تأليف: باولو كويلهو

عن دار علاء الدين

Ad

يقدم الروائي البرازيلي المشهور باولو كويلهو في كتابه «محارب النور» الصادر عن دار علاء الدين - وترجمة موفقة من نجاح سفر- قراءة واعية لعالم الإنسان الداخلي في صراعه وحراكه مع الحياة والقدر والمصير. ويقوم بغوص جريء الى أعماق الإنسان للكشف عن قدراته الكامنة التي تؤهله لفهم معجزة الحياة وتفسير بعض غوامضها وجلاء طلاسمها. وهو هنا لا يصف أو يرسم بل يبحث في قدرة الإنسان وامكاناته في الكفاح والنضال حتى الرمق الأخير، ولأجل ما يؤمن به ويعتقده صواباً. يشدد كويلهو في كتابه على أن لا أحد يعتقد نفسه محارب نور، الا اننا جميعاً في مكان ما، وفي معنى ما، محاربو نور.

تكثيف رمزي

يعتبر باولو كويلهو اليوم أحد أشهر أدباء البرازيل وأوسعهم انتشاراً في العالم. وهو عضو الأكاديمية البرازيلية. ولديه أكثر من 45 مليون كتاب مطبوع. في أنحاء العالم، ولأكثر من 56 لغة ويُصنّف من ضمن كتاب العالم الخمسة الأكثر حضوراً. عاشَ فترة شبابه حياة صاخبة وحافلة بالنشاط والثورية والحيوية. عمل في مجال الصحافة وكتب الأغاني الشعبية لكبار المغنين البرازيليين.

هو صاحب كتاب «الخيمائي»، التحفة الأدبية التي نشرها عام 1988. وفي 1994 نشر كتابه المميز «قرب النهر أبكي» وحققت له هذه الأعمال وغيرها شهرة عالمية مرموقة لتميزه بلغة شاعرية، مستخدماً التكثيف الرمزي والفلسفي وملتزماً قضايا الواقع. يكتب كويلهو تأملاته وهو يحلم ويقول بأن «كنف السهم يزيد من رفعة الهدف».

احترام كل صغيرة

لكن ماذا يعني باولو تويلهو بـ «محارب النور»؟ انه الشخص القادر على فهم معجزة الحياة ومواجهتها بكل قوة وشغف ونضال. انه المقاتل الذي يمضي في معركته حتى الرمق الأخير لأجل مبادئه وما يؤمن به و{يسمع الأجراس التي تحركها الأمواج في عمق البحر». ينظر باولو كويلهو الى محارب النور نظرة المجدد والمتحدي والمبدع فطاقة الأرض في حاجة الى تجديد والفضاء يحتاج الى أفكار جديدة والجسد والروح في حاجة أيضاً الى تحديات جديدة. الا ان أهم ما يحتاج إليه المحارب في مسيرته الروحية هو الشجاعة بحسب غاندي. ومع الشجاعة لا بد من ان يحمل ثلاثة أشياء: الايمان والأمل والحب. ماذا عن صفات محارب النور ومزاياه؟ وكيف يمكن الاهتداء اليه؟ «أن صفات محارب النور تكمن في أفعاله التي هي فزاعات للمغفلين ومنارات للعقلاء». وهو يمضي في طريقه مستنداً الى ما قاله الفيلسوف لاو تسي: «يتطلب الدرب احترام كل صغيرة ودقيقة فتعلم انتهاز اللحظة المناسبة لتبني المواقف الضرورية». يملك محارب النور تصميماً هائلاً ولا يتراجع رغم الأشواك والحجارة والصعوبات. هو يشبه ما قاله هرقل: «عندما ألوي قوسي تأتي لحظة أمس فيها كأنني سأختنق ان لم اسدد في الحال». يسال كويلهو السؤال الصعب الذي يصنع البطل، من أين يكتسب محارب النور طاقته؟ من العدو الخفي، يقول. هذا العدو الخفي هو شخص لن تستطيع ايذاءه بعد اليوم. قد «يكون طفلاً ضربه في شجار طفولي، أو صديقة هجرته، أو معلماً وصفه بالغباء». ان قوة محارب النور تكمن في ألم الأمس. يلعب كويلهو في كتابه على التناقضات واضداد المعاني: العزلة ومعادلها العيش، الغضب ومعادله السلام، الضجر ومعادله المغامرة، والصمت ومعادله المسؤولية، والتعب ومعادله العمل، والمرض ومعادله الصحة. لكن رغم كل هذه التناقضات التي يُتقن كويلهو استخدامها الا أنه في قضية الخطأ والصواب يبتدع الموقف. وليس في العالم خطأ أو صواب انما هناك الموقف الأكثر ملاءمة في اللحظة الملاءمة.

معاني الحكمة

يركض كويلهو في كتابه خلف معاني الحكمة والاشراقات الروحية والتأملية ويعمد الى ترصيع كتبه بأقوال تراثية وحديثة لفلاسفة كبار أو حكايات صوفية بسيطة وعميقة في آن. يفاجئك مثلاً بتأثره بالتراث العربي وينقل هذه الحادثة «سأل الخلفية معاوية عمرو بن العاص عن سر مهاراته السياسية: فأجاب: «لا أتورط بأمر أعرف أني قد أتراجع عنه، ولا أدخل مسألة يساورني الشك في أن أتقهقر منها على الفور».

كتاب «محارب النور» لباولو كويلهو دعوة تأملية روحية هادفة تمتزج مثاليتها بواقعيتها. دعوة الى إنتصار الانسان على نفسه أولاً عن طريق بناء الذات، ولأن تكون كل الأشياء المحيطة بالإنسان في العالم أو محارب النور متصلة فيه وغير منفصلة عنه. هزائمه وانتصارته وحماسته ويأسه جزء من قتاله الطيب. لكن ليس ثمة سعي للمحارب لأن يكون منطقياً فقد تعلم في معاناته الطويلة كيف يتعايش مع تناقضاته. وعندما يعيش المرء في قلب تناقضاته ويحاول السيطرة عليها فإنما هو في قلب الحياة. إنه اذن محارب النور.