الدكتور محمد عمارة أحد المفكرين الإسلاميين الذين يعملون بالفكر كصناعة ثقيلة، يعمل أستاذا للتاريخ الإسلامي في جامعة الأزهر وهو من القلائل في مجال العمل الدعوي الذين يحرصون على الالتحام باليومي ومناقشة مختلف الأمور السياسية التي تعيشها الأمة في الآونة المعاصرة، مؤمنا بأن السياسة شأن لا ينقطع عن الدعوة، داعيا إلى قويم الفكر وصحيح السلوك الإنساني... التقته «الجريدة» في الحوار التالي:
الأمة والاجتهاد• إلى أي مدى نحتاج إلى الاجتهاد الديني لتلبية احتياجات الأمة في مواكبة المستجدات؟- الاجتهاد ضرورة ملحة ودائمة حتى تستوعب روح الشريعة الواقع المتجدد وحتى لا يخرج هذا الواقع عن النسق الإسلامي العام وحتى تستجيب التشريعات لما يستجد من المستحدثات، وقديما عندما كانت الحياة بسيطة وكانت الثقافة الموسوعية هي الطابع الذي يميز كبار المجتهدين فكان المجتهد يستطيع أن ينظر في الأمور المختلفة ويخرج منها برؤية سليمة، أما اليوم فقد ضمر الإبداع الفكري الإسلامي منذ العصر المملوكي العثماني وتطور واقعنا دون مراعاة لروح الشريعة بفعل الاستعمار وتأثير الحضارة الغربية وتعقد شؤون الحياة، فلم يعد بإمكان المفكر الفرد أن يلم بهذه الحقائق وحده خاصة بعد أن أصبح التخصص هو طابع العصر، سواء في العلوم أو في تطبيقها أو في مجال العمل الإنساني، وأمام كل ذلك كان لابد أن يتخذ الاجتهاد الإسلامي أسلوبا جديدا ليلبي احتياجات هذا الواقع الجديد لأن أهل الذكر وأولي الأمر وأصحاب الحل والعقد لم يعودوا هم الأفذاذ من علماء الشريعة وحدهم وأصبح الاجتهاد يتطلب أن يشمل كل خبراء الدنيا بجانب علماء الدين وأن تتبلور المؤسسات الفكرية التي تجمع الخبرات الدينية والدنيوية معا حتى يعود للاجتهاد تألقه وحتى يستطيع تلبية احتياجات الناس ومراعاة الواقع المتجدد. • هل نحتاج إلى فقه جديد لصياغة وضعية المرأة، أم أننا بحاجة إلى إعادة قراءة فقهنا القديم في هذا الشأن؟ - نعم، نحن بحاجة إلى فقه جديد ، فقهنا القديم ثروة فكرية لا مثيل لها في العالم، ولكن ليس معنى هذا أن كله صالح، ففيه أفكار بنت عصرها، وليست هي الإسلام، فالإمام ابن القيم مثلاً - وأنا من أشد المعجبين به - له ولابن تيمية كلام جميل في موضوع شهادة المرأة على غير ما يظن معظم من يكتبون عن الإسلام ولكن لابن القيم عبارة استنكرتها يقول فيها: «إن المرأة تحت أسر الرجل مثل العبد تحت أسر سيده» !! هذا كلام العصر المملوكي وليس هذا كلام الإسلام، هناك أفكار في الفقه بنت عصرها وآراء لفقهاء عصر قديم وهي ليست من الإسلام. مثلا بعض الفقهاء قالوا إن عقد الزواج تمليك لبضع المرأة ! هذا كلام لا يليق ولابد أن يسقط. إذن نحن بحاجة إلى فقه جديد نبنيه على الفقه القديم ونحترم الماضي وننتقي منه ونضيف إليه، نحتاج لفقه جديد فى العلاقات الدولية، فنحن في عالم وظروف جديدة. لا أعني أن نلغي ما كتب عن دار الإسلام ودار الحرب، فهذه مصطلحات كانت لها ظروفها، ولكن نضيف إليها ونجدد فيها. • ما تفسيرك للخلاف حول مشاركة المرأة فى العمل العام عند بعض الإسلاميين؟ - مما يؤسف له أن تصور بعض الإسلاميين لقضية المرأة متخلف، ولا يزال اهتمام الحركة الإسلامية بالرجال أكثر من النساء، نعم هناك نماذج ولكن ليست بالعدد المطلوب، فبعض الإسلاميين يتحرجون إلى الآن من أن تكون هناك تنظيمات نسائية أو حركات نسائية من باب «سد الذرائع»، وهذا خوف مشروع، ولكن لو توسعنا فيه سنحرّم المباح، ويحضرني رأي الشيخ محمد عبده في موضوع «سد الذرائع» فهو يقول: إن الإنسان يمكن أن «يشرق» وهو يشرب الماء، فهل يعني ذلك أن نحرم الماء؟ وهل نقطع اللسان لأنه أداة الكذب؟ يجب أن نضبط الأشياء بضوابط الإسلام ولا نكبل حركتنا، فالحقوق لا تمنح طواعية.المرأة في الميراث• علت مؤخرا أصوات تنادي بالمساواة بين النساء و الرجال في الميراث كيف ترى تلك الإشكالية؟ - هذه قضية مغلوطة وقد بحثت هذا الأمر ووجدت أن معايير التفاوت في الميراث لا علاقة لها بالذكورة والأنوثة، وهذا يُفحم كل من يتكلم على أن الإسلام ظلم المرأة وهضم حقوقها حين أعطاها نصف الميراث، ويأتي نصر أبو زيد فيقول: إذا كان الإسلام قد أعطاها النصف من 14 قرنًا، فالمفروض أن تأخذ الآن مثل الرجل بل وأكثر ، فالأمور متطورة ، والذي وجدته أن الإسلام لا يعير أي أهمية لعامل الذكورة والأنوثة في موضوع الميراث، وهناك ثلاثة عوامل تحدد الأنصبة والتفاوت في الميراث هي: أولاً درجة القرابة، ثانياً: موقع الجيل الوارث، وهذه حكمة إلهية توقفت أمامها فوجدت أنه كلما كان الوارث صغير السن كان ميراثه أكثر والعكس صحيح، فمثلاً بنت المتوفى ترث أكثر من أمه، وهذه أنثى وهذه أنثى، ابن المتوفى يرث أكثر من أبيه وهذا ذكر وهذا ذكر. ولكن الإسلام يراعي مستقبل الجيل الوارث. أما المعيار الثالث فهو العبء المالي، وهذا الذي نجد فيه التمييز للذكر مثل حظ الأنثيين، كثيرون من لا يلتفتون إلى أن الله قال: «يوصيكم الله فى أولادكم» ولم يقل: في الوارثين؛ لأن الولد والبنت جيل واحد، ودرجة القرابة واحدة، ولكن العبء المالي هو المختلف، هو يعول واحدة وهي يعولها واحد. فعندما نكتشف الإسلام نرد على كل الدعاوى الأخرى من موقف قوة وبشكل منطقي مفحم.11 سبتمبر• ثمة إشكالية في العلاقة مع الغرب منذ تداعيات الحادي عشر من سبتمبر، هل هناك مبرر؟- ما حدث منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 كان التطبيق العملي لمرحلة العولمة التي تعني بالمنظور الغربي عملية اجتياح الغرب وخاصة الأميركي للآخر، وهو هنا العالم كله، سواء في الجانب الاقتصادي عن طريق فتح كل الحدود أمام الشركات متعددة الجنسيات أو في الجانب السياسي بتكريس حق التدخل في الشؤون الداخلية للدول الوطنية والقومية وتهميش المنظمات الدولية وإحلال الهيمنة الأميركية محلها، أو في الجانب القانوني والتشريعي بجعل الكونغرس يشرع للعالم سواء في الأقليات أو التجارة أوالعقوبات، بل وحتى في تغيير نظم الحكم، فمثلا عندما يسن الكونغرس الأميركي قانونا لتغيير النظام في العراق ويعتمد ميزانية لذلك فإن هذا يعتبر لونا من ألوان التدخل في الشؤون الداخلية للدول. أو في عولمة القيم وإحلال منظومة القيم الغربية من خلال صياغتها في وثائق خاصة بالمرأة والطفل والسكان ثم تعميمها وفرضها على العالم.حرب المصالح• البعض يرى ما يجري من عداء هو حرب على الإسلام؟- ليست حربا على الإسلام وإنما هي حرب مصالح، وهذا صحيح لأن الغرب براغماتي ونفعي ودينه هو المال والمصالح، لكن دائما وأبدا عبر التاريخ وفي كل المجتمعات والحضارات سنجد أن المصالح لا تنفصل عن الأفكار، وعلى سبيل المثال عندما كانت الدولة الرومانية تحتل مصر حاربت المسيحية واضطهدت المسيحيين المصريين طوال ستة قرون لأن المسيحية كانت تمثل ذاتية مصر وعاملا من عوامل تحررها وكان قهر هذه المسيحية هو تحقيق لمصالح الدولة الرومانية في مصر. أيضا الحروب الصليبية وقد كانت تريد احتلال الشرق إلا أنها تمثلت بالدين واستخدمت غطاءه. وفي العصر الحديث كان الهجوم على الدولة العثمانية وعلى فكرة الخلافة سبيلا لتقسيم العالم الإسلامي واحتوائه، بل إن الحرب على حركات التحرر الوطني في العالم العربي أخذت شكل الهجوم على القومية العربية. إذن كانت المصلحة دائما ما ترتبط بالفكر، فالغرب عندما حارب الشيوعية كان في ذلك يدافع عن النظام الرأسمالي لكن حربه كانت ضد أيديولوجية.
توابل
المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة: الحرب بيننا وبين الغرب مصالح لا عقائد
25-09-2007