قبل عشر سنوات، كان هاري لفيستاين يركب دراجته نزولاً على إحدى الهضاب جنوب البرتغال حين اصطدم فجأة بنتوء. كان عالِم الالكترونيات المتقاعد ينحدر مسرعاً فطار من فوق المقود ما أدى إلى تلف كبير في العمود الفقري وإصابته بشلل نصفي.
عقب عودته إلى كاليفورنيا، بلده الأم، تبين أن الإصابة حرمت لفيستاين، بشكل دائم، من التحكم في ساقيه، كما لم يعد قادراً على استخدام ذراعيه إلا للقيام بحركات معدودة فبات عاجزاً عن رفع أي شيء إذ أصبحت أصابعه مطوية بشدة.هاري في الثمانين، اليوم، يدحض التوقعات كلها حول موته. لكن المفاجئ حقاً أنه لم يهدر لحظة واحدة شفقة على نفسه أو تحسّراً على ما جرى له. كان يعلم أنه يقود الدراجة أسرع مما ينبغي. كان يكتشف يوميّاً أساليب جديدة تجعله أكثر إنتاجاً وأسباباً جديدة تشعره بالامتنان. يقول لفيستاين: «يشعر بعض الناس بالشفقة على نفسه أو بالغضب من العالم. لكنني لم أشعر بذلك. بعد إصابتي أصبحت ضعيفاً وعجزت عن القيام بأمور كثيرة ثمّ تبيّن لي أن كل يوم يحمل معه نعماً جديدة. كنت أستعيد يوميّاً بعضاً من ذكرياتي وقدرتي على فهم الأمور». السعادة والرضىيقول الأميركيون إنهم أكثر سعادة عامّة من سكان اليابان وكوريا مثلاً. تبين أن هذه السعادة تنعكس سلباً عليهم إذ تحرمهم من تلك السعادة التي يشعر بها المرء حين يصادف حدثاً مفرحاً كما تزكي إحساسهم بالتعاسة حين تعاكسهم الظروف». بمعنى آخر، للسعادة ضريبة خفية. تسلب المرء شعوره بالرضى والاكتفاء إذ تجعله جشعاً وترفع من توقعاته وآماله مستقبلاً. حين يصادف مناسبات سعيدة لا يبتهج كثيراً ويطير فرحاً لأن هذا ما يتوقعه وما اعتاد عليه. وحين يصاب بسوء يشعر بالرعب لأنه اعتاد على الشعور بالسعادة العارمة.في مقابلة أجريت مع ليفستاين قال إنه كان طوال حياته راضياً بما يملك. أحب سيارته حتى حين كانت صغيرة وعندما اشترى سيارة مكشوفة شعر بأنه يحرز تقدماً. لم يهدر يوماً وقته مفكراً في سيارة جاره المكشوفة مع أنها أجمل من سيارته. يضيف: «كانت هذه القدرة على تقبل وضعي المستجدّ بعد الحادث مهمة جداً بالنسبة إليّ. استطعت تقبّل واقع أنني لن أتمكن من القيام بكثير من الأمور». حين سئل عما إذا شعر بالندم لذهابه إلى البرتغال، أجاب: «كلا، مطلقاً»، متابعاً وموضحاً «أتقبل واقع أنني مضطر إلى تمضية وقتي في السرير أو على كرسي مدولب. لا أنتفض عليه ولا أعتبر نفسي بطلاً».في هذا الإطار، تقدم الدراسة الصادرة في أكتوبر في صحيفة The Journal of Personality and Social Psychology وجهة نظر جديدة بشأن فكرة قديمة. إعتبر المحللون النفسيون سابقاً، على غرار العالِم المتخصص في شؤون الزواج جون غوتمان، أن شعور الناس بالاكتفاء، سواء تجاه أنفسهم أو تجاه المقربين منهم، هو نتيجة مجموع الحوادث الإيجابية والسلبية التي تواجههم يوميّاً.حوادث إيجابيةتوصّل الباحثون إلى خلاصة مفادها أن الناس يحتاجون إلى معدل معين من الحوادث الإيجابية والسلبية ليشعروا بالسعادة. يبدو أن الزوجين، مثلاً، يحتاجان إلى حوادث إيجابية توازي ثلاثة أضعاف الحوادث السلبية ليشعرا بالرضى عن علاقتهما. ركّز عدد من المعالجين على محاولة زيادة معدل الحوادث الإيجابية مقارنة بالسلبية في حياة مرضاهم. لكن تبين، استناداً إلى الدراسة الجديدة التي ترأسها المحلل النفسي في جامعة فيرجينيا شيغيهيرو أويشي، أن الناس الذين يملكون معدلاً مرتفعاً من الحوادث الإيجابية مقارنة بالسلبية، يشعرون باكتفاء أقل تجاه الحوادث الإيجابية كما تجتاحهم المشاعر السلبية حين يواجهون المصاعب. في المقابل وجد أويشي أن اليابانيين هم عامة أقل سعادة من الأميركيين، إلا أنهم يحتاجون إلى حدث إيجابي واحد لاستعادة توازنهم بعد اختبار حدث سلبي. أما الأوروبيون والأميركيون فيحتاجون بعامة إلى حدثين إيجابيين ليتمكنوا من استعادة توازنهم العاطفي. يكشف أويشي أيضاً السبب الذي يجعل القليل من الناس يشعر بالسعادة في معظم الأوقات. الشعور «بالبهجة العارمة» أشبه بتسلق جبل شاهق والجهد الإضافي لدى التسلق، كالحوادث الإيجابية، لن يشكل فارقاً كبيراً. بيد أن الانزلاق إلى الأسفل سهل جداً. يقول توماس برادبيري (محلل نفسي في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلس): «أن الأزواج الذين يبدأون علاقتهم في قمة السعادة قد يكونون أكثر عرضة للمشاكل إذ يسهل عليهم الإنزلاق إلى الوراء أكثر من التقدم نحو الأمام، لأن السعادة التي يشعرون بها في البداية تحيي فيهم الأمل بألا يخسروها يوماً. لذا حين تبدأ العلاقة بفيض من السعادة عليك بذل جهد مضاعف للحفاظ عليها». إلى ذلك، يدرس المحللون النفسيون راهناً طرائق تساعد الناس في المحافظة على قدرتهم على التفاعل مع الحوادث المفرحة. فالأشخاص والأزواج الذين يفرحون بما يحققون يومياً ويشعرون بسعادة أكبر حين تصادفهم الحوادث الإيجابية، وينمّون لديهم الشعور بالرضى حيال ما يملكون هم الأوفر حظاً لأنهم قد لا يفقدون سعادتهم يوماً. بمعنى آخر، يملكون بعضاً من سحر هاري لفيستاين.
توابل
سعادتك بين يديك
11-10-2007