المرأة والجوانب السلبية في المجتمع العربي. إلا ان بعض المؤسسات الغربية يقدم الدعم المالي لمن يقبل بأرائها وطرقها ويمتنع بشكل او بأخر عن تمويل من يرفض ذلك. تشترط تلك المؤسسات على طالبي التمويل التوقيع على ورقة تقول إنهم ضد الارهاب (مثلا). والناظر الى النشاطات الممولة اوروبياً يستنبط سرّها، فالمؤسسات الفرنكفونية (مثلا) تحاول ترويج اللغة الفرنسية من خلال المسرح والمطبوعات والأفلام السينمائية (خاصة في مهرجان السينما الأوروبية في بيروت). وبعض المؤسسات الألمانية يروّج للثقافة المدنية ومفهوم المواطنية وتحديات العولمة الثقافية. وبعض المؤسسات الاميركية يهتم بالجندر وحقوق الإنسان والاقليات..

إمبريالية الفضيلة

تتباين آراء اهل الثقافة اللبنانية في نظرتهم الى المال الثقافي، كل بحسب هواه السياسي او الايديولوجي او الفردي. يشارك عشرات الكتاب والكاتبات في دورية «باحثات» باعتبارها اولا واخيرا مجلة، من دون الاخذ في الاعتبار انها ممولة من مؤسسة اوروبية او اميركية. في موازاة ذلك، ثمة جمعيات لم تقبل الدعم من مؤسسة سوريوس لأن صاحبها عرف برأسماليته المتوحشة. يشارك المعلق والصحافي حازم صاغية في الكثير من النشاطات التي تدعمها مؤسسة «فورد» وبعض المؤسسات الاوروبية، بينما هاجم الصحافي الراحل جوزف سماحة هذا النسق الثقافي في افتتاحية الصحيفة التي كان يترأس تحريرها. نقرأ في كتاب ادوار سعيد الاخير «الانسنية والنقد الديموقراطي»(ترجمة فواز طرابلسي، دار الاداب) :» ان مصادر تمويل العديد من المنظمات غير الحكومية تجعلها أهدافا قابلة للاستيعاب على يد ما سماه الباحثان ديزلاي وغارت «امبريالية الفضيلة»، فتصير تعمل كملحقات للشركات المتعدية القومية ولكبريات المؤسسات مثل فورد، ولمراكز الفضيلة المدنية العاملة على استباق حدوث تغييرات او انتقادات أكثر جذرية للافتراضات الراسخة وقطع الطريق عليها».

كثيرة المشاريع الثقافية التي تمول من البلدان الاوروبية واميركا، بعضها يستمر وبعضها يتوقف بحكم التطورات والظروف. مجلة «ابواب» التي كانت تمولها مؤسسة «فورد» احتجبت عن الصدور، بعدما اهتمت باحوال الفردانية والمرأة والثقافة بعامة في العالم العربي. ودورية «باحثات» تتبدل ادارتها، كذلك الجهة التي تدعمها. وهناك الكثير من النشاطات الثقافية التي تعيش من الدعم الاوروبي والاميركي وتنتهي بتقلص هذا الدعم. التمويل الثقافي ليس سببا لانتشار الاعمال الثقافية اللبنانية في العالم طالما ان الرأسمال الرمزي الثقافي هو الاساس في هذا المجال، اذ بات الماركتينغ الثقافي اقوى من الاعمال الثقافية نفسها. من يراجع المثقفين الجوالين في اروقة العواصم العالمية يعرف مكنون انتشار الاعمال الثقافية. في المقابل ثمة شائعات عن «فساد» في توظيف التمويل الثقافي في غير محله، في معنى آخر: المشاريع الثقافية لدى بعضهم اشبه بـ»اكذوبة» للحصول على اموال من دول اوروبية.

والسؤال: لماذا لا تعيش الثقافة من نفقات جمهورها؟ الارجح ان معظم العرب جمهور فيديو كليبات.